منذ نشأتها، ظلت الولايات المتحدة تعيد تشكيل العالم على صورتها. وبفعل معدلات نمو اقتصادي مرتفعة نسبيا، وتزايد هيمنتها داخل نصف الكرة الذي تنتمي إليه، وقدرة خاصة على إنتاج ابتكارات نافعة، لم تصبح البلاد قوية فحسب، بل غدت أيضا نموذجا يحاول كثيرون الاقتداء به. ولم يتشكل النفوذ العالمي المتسع للولايات المتحدة من قوتها العسكرية والدبلوماسية وحدها، بل من تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي كذلك.
وبحلول القرن العشرين، كان موقع الولايات المتحدة في العالم موقعا فريدا. فلم تكن قوية بما يكفي للتحرك وفق ميولها الخاصة فحسب، بل كانت أيضا جذابة وشعبية على نطاق عالمي بطرق لم يفهمها كثير من الأمريكيين فهما كاملا قط.
والولايات المتحدة، من وجوه كثيرة، هي الإمبراطورية الأولى التي كانت في الوقت نفسه أمة عالمية. فقد أسسها مستوطنون أوروبيون، ثم وصل إليها منذ عام 1870 ما يقرب من 85 مليون مهاجر. ومن سكانها الحاليين، هناك نحو 51 مليون مهاجر، كما أن قرابة نصف سكان الولايات المتحدة لديهم جدّ أو جدّة واحد على الأقل من مواليد الخارج.
كانت الهجرة أعظم مصادر قوة أمريكا وجاذبيتها. لكنها كانت أيضا مصدر اضطراب سياسي في الداخل. فقد ظل الأمريكيون يقلقون باستمرار مما تفعله موجات المهاجرين الجديدة ببلادهم، حتى حين يكون أولئك القلقون أنفسهم قد وصلوا على متن قارب أسبق بقليل.
أما بالنسبة إلى العالم الأوسع، فقد كانت انفتاحية أمريكا هي مصدر جاذبيتها الأهم. كان بوسع أي شخص أن يصبح أمريكيا، سواء عبر الاستهلاك أو الثقافة أو الهجرة. كان يمكن لشخص ينشأ في الهند أن يطمح إلى أن يصبح، ذات يوم، ومن خلال العمل الجاد، مواطنا أمريكيا. وكان يمكن لطالب في مدرسة في لبنان أن يؤسس فرقة تعزف موسيقى أمريكية، وأن يتخيل نفسه في لوس أنجلوس أو ناشفيل.
إن إعادة الولايات المتحدة تشكيل العالم كانت مرتبطة بهذه القيم بقدر ارتباطها بالقوة الاقتصادية أو العسكرية. وفوق ذلك، لم تمتلك أي دولة أخرى جاذبية تقترب من هذا النوع، على الأقل في الأزمنة الحديثة.
بالطبع، تدخلت الولايات المتحدة في الخارج بطرق أكثر مباشرة بكثير. وكان الرؤساء الأمريكيون يفعلون ذلك عموما باسم ما يرونه قضية الحرية، مهما كان هذا المفهوم محل نزاع في الداخل كما في الخارج. وقد جاءت التدخلات الأمريكية الكبرى ضد القيود التجارية، وضد السلطوية، وضد التوسع؛ ضد ألمانيا مرتين، وضد اليابان، وضد الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة.
وكانت الحرب العالمية الأولى خطا فاصلا. فقد كانت المرة الأولى التي ترسل فيها الولايات المتحدة جنودها للقتال ضد قوى كبرى أخرى وراء البحار. وعلى الرغم من أن عدد الضحايا كان محدودا مقارنة بقوى أخرى ـ أكثر قليلا من 300 ألف، مقابل نحو 3 ملايين بريطاني وأكثر من 7 ملايين روسي ـ فإن الأثر النفسي في الداخل كان عميقا، إذ شطر البلاد بين دعاة التدخل ومعارضيه لما يقرب من جيل كامل.
أما اجتماع الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة التي أعقبتها فقد ثبت أنه أشد فتكا بكثير، فقد خلّفت هذه الصراعات نحو مليون قتيل وجريح أمريكي في الحرب العالمية، وأكثر من 300 ألف في الحرب الباردة، خصوصا في كوريا وفيتنام.
جعلت الحرب الباردة وما أعقبها الولايات المتحدة قوة مهيمنة على العالم. كانت إمبراطورية عالمية في كل شيء إلا الاسم، لها تحالفات ومصالح وانشغالات ممتدة في أنحاء المعمورة. وقد شكل النجاح في إعادة بناء أوروبا واليابان، ودمجهما في نظام اقتصادي وسياسي عالمي تقوده الولايات المتحدة، مركز هذا المشروع، وأسهم في نشوء نظام دولي أخذ يتعولم بسرعة، أو يتأمرك.
ومنذ مطلع القرن العشرين على الأقل، ظلت الولايات المتحدة تصارع سؤالا أساسيا: كيف تستخدم قوتها وجاذبيتها العالميتين؟ بعض الإجابات لم تكن، إن لم تكن مقررة سلفا، فعلى الأقل محددة بدرجة كبيرة بفعل التجربة التاريخية الأمريكية نفسها. فقد عكس نشر الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية تجربة الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، بينما كان يخدم في الوقت نفسه المصالح الاقتصادية الأمريكية في الخارج.
كما انسجم الترويج للتجارة مع التجربة الأمريكية ومصالحها. فقد دفع القادة الأمريكيون باستمرار نحو الوصول إلى الأسواق الأجنبية، فاتحين الأبواب، وأحيانا بالقوة، أمام بلدان ومناطق لم تكن متاحة بالكامل من قبل للتجارة الخارجية. والمفارقة أن أمريكا لم تثبت استعدادها لفتح أسواقها هي إلا في وقت متأخر كثيرا، بدءا من ثلاثينيات القرن العشرين. وبرغم توصيات واشنطن للآخرين، يمكن القول إن الولايات المتحدة نفسها لم تمارس التجارة الحرة فعليا إلا في عهد إدارة ريجان في ثمانينيات القرن الماضي.
كانت عناصر أخرى في المقاربة الأمريكية للعالم أكثر ارتباطا بالظروف الطارئة، غير أن صلتها بالتجربة التاريخية للبلاد ظلت قوية كذلك. فقد أظهرت السياسة الخارجية الأمريكية ميلا ثابتا إلى الخوف من الثورة الاجتماعية ومعارضتها. ففي نهاية القرن الثامن عشر، رأى كثير من القادة الأمريكيين في الثورة الفرنسية، بما حملته من تركيز على المساواة والعدالة الاجتماعية، التوأم الشرير لثورتهم هم. وبعد قرن أو أكثر، نظر خلفاؤهم إلى الاشتراكية في أوروبا أو في العالم النامي بوصفها نقيض الأمريكية. وبالنسبة إلى الأمريكيين، غلب التركيز على الحرية الفردية على السعي إلى تحسينات اجتماعية. وكثيرا ما نظروا إلى المحاولات المنظمة لتخفيف الفقر واللامساواة باعتبارها تهديدات لوجود الحرية في كل مكان. ولا شك أن ثوار القرن العشرين ارتكبوا من الجرائم والفظائع ما يكفي، وأكثر، لصرف الناس عنهم، ليس في الولايات المتحدة وحدها. لكن مقاومة الولايات المتحدة للثورة كانت أكثر غريزية، ولم تكن قائمة فقط على التجربة المريرة لبعض التجارب الراديكالية.
وكان العرق انشغالا آخر من انشغالات السياسة الخارجية الأمريكية، متجذرا في تاريخ البلاد نفسه. فقد أثبت التناقض المؤسس لأمريكا، بين الحرية والعبودية، قدرة لافتة على الاستمرار، حتى بعدما بدأ الأمريكيون يواجهون ماضيهم بجدية في النصف الأخير من القرن العشرين. وقد جعل إرث العنصرية، إلى جانب مقاومة الثورة الاجتماعية، الولايات المتحدة مترددة في دعم النضالات المناهضة للاستعمار التي عرّفت، من وجوه كثيرة، القرن الماضي. وقد أسهم هذا القصور في تشويه صورة الولايات المتحدة في أعين كثير من قادة ما بعد الاستعمار، مع نتائج ما زالت قائمة حتى اليوم.
وفي الوقت نفسه، أنتج تاريخ التدخلية الأمريكية رد فعل مضادا في الداخل أيضا. وهذا ليس انعزالا، بل عزوف واسع عن التيارات العامة في العالم الأوسع. فالأمريكيون ليسوا مرهقين فقط من الدور العالمي لبلادهم، وهو دور يعتقد عدد كبير منهم أنه لم يجلب إلا حروبا لا تنتهي، ومنافسة غير عادلة، وفقدانا للوظائف، وهجرة غير مرغوب فيها. إنهم، من وجوه كثيرة، يتمردون أيضا على النظام العالمي الذي أقامته الولايات المتحدة نفسها.
وفي قضايا تمتد من الأمن إلى التجارة وتغير المناخ والجوائح، تبدو آراء عدد كبير من الأمريكيين، وأغلبية ساحقة بين مؤيدي الإدارة الحالية، غير منسجمة مع آراء الناس في بلدان أخرى. فأقل من ثلث الناخبين الجمهوريين يؤمنون بتغير المناخ الناجم عن النشاط البشري، أو بالسيارات الكهربائية، أو بخفض الرسوم الجمركية.
وفوق ذلك، فإن قلة نسبية ترى أن اللامساواة الاجتماعية، في الداخل أو الخارج، تمثل مشكلة. أما على المستوى العالمي، فيرى ما يقرب من 80 في المائة في المتوسط أن اللامساواة قضية «كبيرة جدا» أو «كبيرة إلى حد معتدل».
إلى جانب هذه الاختلافات الكثيرة، عادت مسألة العرق إلى الواجهة من جديد. فقد أحرزت الولايات المتحدة تقدما لافتا في الطريقة التي كان ينظر بها إليها في الخارج في قضايا المساواة العرقية خلال أواخر الحرب الباردة وما بعدها.
غير أن الرئيس الحالي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه عنصريا بلا اعتذار، ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى مقاربته للهجرة. ففي تجمع انتخابي في ديسمبر 2025، توسع الرئيس دونالد ترامب في ما كان قد قاله أول مرة عام 2018: «لماذا لا نستقبل إلا أناسا من دول قذرة؟ لماذا لا نستقبل بعض الناس من النرويج والسويد، ولو عددا قليلا؟ دعونا نستقبل قليلا من الدنمارك... نحن نستقبل دائما أناسا من الصومال، من أماكن قذرة ووسخة ومقززة».
كما أن إعطاء ترامب أولوية للبيض من جنوب إفريقيا بوصفهم لاجئين أثار قدرا استثنائيا من الاشمئزاز العالمي. فمن بين العدد الصغير من اللاجئين الذين أعيد توطينهم في الولايات المتحدة بين أكتوبر 2025 وأبريل 2026، كان 99 في المائة منهم من جنوب إفريقيا، وهي بلد يسيطر فيه البيض على الغالبية الساحقة من الثروة الوطنية.
ولم يُقبل من أفغانستان سوى ثلاثة لاجئين فقط، وهي البلد التي خاضت فيها الولايات المتحدة حربا استمرت عشرين عاما.
ينبغي فهم هذه التحولات في المواقف والسياسات على صلة بالطريقة التي يتغير بها العالم. فللمرة الأولى منذ عام 1945، صار للولايات المتحدة منافسون حقيقيون، اقتصاديا واستراتيجيا.
ونتيجة لذلك، أصبحت قدرة الولايات المتحدة على تشكيل العالم أكثر محدودية على نحو متزايد. إن انشغال البلاد الضيق أكثر فأكثر بقضاياها الأثيرة، وهي قضايا غالبا ما تتغذى من انقسامات السياسة الداخلية أو من ضغائن شخصية، سمة مألوفة في القوى الكبرى التي ترى مواقعها مهددة.
والأكثر إثارة للفضول في سياسات الإدارة الحالية أنها تشكل، بالفعل، نوعا من الثورة؛ تمردا رمزيا على العالم الذي صنعته الولايات المتحدة.
لقد صاغ ترامب سياسة قائمة على استعراض التظلم. وهي سياسة معدة لتقديم إشباع فوري للمواقف الحزبية في الداخل، مع قدر ضئيل جدا، أو معدوم، من التماسك الاستراتيجي.
والبلاد، بطبيعة الحال، ما زالت منقسمة بشدة حول مقاربة الرئيس، إذ يبلغ معدل التأييد الحالي لترامب نحو 36 في المائة. وهذا يجعل عودة الديمقراطيين إلى السلطة قريبا أمرا متزايد الاحتمال. وعلى المدى الأبعد، ستتعافى البلاد بلا شك من انقسامها وأزمتها الراهنة. لكن العالم، حين يحدث ذلك، سيكون قد تغير جذريا، مع تنوع اقتصادي متزايد وتعددية قطبية بين القوى الكبرى.
والمفارقة أن هذا سيكون أيضا عالما أسهمت الولايات المتحدة نفسها في إنشائه؛ بالإنكار والإغفال أكثر مما أسهمت فيه بالتصميم.
أود آرنه فيستاد، أستاذ التاريخ والشؤون العالمية في جامعة ييل، ومدير مركز بول تساي للصين في كلية الحقوق بجامعة ييل.
عن مجلة فورين بوليسي