«الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول ممالك»أبو حيّان التوحيدي.
في هذه الكلمات القليلة اختصر أبو حيّان التوحيدي مراتب الإدراك كلَّها، فالحواس قد تهلك من يركن إلى شهادتها وحدها، والأوهام تفتح له مسالك تبدو مأمونة وهي تفضي به إلى التيه، أما العقل فليس مجرد أداةٍ للتفكير، بل مملكة لا تقوم إلا لمن تعلَّم النظر.
وليس النظر، في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة، مرادفًا للرؤية، وإنما هو انتقالٌ من ظاهر الأشياء إلى بواطنها، ومن الألفة إلى السؤال، ومن الانطباع إلى البرهان.
إنه القدرة على أن نعلّق أحكامنا قليلًا، وأن نقاوم غواية البداهة، وأن نزن الأفكار بما يسندها من دليل، لا بما ألفناه أو ورثناه.
وزعمي أن أزمتنا الفكرية اليوم ليست أزمة معلومات، ولا أزمة تعليم، بل أزمة نظر. فنحن نكثر من الإجابات قبل أن نتقن طرح الأسئلة، ونستعجل الأحكام قبل استكمال النظر، ونفسّر العالم بتفسيراتٍ تطمئننا أكثر مما تفسّره.
وما أكثر ما نرى في خطابنا العام عقلًا يحسب كل صيحةٍ عليه، ويرى في كل حدثٍ مؤامرة، وفي كل نقدٍ استهدافًا، وفي كل نجاحٍ للآخر مكيدةً تُحاك في الظلام. وليس المقصود هنا إنكار وجود المؤامرات؛ فالتاريخ حافل بها، وإنما المقصود أن تحويلها إلى مفتاحٍ يفسّر كل شيء ليس تفسيرًا للعالم، بل تعطيلٌ للنظر فيه. فالعقل الذي يجد جوابًا واحدًا لكل سؤال يتوقف عن التفكير، مهما بدا واثقًا من نفسه.
لكن فساد النظر أعمق جذورًا من ذلك.
إن الإنسان لا يرى العالم بعينيه وحدهما، بل يراه أيضًا من خلال لغته، وتاريخه، ومؤسساته، وما استقر في وجدانه من مسلّمات. وما يبدو بديهيًّا في عصر قد يبدو ساذجًا في عصرٍ آخر، وما نعدّه اليوم حقيقةً نهائية قد يغدو غدًا مرحلةً في تاريخ فكرة. ولهذا لا يكفي أن نسأل: هل الفكرة صحيحة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كيف نشأت؟ وفي أي سياق؟ وما الشروط التي منحتها معناها وفاعليتها؟
ذلك أن المفاهيم ليست ألفاظًا معلّقة في الفراغ، بل كائناتٌ تاريخية. تولد في زمانٍ بعينه، وتترعرع في بيئةٍ مخصوصة، وتكتسب معناها من شبكة العلاقات التي أحاطت بها؛ فإذا اقتُلعت من تربتها دون فهم تاريخها، بقي لفظها وانتفى معناها.
وليس المقصود بهذا أن المفاهيم حبيسة أوطانها، أو أنها لا تنتقل بين الحضارات، وإنما المقصود أن انتقالها لا يغني عن فهم ظروف نشأتها. فلا يُحسن قبول مفهومٍ ولا رفضه قبل معرفة السؤال الذي جاء جوابًا عنه.
ولعل كثيرًا من اضطرابنا الفكري في القرن الأخير مردّه إلى أننا استوردنا معارك غيرنا كما استوردنا مفاهيمه، أو رفضناها جميعًا، من غير أن نبذل الجهد الكافي لفهم التاريخ الذي أنجبها.
وإذا كان هذا المقال يخاطب كل قارئٍ معنيٍّ بالشأن العام، فإنه يوجّه حديثه، قبل غيره، إلى من تقع على عاتقهم صناعة الأفكار وصياغة المناهج وإدارة المجال الثقافي: الكاتب، والأستاذ، والباحث، وواضع المنهج، وصانع الرأي؛ فالأفكار لا تنتشر تلقائيًّا، بل تمر عبر مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة، ومنها تتشكل صورة المجتمع عن نفسه وعن العالم. فإذا فسد النظر عند من يصوغ هذه الأطر، سرى فساده إلى المجال العام كله.
غير أن حسن النظر لا ينشأ بالرغبة الصادقة وحدها، بل له مصادر وشروط.
فالعلم يعلّمنا كيف نختبر، والفلسفة تعلّمنا كيف نسأل، والحرية تتيح لنا أن نفعل الأمرين معًا من غير خوف. فإذا اختل واحد من هذه الثلاثة اختل النظر كله. إذ لا علم بلا استعدادٍ لتكذيب الفرضية إذا كذّبتها الوقائع، ولا فلسفة بلا استعدادٍ لمساءلة المسلّمات، ولا حرية حيث يصبح السؤال نفسه تهمة.
لكن هذه الشروط لا تُثمر ما لم تتجسد في مؤسسات؛ فالعقول الفردية، مهما بلغت من النبوغ، لا تقيم نهضةً بمفردها. وإنما تنهض الأمم حين تبني جامعاتٍ تُنتج المعرفة، ومراكزَ بحثٍ تمارس النقد، وصحافةً تحاسب، ودورَ نشرٍ تفتح أبواب الحوار، فتتكوّن، عبر جيلٍ أو جيلين، طبقةٌ من الرجال والنساء اعتادت النظر قبل الحكم.
ولعل مثالًا واحدًا يكفي لبيان المسافة بين الحواس والنظر.
فما من شيءٍ يبدو أوضح للعين من أن الريشة تسقط أبطأ من الحجر. وقد ظل الإنسان قرونًا يثق بهذه الشهادة ثقةً لا يداخلها شك، حتى أثبت العلم أن الفرق ليس في الجاذبية، بل في مقاومة الهواء، وأن الريشة والحجر، إذا سقطا في الفراغ، بلغا الأرض معًا. وما شهده العالم على سطح القمر، حين أُسقطت مطرقة وريشة في آنٍ واحد، لم يكن انتصارًا لتجربةٍ علمية فحسب، بل كان درسًا في النظر: فالحقيقة لا تبدأ دائمًا بما تراه العين، وإنما بما يبقى بعد أن تُمحَّص شهادة العين.
ومن هنا كانت الحضارة، في جوهرها، انتصارًا للعقل على الانطباع، وللبرهان على الألفة.
ولم يكن فؤاد زكريا يبالغ حين كتب: «إنها قصة حزينة، وأشد جوانبها مدعاة للحزن هو أن كل الأطراف فيها مدانون، وكلهم يسهمون في تلك الجريمة الكبرى التي لم ترتكب النظم غير الديمقراطية ما هو أفظع منها: جريمة هدم العقول». فالعقول لا تُهدم حين تُمنع من الكلام فحسب، بل تُهدم أيضًا حين تُعفى من السؤال، وتُدرَّب على الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة، ويغدو الاطمئنان إلى المألوف فضيلة، والشك في المسلّمات رذيلة.
وهكذا نعود إلى التوحيدي، لا بوصفه شاهدًا من التراث، بل بوصفه مفكرًا سبق إلى تشخيص ما نزال نعانيه: الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول ممالك. فالمجتمعات لا تنهض بكثرة ما ترى، بل بكيفية ما تنظر. وكل ما سيأتي في هذه السلسلة ليس إلا محاولةً للعودة إلى تلك المملكة؛ مملكةٍ لا سلطان فيها إلا للحجة، ولا قداسة فيها إلا للحقيقة، ولا طريق إليها إلا بالنظر.
حمد الغيثي كاتب ومترجم عماني