ترجمة: أحمد شافعي

من جميع الفظائع التي ارتكبها دونالد ترامب، بدءًا بقصف بلاد أخرى، فإن تدخله الخفي الأسبوع الماضي في مباراة الولايات المتحدة ضد بلجيكا ضمن فعاليات كأس العالم هو الذي أثار أشد ردود الفعل توحدًا وغضبًا في العالم كله. فقد كان الاستنكار شاملا تقريبا. وليس بوسع ترامب أن يفهم ذلك التأثير الفريد لـ«اللعبة الجميلة» في حياة الناس العاديين في كل مكان. فذلك سلطان يتجاوز كثيرا ما له هو من سلطان. لأن العالم مغرم حقا بكرة القدم. ثم إن الولايات المتحدة خسرت المباراة على أي حال؛ فأبرز هذا المشهد الأخلاقي الحديث ما يعجز الاستبداد عن تحقيقه إبرازا مبهجا.

في عصر يخضع لسيطرة قوى اقتصادية وعسكرية متغطرسة غير ليبرالية، يقلب كأس عالم للرجال التراتبية الجيوسياسية المعهودة وتوازنات القوى بطرق مبهجة ودالة. وفي هذا العالم الموازي، كثيرا ما تكون الصيحة العليا للبلاد الصغيرة ـ وللبشر العاديين. فبرغم استثمارات الدولة الهائلة في جميع جوانب اللعبة، فشلت الصين مجددا في التأهل. وطردت روسيا ـ التي لم تكن ذات شأن كبير أصلا في كرة القدم ـ من اللعبة بعد غزوها لأوكرانيا. وبرغم جميع أعمال الشغب من حركة ماجا التابعة لترامب، تظل الولايات المتحدة قليلة الشأن في عالم كرة القدم. فما أشد هذا على قوة عظمى.

مفهوم ما أصيبت به بلجيكا الصغيرة من صدمة من جراء استهانة الفيفا بالقواعد؛ إذ اتخذت قرارا بإعادة لاعب الولايات المتحدة فولارين بالوجون الحاصل على بطاقة حمراء إلى اللعب إثر طلب سري من ترامب.

وجاء الرد في الملعب، حيث تعرض البلد المشارك في استضافة البطولة لهزيمة ساحقة بأربعة أهداف مقابل هدف في أمسية بدا فيها أن العالم كله خارج الولايات المتحدة يشجع بلجيكا.

كان ذلك انتصارا ذا دلالة ديمقراطية ورياضية في آن واحد؛ فقد تم إحباط ألاعيب المتنمر المتسلط والمنظمة الشهيرة بالفساد والجشع. وفي مراحل البطولة المبكرة، وقفت مجموعة من الفرق الصغيرة بعزة في مواجهة قوى كبرى. فتحية للرأس الأخضر وكوراساو وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ولكن، كم مرة سمعتم تحية لمثل هذه البلاد؟

غياب ثماني من أكبر دول العالم من حيث السكان عن أضخم حدث رياضي في العالم يمثل هو الآخر انقلابا كبيرا في النظام التقليدي. فغالبا ما توصف الهند ـ بجانب الصين ـ بأنها قوة كبيرة جديدة في القرن الحادي والعشرين. ولكنها برغم عدد سكان مذهل يبلغ قرابة المليار ونصف المليار، منهم ملايين من مشجعي كرة القدم، تعاني دائما في تجاوز مراحل التصفيات. وتغيب أيضا قوتان ناشئتان أخريان هما إندونيسيا ونيجيريا. في الوقت الذي حققت فيه بلاد صغيرة من قبيل الإكوادور والبوسنة والهرسك نجاحات ضخمة على الصعيد العالمي.

هذه البطولة إلهاء ضروري، وإن يكن عابرا، في وقت يشهد مستويات قياسية من الصراع العسكري والجيوسياسي. وتتنبأ الفيفا بأن يشارك ثلاثة أرباع سكان العالم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في ما تطلق عليه «أعظم حدث عرفته الإنسانية».

وتشهد تجربة المكسيك ـ المشاركة في استضافة البطولة ـ بآثار البطولة الإيجابية؛ فأداء إل تري (بحسب لقب منتخب المكسيك) في بداية البطولة أدى إلى فرح وطني وصرف الأنظار عن توترات سياسية وعن حالات اختفاء.

وترددت أنباء عن انخفاض نزيف الدم المرتبط بتجارة المخدرات، وتواجه المكسيك انتكاسة بعد أن أطاح المنتخب الإنجليزي بمنتخبها.

لقد باتت النهائيات، في الملعب وخارجه، احتفالا مثيرا ومبهجا بالتعددية الثقافية والتعددية العرقية في أفضل توبيخ ممكن لترامب ونايجل فاراج وأمثالهما. حيث تقدم فرق ينتمي لاعبوها إلى شتى الخلفيات المعروفة مستويات رفيعة ويضربون مثالا ملهما للعالم الذي يشاهدهم ويقال له طيلة الوقت إن المجتمعات فيه منقسمة ومحطمة وعصية على الإصلاح. فترحيب الأمريكيين الكرنفالي في كل مكان، من تكساس إلى ماساتشوستس، بمشجعي العالم يكذِّب صورة الشعب الأمريكي الغاضب الكاره للهجرة المصاب برهاب الأجانب، وهي الصورة التي اخترعها البيت الأبيض. ولعل هذا، فضلا عن احتمال ترديد هتافات ساخرة تشير إلى جيفري إبستين، هو ما منع ترامب حتى الآن من حضور أي مباراة.

ولم تغب عن البطولة اللحظات السيئة، وأبرزها استبعاد الولايات المتحدة دونما مسوغ لعمر أرطان، وهو حكم صومالي من حكام النخبة، والتحرش الرسمي الانتقامي بفريق إيران الوطني. وهناك تحول إيجابي في المواقف العامة نلمسه في اتساع نطاق الإدانة للإهانات العنصرية التي وجهتها سيليستي أماريا، نائبة البرلمان في باراجواي، إثر هزيمة مني بها منتخب بلدها، لكليان مبابي هداف فرنسا الأول. غير أن مبابي لم يكن بحاجة إلى دفاع، فقد صدر رده اللاذع الذي تحدث فيه باسم جميع ضحايا الإساءات في العالم وإن كانوا أقل شهرة منه، فقال مبابي إن أماريا أساءت إلى سمعة باراجواي الطيبة. والنتيجة: مبابي ثمانية، المتعصبون صفر.

شأن بطولتي العالم السابقتين في روسيا وقطر، يحقق كأس العالم الحالي النجاح، لا بسبب، الفيفا، ورئيس الفيفا جياني إنفانتينو. فاحتيال الفيفا في تسعير التذاكر المتغير والمغالاة في أسعار السلع تعكس أولويات إنفاتينو: السلطة والمال. وعمد إنفاتينو إلى التكتيكات اللزجة للتودد إلى ترامب فمنحه «جائزة سلام» زائفة، مع تخليه عن مشجعي هاييتي وكوديفوار والسنغال الذين منعهم البيت الأبيض من دخول الولايات المتحدة. وقال إنفاتينو لترامب إنه «قائد يراعي الشعب». فيا له من أمر عجيب!

يمثل سلوك إنفانتينو، وجشع الفيفا قصير النظر، وصمة لكأس العالم قد تساعد على تغيير الوضع القائم سياسيا ورياضيا. فالتوترات واضحة، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم في صراع مع الفيفا بسبب فضيحة البطاقة الحمراء في مباراة بلجيكا والولايات المتحدة وبسبب قضايا من قبيل إعادة روسيا إلى اللعب. كما أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم رفض استراحة شرب المياه، ويعمل على ضمان انخفاض أسعار التذاكر في بطولة أوروبا 2028، واستعان بالحكم الصومالي أرطان الذي لم تدافع عنه الفيفا فأبرز تعيينه في مبارياته.

وهذا الشقاق يعكس الفجوة الجيوسياسية التي تفصل ترامب وإخوانه من الحكام عن بلاد أوروبا الديمقراطية.

وترغب البلاد الأفريقية ـ الممثلة في هذه البطولة بعدد أكبر من ذي قبل ـ أن يكون لها صوت أكبر في إدارة الأمور. وقد أصاب المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن وترا حساسا حينما زعم أن فريقه عوقب ظلما بسبب رغبة الفيفا في ضمان عدم إقصاء أبطال الأرجنتين ونجمهم في شباك التذاكر ليونيل ميسي. فقد قال حسام حسن بعد هزيمة مصر الصعبة المثيرة للجدل إن «الأمر كله يتعلق بالنقود. هم يريدون بقاء ميسي في البطولة. وفي كرة القدم أشياء كثيرة تحدث خارج الملعب بسبب المصالح. وما جرى كان ظالما».

وثمة أسئلة كثيرة ومزعجة تحيط منذ الآن ببطولة كأس العالم سنة 2030 التي سوف يستضيفها ما لا يقل عن ستة بلدان. ففي كرة القدم، كما في السياسة، تتزعزع التراتبيات الاحتكارية القديمة وتتحطم.

يشيع رأي مفاده أن كأس العالم لا يغير أي شيء بالفعل، فالجميع يحصلون على الإثارة، والكلام يكثر عن عالم متحد على لعبة جميلة، ثم تبدأ المنافسة، فتخسر إنجلترا بضربات الترجيح، ويكسب آخرون، وبعد ذلك نرجع مرة أخرى إلى المعهود من كرة قدم الأندية ـ ومن السياسة. فبعد أن فاز المنتخب الفرنسي الأسطوري متعدد الأعراق بالبطولة سنة 1998 بات انتهاء اليمين المتطرف في فرنسا متوقعا على نطاق كبير، ثم لم يحدث ذلك على الإطلاق. فعسى هذه المرة، إذ تقترب البطولة من ذروتها المثيرة، وبرغم بذل ترامب والفيفا أسوأ ما في وسعهما، أن يدوم أثر كأس العالم في اتجاه مزيد من العدل والمساواة على المستوى العالمي. وهذا هو الهدف الذهبي. 

سيمون تيسدال معلق الشؤون الخارجية في صحيفة الجارديان.