تكشف بيانات الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان في الربع الأول من عام 2026 عن اقتصاد بدأ يكتسب قدرة أوضح على امتصاص تقلبات النفط، لكنه ما زال يواجه تحدي تحويل النمو غير النفطي من توسع في الأنشطة إلى قاعدة إنتاجية أعمق وأكثر قدرة على خلق القيمة.
فالانخفاض المسجل في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية بنسبة 2% لا يمكن قراءته بمعزل عن تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 11.7%. والحقيقة الأولى التي نقرأها في الأرقام أن النفط ما زال مؤثرا بما يكفي لكي يضغط على الناتج الإجمالي عندما تنخفض قيمته، حتى حين تتحرك القطاعات الأخرى في اتجاه معاكس. أما الحقيقة الثانية وهي الأهم، فإن الأنشطة غير النفطية نمت بنسبة 5.9%، وكادت هذه الزيادة أن تمتص معظم أثر التراجع النفطي. ورغم أننا لا يجب أن نضخم هذه الإشارة إلا أننا أيضا لا يجب أن نهملها في سياق التحديات الكبيرة التي تشهدها المنطقة.
تدل الأرقام على أن مسار التنويع يشهد توسعا حقيقيا في قطاعات خارج النفط، خصوصا في الخدمات التي نمت بنسبة 8.5% مدعومة بالوساطة المالية والتأمين والمعلومات والاتصالات والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية. وهذه قطاعات مهمة لأي اقتصاد حديث، فهي تحسن كفاءة السوق، وتدعم التحول الرقمي، وتفتح مجالا أوسع للخدمات ذات القيمة المضافة.
لكن القراءة الاقتصادية تقتضي الوقوف عند التحدي الذي تواجهه بعض القطاعات. فالصناعة، وهي أحد المكونات التي يفترض أن تحمل عبء التحول الإنتاجي والتصديري، سجلت تراجعا طفيفا بنسبة 0.1%. والزراعة وصيد الأسماك حققا نموا، لكنه يبقى محدودا بالنظر إلى حجم القطاع. معنى ذلك أن النمو غير النفطي ما زال محمولا بدرجة كبيرة على الخدمات، بينما لم يظهر بعد زخم صناعي كافٍ يغير بنية الاقتصاد بالسرعة المطلوبة.
والمسألة الجوهرية أن الاقتصادات لا تتنوع بمجرد ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج، لكن ذلك يحدث عندما تتوسع القطاعات القادرة على رفع الإنتاجية وزيادة الصادرات وتوليد وظائف نوعية مستقرة. الخدمات المالية والاتصالات والأنشطة المهنية ضرورية، لكنها تصبح أكثر قوة عندما ترتبط بقاعدة صناعية ولوجستية وسياحية وزراعية أكثر إنتاجا وتنافسية.
لذلك فإن بيانات الربع الأول تقدم رسالة مزدوجة لصانع السياسة الاقتصادية، فمن جهة، تؤكد أن الإصلاحات الجارية في مسار التنويع بدأت تمنح الاقتصاد قدرة أفضل على مقاومة دورات النفط وتقلباته، ومن جهة أخرى، تشير إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تركيز على نوعية النمو لا على رقمه وحده، والمطلوب أن تتحول الاستثمارات إلى إنتاج قابل للتصدير، وأن تنتقل الصناعة من الثبات إلى التوسع، وأن تُقاس الحوافز الاقتصادية بقدرتها على بناء القيمة المحلية لا بحجم الإنفاق أو عدد المشروعات المعلنة.
الأرقام الحالية مطمئنة؛ كونها تثبت أن الاقتصاد لم يعد يتحرك في اتجاه واحد مع النفط لكنها تحتاج إلى وقفة وتحليل لأنها تبيّن أن البديل غير النفطي يحتاج إلى مزيد من الصلابة. والاختبار الحقيقي في السنوات المقبلة سيكون في قدرة عُمان على بناء اقتصاد لا يكتفي بموازنة تراجع النفط، وإنما يخلق مصادر نمو مستقلة عنه.