أعادتني رواية «انقطاعات الموت»، للبرتغالي جوزيه ساراماجو، للتأمل في مفهومي الحياة والموت، ومدى الحاجة إلى الفناء لتحقيق التوازن على الأرض، رغم أن الحياة، «تُعطي شيئًا بيد، إلى أن يأتي اليوم الذي تنتزع فيه كل شيء باليد الأخرى» كما يقول ساراماجو.
في هذه الرواية الفلسفية، يعتبرُ ساراماجو أن الموت ضرورة مُلحة، بل هو جزء رئيس من نظام الحياة، فتوقفه يعني ظهور اختلالات وأزمات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، وباختفائه تتأزم وتشيخ وتتخشب، تفقد المعنى الذي وجدت من أجله، لكننا كبشر نرتعب عندما يأتي ذكره، نخشى مواجهته.
نتهيب من الموت لأننا نخاف ألم الاحتضار وفراق الأحبة، لا نتصور أن نترك هذه الدنيا وأُناسها الذين أحببنا، النعيم الذي تقلبنا في رداءاته.
لكن ما يزيدنا رعبًا من هذا المصير القادم لا محالة، حالة المجهول التي ترافقه، الغموض الذي يُحيط به، ولهذا دأبنا على طرح أسئلة، اختلف حتى مفسرو الكتب السماوية في الإجابة عليها، تبحث في غيبيات كالقبر والبرزخ ويوم الحساب، وهل سيدخل الإنسان الجنة بأعماله، أم برحمة الله وعفوه؟
من المُسلَمات أن الحياة «ليس لها قيمة في حد ذاتها، وهذا يقلل الخوف من الموت، خاصة لدى المفكرين»، ومع ذلك سيظل هذا الهاجس «هو السمة المشتركة بين البشر وحتى الحيوانات». طبيعي جدًا أن يخشى الإنسان الموت، لأنه جرب مُسبقًا ألم الفقد، كما يقترن الفناء في مخيلته بالرحيل الأبدي، إلى عالم لم يسبق أن جاء منه أحد ليخبره بالذي يحدث فيه، لكن ماذا لو قاد الإيمان الإنسان «المُسلِم» إلى قناعة أن ما بعد الموت حياة أبدية أجمل، لا يخاف فيها ولا يشقى، حياة دون ألم أو قلق أو مرض، لا يعرف فيها الفقر أو العوز أو الإقصاء أو الامتهان؟
أجزم أنه لو بلغ هذه الدرجة من التسليم، لن يخاف من الموت، إذ يكون بذلك قد هيأ المركب التي سيعبُر به حالة الخوف من المجهول إلى الضفة الآمنة، غير أنه قبل ذلك، مُطالب بمحبة الله، السير بخِفة في فِجاج الحياة وأن يكون حَسن الظن بالله كما جاء في الحديث القدسي الذي يقول فيه جل وعلا: «أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله».
نقطة أخيرة..
يقول «آرثر شوبنهاور: «القيمة الموضوعية للحياة غير مؤكدة، وتفضيلها رغم كل شيء، قد يبدو جنونيًا، لو فكرنا في الأمر قليلًا».
عُمر العبري كاتب عُماني