تصدمنا أسئلة الأطفال، وتدهشنا إلى الحد الذي نقف فيه عاجزين عن الرد عليهم، ليس لأننا لا نملك الرد، ولكن؛ لهواجسنا الذاتية أن بعض الإفصاح عن المعرفة فيه الكثير من الحمل على ذاكرتهم الطفولية، وأنهم لا يزالون في خطواتهم الأولى نحو استيعاب ما يدور حولهم؛ وأن تحميلهم هذه المعرفة قد تفقدهم الكثير من براءة الطفولة، وهي البراءة القائمة على الصدق، ورؤية الأشياء وفق صورتها الطبيعية المباشرة دون مواربة، وفي خضم هذه القناعات لدينا نستمرئ التحايل على طرح الأسئلة أو على مواجهة السائل؛ سواء أكان ذلك في الإجابة على الأسئلة التي يطرحها الأطفال بكل عفوية، أو الأسئلة التي يطرحها الكبار بكثير من الخبث ــ في أحايين كثيرة ــ ولذلك فإننا نتجاوز أهمية الفكرة التي يطرحها السائل، ونتحايل عليها، وقد نجيب بإجابات وفق مفهوم «مشي حالك» مع أن ذلك يعمق سوء العلاقة بالطرف الآخر، ويفقد الاثنان مستويات العلاقة القائمة على الثقة، والصراحة، وحسن التعامل، وعودة على بداية الفكرة، فالأطفال هم أيضا لا يقلون ذكاء في قراءة الإجابات التي يستمعونها من الأكبر منهم، عندما يعمد هؤلاء الكبار التحايل على الأطفال؛ خوف الوقوع في مأزق الإجابة الصريحة الـ«المحرجة» في بعض المواقف، والصادمة في مواقف أخرى.
يمثل السؤال محور العملية التفاوضية، في كل المواقف، والجميع يدرك ذلك، فليس هناك حوار حقيقي إن لم يصطدم بأسئلة محرجة، أو مدهشة، أو صادمة، وتحتاج ــ في المقابل ــ إلى إجابة محرجة، أو مدهشة، أو صادمة، لترتقي إلى مستوى السؤال المطروح، ومعنى هذا إن جاءت الإجابة غير متوافق مع الشحنة المعنوية للسؤال، فإنها لن تلق ذلك القبول، والسؤال في حينها يدرك أن من يتعامل معه غير صادق، وغير جاد، وغير أمين كذلك، لأن الأسئلة في عموميتها تتجاوز الإجابات الإفتراضية، وذلك معظم الإجابات على كثير من الأسئلة هي تحصيل حاصل؛ من أنت؟ أنا فلان؛ انتهت الحقيقة عند هذا الحد، كما يبدو من الظاهر، ولكن؛ السؤال يذهب إلى أبعد من ذلك، فهناك تفاصيل كثيرة عنك كشخص بغض النظر عن المكانة التي تمثلها (اجتماعية، سياسية، اقتصادية، ثقافية)، فشخصيتك لا يكفي أن تجيب عنها بأنك فلان، فالفكرة تذهب إلى أبعد من ذلك، فهذه الإجابة النمطية لا تسمن ولا تغني من جوع السائل الذي ينتظر توضيحا أكثر؛ دون أن يضطر إلى طرح أسئلة ثانوية متدافعة لدعم السؤال المحوري القائم.
في طرح الأسئلة لن يتوقع شخص المجيب؛ أن هناك من سوف يساعده على قبول إجابته كيفما اتفق وبصورة مطلقة، إلا في الحالة الاستثنائية وهي حالة «المجاملة» لأن كل الإجابات التي تكون عن طرح الأسئلة هي إجابات ظنية؛ سواء «ظنية الثبوت» أو «ظنية الدلالة» ولذلك ينهى الإنسان عن ترديد ما سمعه من فلان عن فلان، أو عن حدث لم يشهد تفاصيله، أو واقعة لم يكن حاضرا وقت وقوعها، فالناقل للأحداث والوقائع، قد تتداخل عنده المعلومات والحقائق، وقد يدخلها في معتركه الذاتي فتسقط الحقيقة في مطب هوى النفس، وهذه من الأمور الخطيرة جدا في النقل عموما، وحتى أولئك الذين يشهدون الأحداث بصورتها المباشرة، وعندما تسألهم عن التفاصيل، فإن هذه التفاصيل تكون خاضعة لمستويات الإجابات الإفتراضية، وليست الإجابات الحقيقية التفصيلية، ولذلك نسمع كثيرا مقولة: «المعنى في بطن الشاعر».
لذلك فالذين يقرؤون ما تحت السطور يتحايلون على استجلاب المعلومات شبه المؤكدة من خلال طرح أسئلة ثانوية، وحتى لو حاول المجيب أن يتلاعب بالمعلومات من خلال إجاباته كما يقال: «إجابة دبلوماسية» فهناك لدى البعض القدرة على استشفاف بعض الحقائق منها؛ بل وتعرية مجموعة المراوغات والتحايلات التي يعمد إليها من طرح عليه السؤال.
أخيرا؛ يقال: «اسأل، ثم اسأل، فالعار ليس في الجهل، بل في ادّعاء المعرفة».
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني