مِن النوادر التي تتكرر عن المتقاعدين عبارة: «أطفئوا الإضاءة». قد تبدو هذه الكلمة للبعض مجرد حرصٍ زائدٍ على فاتورة الكهرباء، أو عادةً اكتسبها الإنسان مع مرور السنوات بدافع الفراغ، لكن خلف هذه العبارة البسيطة قصة أعمق من ذلك بكثير.
فالتقاعد لا يعني فقط انتهاء سنوات العمل، بل يمثّل في كثير من الحالات تحولًا جذريًا في علاقة الإنسان بالمال؛ فشخصٌ اعتاد لسنوات طويلة أن يستلم راتبًا شهريًا مضمونًا في موعده وقيمته، يجد نفسه فجأة أمام دخلٍ متناقص، في وقتٍ تستمر فيه الالتزامات المعتادة، بل وقد تتضاعف.
فمع انخفاض دخل الأسرة، يكبر الأبناء، وتكبر معهم متطلباتهم؛ من تعليمٍ جامعي، وبناءِ مستقبل، وزواج، ومواكبةٍ لمتطلبات الحياة الحديثة التي أصبحت أكثر تنوعًا وتكلفة. هنا، يجد الأب أو الأم المتقاعدان نفسيهما أمام معادلة صعبة: موارد أقل، ومسؤوليات لا تنتهي.
لذلك، قد لا تكون عبارة «أطفئوا الإضاءة» مرتبطة بقيمة الفاتورة فحسب، بل هي انعكاسٌ لشعورٍ داخلي بفقدان السيطرة على التدفقات المالية كما في السابق، ومحاولة واعية لاستعادة الإحساس بالمسؤولية.
المشكلة إذن ليست في «ترشيد الاستهلاك» بحد ذاته، بل تكمن المشكلة عندما يتحول هذا الترشيد إلى مصدر قلق دائم، أو عندما يشعر المتقاعد بأنه يحمل وحده عبء التكيف مع هذه المرحلة الجديدة.
وهنا يأتي دور الأسرة الواعية التي لا تنظر إلى المتقاعد باعتباره مصدرًا ماليًا مستدامًا كما كان؛ فمن المهم أن يدرك الأبناء أن تغير دخل الوالدين ليس نقصًا في الحب أو رغبةً في حرمانهم، بل هو مرحلة طبيعية من مراحل الحياة تتطلب تعاون الجميع. إن مشاركة الأسرة في التخطيط للمصروفات، وترتيب الأولويات، وتقليل الهدر، كلها ممارسات تُعزز الطمأنينة وتُشعر المتقاعد بأنه ليس وحده في السفينة.
كما أن الحوار المالي داخل الأسرة يصبح ركيزة أساسية بعد التقاعد؛ فالحديث الصريح عن الإمكانيات والحدود لا يُقلل من مكانة الوالدين أبدًا، بل يحمي العلاقة الأسرية من الضغوط والتوقعات غير الواقعية. لكن هذا الحوار لا يتوجب تأجيله لمرحلة التقاعد، بل يبدأ من مرحلة مبكرة من عمر الطفل؛ لأن المسؤولية عادة وسلوك نتربى عليهما.
ربما نحتاج فعلًا إلى إعادة تفسير العبارات التي نسمعها من كبار السن؛ فعبارة «أطفئوا الإضاءة» ليست مجرد دعوة لإطفاء المصباح، بل هي رسالة غير مباشرة تقول: «ساعدوني لأشعر بالأمان في مرحلة تغيرت فيها ظروفي».
إن بناء مجتمع يدعم جودة حياة المتقاعدين لا يقتصر على الأنظمة والتشريعات المالية فقط، بل يبدأ من حضن الأسرة التي تفهم التغيرات النفسية والاجتماعية لهذه المرحلة، وتأخذ بيد الإنسان ليعبر إليها بكرامة وطمأنينة، وبما ينسجم تمامًا مع مستهدفات التنمية الإنسانية والرفاه الاجتماعي في رؤية «عُمان 2040».
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية