ترجمة: أحمد شافعي
نجا قادة الناتو من قمة أخرى مدمرة للأعصاب مع دونالد ترامب ليبقى التحالف الدفاعي البالغ من العمر سبعة وسبعين عاما على قيد الحياة ليوم آخر، مثبتًا قدرته على الصمود في وجه العواصف الأطلنطية.
لكنه لن يشعر مطلقًا بالأمان طالما بقي في البيت الأبيض هذا الرئيس الأمريكي الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، والنزاع إلى الانتقام، والحريص حرصا لا يرحم على الصفقات.
كالعادة، سرق دونالد ترامب جميع العناوين في قمة الناتو، بمزيج من الهجوم على الناتو والتهديدات الجنونية بالسيطرة على جرينلاند وقطع التبادل التجاري مع أسبانيا، كما أنه أعلن موت وقف إطلاق النار مع إيران ووصف القادة الإيرانيين بـ«الحثالة» وقصفت المقاتلات الأمريكية أهدافا إيرانية بطول مضيق هرمز. وأمام هذه الإغراءات الإعلامية الطاغية ما كان لأي بيان يصدره الناتو أن يجذب الأنظار.
والسؤال الأهم هنا هو ما العرض الذي كان يتابعه فلاديمير بوتين، أكان يتابع الموسم الرابع والتسعين من مسلسل (ترامب ينفث النار في وجه الناتو) أم كان يتابع إعلان قمة أنقرة الهش التفاؤلي الذي تعهد بـ«التزام صارم بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة» وبرابطة عابرة للأطلنطي.
تكمن المخاطرة في أن بوتين ـ المتورط في حرب لا يمكن الفوز بها في أوكرانيا ويلوم فيها نزعة الناتو التوسعية ـ يبدي من الاهتمام بمعاول ترامب أكثر مما يبديه في التصريحات المهيبة عن وحدة الحلف وعزيمته.
ومن ذا الذي يلومه إذا خلص من هذا إلى أن الرئيس الأمريكي ـ بغض النظر عن أي شيء يقوله البيان ـ لن يحرك ساكنا للدفاع عن حليف في البلطيق إذا ما قامت روسيا فجأة باستيلاء على أراضيه أو إذا ما صعدت حربها الهجينية على أوروبا لتبين أن الناتو لا يعدو «نمرا من ورق»؟
لقد كانت الغاية من قمة أنقرة هي التركيز على تعهد الناتو باستثمار 5% من إجمالي الناتج الوطني للدفاع وما يتصل به من البنية الأساسية بحلول عام 2035، بما يعزز الصناعات الدفاعية للحلفاء تعزيزا كبيرا وبما يدعم أوكرانيا لفترة طويلة الأمد. ولقد تم تناول المواضيع الثلاثة جميعا على المستوى النظري.
فقد صدرت إعلانات منسقة عن مشتريات بعشرات مليارات الدولارات من المعدات والمشاريع المشتركة لقدرات ملحة من قبيل طائرات التزويد بالوقود والصواريخ الدقيقة بعيدة المدى وصواريخ الدفاع الجوي التي أوضحت بجلاء أن الحلفاء الأوروبيين وكندا يوقعون شيكات ضخمة لتقوية دفاعاتهم مع سحب الولايات المتحدة قواتها من أوروبا.
تعهد القادة بـ«الاستمرار في العمل على تقليص حواجز التبادل التجاري الدفاعي التي تفصل بين الحلفاء».
غير أنه لم يكن واضحا من العبارة الغامضة أهي تعني تحذير الاتحاد الأوروبي من إدراج بنود «شراء المنتج الأوروبي» في خطط المشتريات المشتركة الممولة من الاتحاد الأوروبي أم هي مناشدة للولايات المتحدة كي تخفف القيود المفروضة على نقل التكنولوجيا بما يحرم الحلفاء من السيطرة الكاملة على أنظمة الأسلحة الأمريكية التي يحصلون عليها.
أضاف إعلان القمة إعلانا طازجا في هذا العام هو «أوروبا أقوى في ناتو أقوى» إلى معجم التعاويذ الخاصة بـ«تقاسم الأعباء»، أو التعويذة الحديثة بـ«نقل الأعباء». فمن الواضح أن الحلفاء الأوروبيين عازمون على تأسيس دفاعات أقوى في هذه الأوقات المضطربة.
لكن الشعار لا يوضح للأوروبيين إلى أي مدى لا يزال يمكنهم الاعتماد على الدعم الأمريكي. إذ نبه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث الحلفاء إلى أن البنتاجون يجري مراجعة كل ستة أشهر لحضور قواته في أوروبا موحيا بأن واشنطن قد تستعمل سحب قواتها لمعاقبة الحلفاء الذين تراهم «فاشلين».
ولم يتحدد بدقة هل سيكون معيار قياس الفشل هو ضعف الإنفاق الدفاعي أم عدم مساندة الولايات المتحدة في حربها على إيران.
التغير الأكبر الذي طرأ على قمة أنقرة مقارنة بتجمع العام الماضي في لاهاي هو القبول الأمريكي بإعلان دعم أوكرانيا. فبعد ستة عشر شهرا فقط من توبيخ دونالد ترامب لفلودومير زيلينسكي في المكتب البيضاوي قائلا إنه «لا يملك أي أوراق»، أعلن الناتو رسميا أن «أوكرانيا تسهم في الأمن العابر للأطلنطي، وأن الحلفاء متحدون في دعم لا يتزعزع لأوكرانيا في الدفاع عن حريتها وسيادتها وسلامة أراضيها».
أما مارك روته ـ الذي تسهل السخرية منه باعتباره الحليف الأعلى الممالئ لترامب ـ فيستحق الثناء لمساعدته في استدراج ترامب إلى صف قضية كييف، هو وثلاثة حلفاء أوروبيين أساسيين هم المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا.
فقد دافعوا دفاعا مستمرا عن فلودومير زيلينسكي وساعدوه في مقاومة جهود الولايات المتحدة لإرغام أوكرانيا على «صفقة» جائرة لوقف إطلاق نار تكون مكافأة لبوتين على غزوه الوحشي بتنازلات من الأرض.
ولعل أفضل ما يمكن قوله بعد قمة أنقرة هو أن الناتو لا يزال حيًا وأن أوكرانيا خرجت من القمة، وقد ازدادت قوة بل وظفرت بوعد من ترامب بالسماح لها بتصنيع صواريخ باتريوت الاعتراضية بموجب ترخيص. وفي ظل وجود رئيس للولايات المتحدة يمارس الدبلوماسية العابرة للأطلنطي ممارسة الرياضة الدموية الشبيهة بمباريات المصارعة الحرة داخل الأقفاص التي نظمها أخيرا داخل حديقة البيت الأبيض، لا يمكن أن يثق الحلفاء أين سيكون موضع الركلة أو اللكمة القادمة، ولا أن يعرفوا هل ستكون الضربة قاضية أم محض إصابة طفيفة.
وقد يكون من الخير أيضا أن الحلفاء لم يتفقوا أين أو متى سوف يجري انعقاد القمة التالية؛ فالولايات المتحدة محقة في أنها تريد تقليل اجتماعات الناتو، وبخاصة الاجتماعات التي تضم مثير الاضطرابات الأكبر.
ولم تغب عن الجميع مفارقة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوجان قد أهدى قادة الناتو مسدسات مخصوصة مزخرفة مزودة بذخيرة حية؛ فلعل المستضيف للقمة قد عثر على مجاز جديد للحالة التي يمر بها التحالف: حلقة لعب الروليت الروسي.
بول تايلور زميل زائر أول لمركز السياسة الأوروبية.
الترجمة عن الجارديان