تعيش بعض الدول العربية أزمة وجودية في معنى الدولة الذي تشكل في وجدانها خلال العقود الستة الماضية. فعلى الرغم من أن منطق الأشياء يشير إلى تشكل وعي شعبي عربي بالدولة الوطنية الحديثة إلا أن التجارب التي نراها اليوم تشير إلى تآكل فكرة الدولة وانضواء الجميع تحت سقفها في غير دولة عربية وعادت الدعوات الانفصالية إلى الظهور مدعومة بتحولات في النظام العالمي والإقليمي. وتشير المباحثات والتسويات في بعض الدول إلى أنها تدور في ظاهرها حول الحدود والموانئ والمحاصصة في تقاسم الحقائب الوزارية لكن جوهر هذه المباحثات يدور حول سؤال خطير جدا هو، لمن تكون الدولة؟

وسؤال الدولة سؤال عربي أقدم بكثير من تداعيات اللحظة التاريخية الآنية التي تمر بها الأمة، فقد رافق الدولة العربية الحديثة منذ لحظات الاستقلال الوطني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حين خرجت شعوب كثيرة وهي تحمل أملا واسعا في نهضة حديثة يسودها العلم والحرية والعدالة. كان العلم يحضر في تلك المرحلة مقرونا بوعد السيادة، وكانت المؤسسات الجديدة التي بنتها الدول تحمل في المخيال الجمعي معنى الخلاص من التبعية والانطلاق نحو المستقبل.

لكن وعود تلك المرحلة لم تتحقق في جميع الدول العربية، وتباينت مستويات التنمية والتحديث لأسباب كثيرة. كبرت الكثير من الدول في الشكل واتسعت أجهزتها غير أنها بقيت تتآكل في جوانب أخرى. ولم تستطع تلك الدول بناء وعي جمعي بفكرة المواطنة لا في السياق النظري ولا في الطريقة التي عاملت بها الشعوب. وكرس هذا الأمر حضور المناطقية والمذهبية وحضرت مصطلحات المحاصصة والقبلية في وقت كان العالم يتجه فيه نحو خطابات تتجاوز هذا الطرح بمسافات طويلة.

ومع الوقت بانت هشاشة الدولة فلم يشعر المواطن في بعض التجارب العربية بالعلاقة بينه وبين مؤسسات بلده، ولم يجد نفسه في الخطط المستقبلية التي يستمع لها في الخطابات السياسية لكنها لا يجدها على أرض الواقع. كانت العلاقة بين المواطن وفكرة الدولة تتراجع فيما تزداد علاقته بالولاءات الضيقة سواء كان ذلك نتيجة اشتغال مدروس من المنظمات التي تمثل تلك الولاءات أو نتيجة نكوص نحوها نتيجة محاولة البحث عن خلاص في مؤسسات أو كيانات الماضي.

لذلك ليس غريبا أن يعلو صوت الخطابات الانفصالية في العالم العربي بين حين وآخر أو يبقى بعضها يدور في الخفاء أو في النتاج الثقافي الذي يعكس بعضا من الطموحات التي لم يحن وقت إعلانها بعد.

تحتاج فكرة الدولة في العالم العربي إلى دراسات كثيرة وإلى جهد كبير لترسيخ معناها في الوجدان العربي حتى لا تعود الدعوات الانفصالية للظهور في أي مكان عربي وتصعد أسئلة التنمية والتحديث والمستقبل بدل أن تنشغل الأمة بأسئلة الانفصال والانقسام والمذهبيات والقوميات.

نجحت الكثير من الدول العربية في هذا الأمر إلى حد الحصانة ضد الانقسامات لكن الأمر يحتاج إلى استمرار تكريس وإلى جهود كبيرة في استكمال متطلبات الدولة وصناعة الثقة التي تتحقق بالعدلة والإنصاف والشعور أن مؤسسات الدولة تخص كل الشعب لا طائفة منه، وعندها هذه المرحلة يمكن أن تستعيد بعض الشعوب العربية شعورها بسقف الدولة التي يستظل به الجميع. ورغم أن الكثير من الدول العربية تأخرت كثيرا إلا أنها تستطيع أن تلحق بما تبقى منها.