كتب ـ عبدالعزيز العبري


تمثل العقوبات البديلة أحد المسارات الحديثة في السياسة الجنائية، لما تقوم عليه من موازنة بين حماية المجتمع وإصلاح المحكوم عليهم، عبر بدائل قانونية تحد من اللجوء إلى السجن في بعض الجرائم البسيطة، وتراعي الأبعاد الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للعقوبة.
وقال الدكتور جمعة بن مسلم العزري من كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس: إن العدالة في المجتمعات المستقرة لا تقوم على شدة العقوبة وحدها، وإنما على قدرتها على الإصلاح والإنصاف والعقلانية، موضحًا أن العدالة أداة تهذيب اجتماعي تهدف إلى حماية المجتمع وإعادة توجيه من أخطأ.
آثار السجن القصير
وأضاف أن السجن، بوصفه العقوبة الأكثر شيوعًا، يثير تساؤلًا حول مدى قدرته على تحقيق الإصلاح الفعلي، لا سيما في الجرائم البسيطة والعقوبات قصيرة المدة، التي قد تترتب عليها آثار اجتماعية ونفسية سلبية، من بينها تفكك الروابط الأسرية، وتفاقم الأزمات النفسية، وارتفاع احتمالات العودة إلى الجريمة، إلى جانب الكلفة المادية التي يمثلها الاحتجاز على الدولة والمجتمع.
وأوضح أن التجارب القانونية الحديثة اتجهت إلى تبني العقوبات البديلة باعتبارها أحد مظاهر تطور السياسة الجنائية، لكونها تحافظ على مبدأ الردع، وتعيد صياغته في إطار أكثر إنسانية وفاعلية، يوازن بين حق المجتمع في الأمن وحق الفرد في الإصلاح والاندماج مجددًا.
العقوبات البديلة
وبيّن أن من أبرز صور العقوبات البديلة الخدمة المجتمعية، والإقامة الجبرية المدعومة بالتقنيات الحديثة مثل الأساور الإلكترونية، والعدالة التصالحية التي تركز على إصلاح الضرر وجبره، وإعادة بناء العلاقة بين الجاني والمجتمع، بدلًا من الاكتفاء بحرمانه من الحرية.
وأشار إلى أن التشريعات العُمانية أخذت ببعض البدائل القانونية، مثل وقف تنفيذ الحكم، والإفراج المشروط، والوساطة، موضحًا أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق تطبيق هذه البدائل في الجرائم البسيطة التي لا تشكل خطرًا حقيقيًّا على المجتمع.
وأكد أن بعض الجنح والمخالفات النظامية يمكن التعامل معها من خلال مسارات إصلاحية أكثر جدوى من السجن، خاصة عندما تُلزم العقوبة البديلة المخالف برد الضرر أو خدمة المجتمع أو الخضوع لبرامج تأهيلية ورقابية، بما يحقق الردع والإصلاح في آن واحد.
منظومة متكاملة
ولفت إلى أن نجاح العقوبات البديلة لا يعتمد على النصوص القانونية وحدها، وإنما يتطلب وجود منظومة متكاملة للتنفيذ والمتابعة، تشمل الجهات القضائية والعدلية والاجتماعية، إلى جانب آليات واضحة لتقييم المحكوم عليهم، وضمان التزامهم بالعقوبات المقررة، وقياس أثرها في الحد من تكرار الجريمة.
وأكد أن البعد الثقافي يمثل عنصرًا مهمًّا في تقبل المجتمع لهذا النوع من العقوبات، مشيرًا إلى أن بعض المجتمعات تنظر إلى العقوبة من زاوية الردع الصارم فقط، في حين تنظر العدالة الحديثة إليها باعتبارها وسيلة للإصلاح وحماية المجتمع على المدى الطويل.
وقال: إن الإعلام والثقافة القانونية يؤديان دورًا مهمًّا في توضيح مفهوم العقوبات البديلة للرأي العام، وترسيخ الوعي بأنها ليست تساهلًا مع الجريمة، وإنما خيار قانوني منظم يهدف إلى إصلاح الفرد وتقليل الآثار السلبية للسجن وتحقيق عدالة أكثر فاعلية وإنسانية.
وأكد الدكتور جمعة العزري أن الاتجاه نحو العقوبات البديلة يعكس فهمًا أعمق لوظيفة العقوبة في المجتمع، ويمنح النظام العدلي أدوات أوسع للتعامل مع المخالفات والجرائم البسيطة، بما يحفظ هيبة القانون، ويصون كرامة الإنسان، ويسهم في بناء مجتمع أكثر أمنًا وتماسكًا.

**media[3448146]**