هذه المقالة هي تأملات متعددة في الحالة الاجتماعية لعصر الذكاء الاصطناعي، لا تتمحور حول فكرة واحدة، وإنما تحاول أن تنقب في المقولات، والافتراضات السائدة والجاهزة عما يحدث اليوم تحديدًا في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمجتمع، بما في ذلك قضايا المهارات والطلب على المهن.

ما يجب أن نسلم فيه في البداية أن أية محاولات للتنبؤ أو قياس تأثير تبني الذكاء الاصطناعي على قطاع بعينه، أو سياق معين محكومة بالتقديرات الآنية؛ أي أنها تتصور حالة العالم وفقًا للتطور المرصود حاليًا في التقنيات والتطبيقات والمبتكرات القائمة على الذكاء الاصطناعي؛ غير أن هناك عوامل تتحكم في درجات ذلك التقدير، بما فيها؛ تسارع وتيرة الابتكار في المجال، ومدى تشعب ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي العام»، والإرادة السياسية والاجتماعية والمؤسسية للتبني، ومستويات ما يُعرف بـ«أمية الذكاء الاصطناعي» داخل المجتمعات نفسها، ومدى قدرة الذكاء الاصطناعي على مضاعفة القيمة الاقتصادية، عوضًا عن حروب القيود التقنية؛ التي بدأت خلال السنوات الأخيرة بين المعسكرين الشرقي والغربي، والتي أصبحت تتخذ من معركة الذكاء الاصطناعي ومدخلاته ومنتجاته ساحة لحرب باردة يتوقع أن تتصاعد وتيرتها في الأشهر والسنوات المقبلة.

ما نستطيع الجزم أننا نقف على أرضه اليوم هو أننا انتقلنا من حالة «السعي إلى امتلاك المعرفة» إلى سباق «السعي نحو توظيفها اقتصاديًا وسياسيًا»؛ وعليه، فإن أية نقاشات ما زالت تدور في فلك أن المعرفة غير موجودة أو غير متاحة لم تعد اليوم ذات معنى، وهنا تبرز أولى العتبات في تأمل علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي وهي عتبة السؤال؛ وكأنها انتقال من فضاء البحث ذاته إلى فضاء بحث الآلة، فكلما كان السؤال صحيحًا محكمًا، موزونًا موجهًا، مؤطرًا بالأبعاد المراد الوصول إلى إجابات عليها أو التحقق منها كلما كان تفاعل الذكاء الاصطناعي دقيقًا - هو أمر يلحظه أي مستخدم للذكاء الاصطناعي العام - وهو يحيلنا إلى أن مهارة السؤال الصحيح الجيد ستبقى مهارة بشرية تستحق التركيز عليها وتنميتها على الأقل في مدى السنوات القليلة القادمة.

تكثر التحليلات التي تتحدث عن اختفاء المهن، واستبدال الوظائف، وتلاشي الطلب على المهارات التقليدية -بما فيها المهارات الإبداعية -، فتقديرات منظمة العمل الدولية في عام 2025 تشير إلى وظيفة واحدة من كل أربع وظائف عالميًا تقع ضمن درجات مختلفة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي.

أما صندوق النقد الدولي فيقدّر أن قرابة ثلث الوظائف عالميًا معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى أكثر من النصف في الاقتصادات المتقدمة، إضافة إلى توقعات الصندوق أن يؤدي الذكاء الاصطناعي في جزء من الوظائف المعرضة إلى خفض الطلب على العمالة والأجور والتوظيف.

في المقابل قام معهد ماكنزي العالمي بتحليل المهن الأمريكية الأكثر تعرضًا، ومنها الدعم المكتبي وخدمة العملاء والمبيعات وإنتاج المحتوى.

وتوصل إلى أن الأثر سيظهر في صورة انخفاض الطلب على بعض المهن وتسارع الانتقال إلى وظائف مختلفة، أكثر من الاستبدال الفوري لجميع العاملين.

ما نريد قوله من كل ذلك أن أتمتة المهام هي واقع قائم، لكن استبدال العاملين هي إجراء اقتصادي بالدرجة الأولى، وليست موجات الذكاء الاصطناعي هي الفاعل الرئيس فيه؛ بمعنى أن قابلية المهنة للأتمتة معرضة اليوم أو غدًا، لكن قابلية الشخص للاستبدال تحكمها عوامل القرار الاقتصادي، وعوامل الاستثمار في رأس المال البشري، وعوامل تحويل المهارات، وعوامل أنسنة بيئات العمل والمنتج المهني.

لذا فإن الدول السباقة هي تلك التي شرعت قبل سنوات وتشرع الآن في برامج وطنية لإعادة تأهيل مهارات قواها العاملة في مختلف المستويات والوظائف، بحيث تكون قادرة على عبور المهنة والمهارة، والتكيف مع نسق جديد للعمل؛ هذا النسق سمته استخدام الموظف والعامل في أداء مهام مختلفة ومتنوعة ومتعددة المهارات ضمن فرق عمل متعددة لتجنب الارتكان إلى مهنة أو مهارة يأتي مشهد الذكاء الاصطناعي من أمامها، والضرورات الاقتصادية قادمة من خلفها.

غير أن هناك حديثا محدودا حول (المهارات الاجتماعية التي ستتعرض للذكاء الاصطناعي)، تلك المهارات التي يحتمل أن يفقدها الفرد في محيطه الاجتماعي العام، بفعل انعكافه على العلاقة مع الذكاء الاصطناعي العام، أو يفقدها الموظف - حتى وإن بقى في بيئة عمله - نتيجة أتمتة المهام وتحول منظومات الإنتاج نحو الرقمنة، ومنها على المستوى المهني مهارات الإقناع وبناء الحجة؛ حيث أصبحت معظم تطبيقات المحادثة اليوم في الذكاء الاصطناعي تستطيع تخصيص الحجة وفق معتقدات الفرد ولغته واعتراضاته، وإنتاج ردود متتابعة بسرعة يصعب على الإنسان مجاراتها. ومن المهارات المهنية كذلك التفاوض بناء على المعايير؛ حيث ومع ظهور ما يُعرف بـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي» أصبحت المسألة قابلة لتدريبهم على التفاوض بشأن المعاملات المختلفة سواء السعر، والشروط، والمواعيد، والتنازلات، واختيار الاستراتيجية الملائمة؛ فتتراجع ممارسة البشر للتفاوض في المشتريات والعقود والمعاملات منخفضة المخاطر.

ومن المهارات المهنية الحساسة كذلك القدرة على التعامل مع الانفعالات البشرية مباشرة؛ حيث أصبحت في عالم الذكاء الاصطناعي من المزايا والتطبيقات ما يتعرف على الانفعالات من حيث الصوت والصورة وحتى نبرة الكتابة، فيتراجع اعتماد بعض المهن على الملاحظة الاجتماعية المباشرة.

وفي سياق المهارات الاجتماعية العامة، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا؛ حيث الكثير من المهارات معرضة بشكل موسع لهذه التأثيرات ومنها تحمل الاختلاف وفهمه؛ ففي الوقت الذي تجاري فيه تطبيقات وبرامج الذكاء الاصطناعي المستخدم وتقدم استجابات قد تتوافق في الأغلب مع الاهتمامات التي يبديها، تتطلب المواجهة البشرية الواقعية مواجهة أفكار ومصالح ومزاج مختلف والتعامل معها. ومن المهارات كذلك القدرة على تقديم التنازلات وتسوية العلاقات؛ ففي حين لا تملك التقنية مصلحة خاصة تساوم عليها، وتتنازل وتسوي وتتفاوض على مبادئها، فإن الحياة الاجتماعية الواقعية هي حالة من تدافع المصالح البشرية، والتي توجه تقاسم الوقت، أو تعديل الرغبات والمآرب، أو تقديم تنازلات متبادلة.

لذا من الأجدر مثلما يحوز الاهتمام طبيعة القراءة الاقتصادية لآليات تبني الذكاء الاصطناعي من ناحية وظائف تتلاشى، ومهارات تُطلب، ومهن تنقرض، من الأجدر أن يكون هناك تشخيص فعلي لنوعية المهارات الاجتماعية - التي تخلق في طبيعتها المعنى الاجتماعي للحياة الإنسانية - وكيف أنها معرضة هي الأخرى للتهاوي أمام الآلة وصنعة الأتمتة، فهو رهان قد يوجه بدوره ما يستوجب أن يركز عليه التعليم، وما ينميه المحيط الاجتماعي، وما ينتبه إليه أرباب الأسر في الحفاظ على ما تبقى من إنسانيتنا وبشريتنا.   

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان