يحتاج مفهوم «الإجازة الصيفية» إلى إعادة بناء في الوعي العام والوعي الطلابي بشكل خاص، فالإجازة الصيفية لا تعني دخول الطلاب في حالة تبعدهم عن اكتساب المعرفة والوعي أو العزلة عن الفعاليات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع خلال هذه المرحلة بدعوى أنها فترة راحة للطلاب ولا يجوز خدشها.
قبل عقود، كانت الإجازة الصيفية في كثير من البيئات العُمانية تفتح الأبناء على أشكال مختلفة من التعلم؛ فيشاركون أسرهم في موسم القيظ والحصاد ويتعرفون إلى قيم العمل والتعاون وينخرط بعضهم في حلقات ودورات ثقافية موازية للمدرسة. أما اليوم، فقد تقلصت مساحات المشاركة الاجتماعية، واستحوذت المنصات الرقمية على جزء كبير من وقت الأبناء وانتباههم، من دون أن تنشأ في المقابل بيئة ثقافية قادرة على توجيه هذا الحضور الجديد.
ولا يفيد اختزال القضية في معركة بين الكتاب والشاشة كما تفعل خطابات الوعظ، فالتقنية صارت جزءا من الحياة الحديثة وعزل الأبناء عنها غير ممكن ولا مفيد. القضية تتعلق بنوع العقل الذي يتكون تحت ضغط التدفق المستمر، عقل يعتاد السرعة والاختصار والانتقال من صورة إلى أخرى، أم عقل يستطيع التوقف أمام فكرة ومتابعتها وطرح الأسئلة حولها؟
من هنا تكتسب القراءة قيمتها، فالكتاب لا يستمد أهميته من مجرد إضافة قصة أو معلومة إلى رصيد الطالب، وإنما من تدريبه على شكل مختلف من الانتباه وعلى بناء الصور في مخيلته، والاحتكاك بتجارب إنسانية تختلف عن تجربته. وفي هذا الجهد تتكون اللغة التي يفكر بها ويتسع إدراكه لما هو ممكن ويتعلم أن العالم أكثر تعقيدا من الأحكام السريعة التي تقدمها الشاشات في عبارات جاهزة.
ويمنح الكتاب الطالب مسافة يتأمل منها العالم بعيدا عن استعجال اللحظة، فيسائل السلوك الإنساني ويختبر ما يُقدَّم له بوصفه حقيقة ويفكر في النهايات الأخرى التي كان يمكن أن تسلكها الحكاية. ومن هذه المسافة تبدأ بذرة الاستقلال الفكري، فالوعي يتكون من القدرة على الفحص والربط والشك والمراجعة.
غير أن بناء القارئ لا يبدأ بوضع كتاب في يد الطفل وانتظار النتيجة، فالقراءة عادة اجتماعية قبل أن تكون مهارة فردية، والطفل الذي لا يرى كتابا في البيت ولا يسمع حديثا عن فكرة أو قصة، سيصعب عليه أن يتعامل مع القراءة على أنها جزء طبيعي من حياته، وأسوأ ما يمكن أن يتعلمه أن القراءة واجب للصغار، أما حياة الكبار فلها اهتمامات أخرى.
لذلك تبدأ دعوة أولياء الأمور إلى تقريب أبنائهم من الكتب بتغيير موقع الكتاب داخل الأسرة لا بربطه بالإجازة وحدها، فالطفل يحتاج إلى أن يشعر بأن القراءة مساحة تخصه يختار داخلها ويجرب ويترك كتابا لم يحبه ويعود إلى آخر أثار فيه سؤالا أو متعة.
ثم يأتي الحوار الأسري ليخرج القراءة من عزلتها الصامتة ويحولها إلى تمرين مبكر على بناء الوعي، فعندما تسأل الأسرة طفلها لماذا تعاطف مع شخصية ورفض أخرى أو ما إذا كانت النهاية عادلة أو أي الأفكار بدت له ضعيفة فإنها تعلمه أن الرأي يحتاج إلى حجة وأن الاختلاف لا يفسد العلاقة وأن الإنسان يستطيع مراجعة موقفه حين يسمع تفسيرا أكثر إقناعا. ومن هذه الحوارات الصغيرة يبدأ العقل النقدي الذي تحتاج إليه المجتمعات في مواجهة الشائعة والتعصب واليقين السهل.
على أن مسؤولية ضعف القراءة لا تقع على الأسرة وحدها، فالمدرسة والنادي والمسجد والمؤسسات الثقافية شركاء في بناء الطالب القارئ، كما أن المكتبة العامة ما تزال غائبة إلى حد بعيد عن خيال العمل الخيري والوقفي، رغم أن إتاحتها في الأحياء والقرى استثمار طويل الأجل في وعي المجتمع. وكما يُنظر إلى بناء المساجد والمستشفيات ووقف المال باعتبارها أعمالا خيرية ينبغي النظر إلى المكتبة باعتبارها وقفا للمعرفة ومكانا عاما يلتقي فيه الأبناء بالكتاب خارج رهبة الامتحان ومكانا تبنى فيه أجيال المستقبل.
ويمكن للأجهزة التي تستحوذ على وقت الأبناء أن تصبح جزءا من الحل، فالمشكلة لا تكمن في الشاشة ولكن في الطريقة التي تُستخدم بها، وبإمكان الأسرة أن تحول الجهاز اللوحي إلى مكتبة شخصية خصوصا في المناطق التي تندر فيها المكتبات العامة ومتاجر الكتب، وقد تكون القراءة الإلكترونية الجسر الأقرب بين الطفل الذي ألف الشاشة والكتاب الذي نريده أن يكتشفه.
والأمر في مجمله لا يتعلق بعدد الكتب التي يقرأها الأبناء خلال الصيف، وإنما بنوع الوعي الذي نريد أن يعودوا به إلى مدارسهم وحياتهم. فالمستقبل لن ينقصه الوصول إلى المعلومات، لكنه سيحتاج بشدة إلى عقول تعرف كيف تميز بينها وتفهم سياقاتها وتقاوم الخداع الذي يتخفى في صورة اليقين.