في ظل تزايد الضغوط النفسية التي يواجهها الأفراد في مختلف مراحل الحياة تبرز أهمية المبادرات المجتمعية الهادفة إلى تعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتمكين أفراد المجتمع من تقديم الدعم النفسي الأولي عند الحاجة. وانطلاقًا من هذا التوجه أطلقت وزارة الصحة مبادرة «الإسعافات الأولية في الصحة النفسية» بوصفها إحدى المبادرات الإنسانية الوطنية الرائدة في سلطنة عُمان في هذا المجال.
وأوضحت فاطمة بنت حسن الشيزاوي المشرفة على البرنامج بمستشفى المسرة أن فكرة المبادرة تعود إلى زينب الوهيبي الصيدلانية بمستشفى المسرة التي قدمتها ضمن مسابقة وزارة الصحة لدعم الابتكار؛ حيث حظيت الفكرة بتبني الوزارة إلى جانب دعم من شركة «بيئة»، ما أسهم في تحويلها إلى برنامج وطني متكامل.
وأضافت أن المرحلة الأولى من المبادرة شهدت تدريب 19 مدربًا على برنامج معتمد من مؤسسة Highfield البريطانية؛ بهدف تأسيس قاعدة وطنية لنشر مفهوم الإسعافات الأولية في الصحة النفسية قبل أن تتوسع المبادرة في عام 2025 من خلال تأهيل أكثر من 300 مسعف نفسي.
وبيّنت أن مستشفى المسرة عمل على تطوير برنامج وطني متكامل يستند إلى أفضل الممارسات العالمية مع إعادة تصميم محتواه ليتواءم مع البيئة العُمانية واحتياجات المجتمع مستندًا في ذلك إلى نتائج الدراسات والبحوث المحلية التي كشفت عن حجم الاحتياجات النفسية في المجتمع العُماني.
وأشارت إلى أن البرنامج أُعد وفق متطلبات معيار الجودة الدولي (ISO 29993:2017) بما يضمن جودة المحتوى التدريبي وفاعليته لافتة إلى أن المبادرة توجت خلال عام 2026 بتدريب 66 مدربًا من مختلف محافظات سلطنة عُمان، ليشكلوا نواة وطنية لنشر البرنامج، وتأهيل المزيد من المسعفين النفسيين.
وأكدت أن المبادرة تنفذ ضمن خطة استراتيجية تستهدف في مرحلتها الأولى إعداد مسعفين نفسيين داخل المؤسسات الصحية، ليكونوا نقاط ارتكاز لتقديم الدعم النفسي الأولي، وتعزيز الاكتشاف المبكر للحالات، وتقديم المساندة المناسبة، وإحالتها إلى الجهات المختصة عند الحاجة بما يسهم في تعزيز منظومة الرعاية النفسية والارتقاء بجودة الخدمات الصحية في سلطنة عُمان.
وقالت الشيزاوي: إن الإسعافات الأولية في الصحة النفسية هي مجموعة من المهارات لتقديم الدعم الأولي للأشخاص الذين يمرون بضيق نفسي من خلال الاستماع الفعال والمساعدة في الوصول لمصادر الدعم، وتختلف عن العلاج المتخصص؛ حيث يقتصر دور المسعف على الدعم والتوجيه والإحالة عند الحاجة.
وبينت أن البرنامج يركز على تزويد المشاركين بمهارات عملية أبرزها الإصغاء الفعّال وتطبيق نموذج ABC في الإسعافات النفسية، وهو إطار مبسط للتعامل مع الأفراد في حالات الضغط النفسي؛ حيث تبدأ المرحلة (A) بتقييم الحالة، وتحديد مستوى الاحتياج الأولي، وما إذا كانت الحالة تتطلب دعمًا نفسيًا أوليًا أو إحالة إلى مختص وفق طبيعة الأعراض مثل القلق أو الخوف أو الاكتئاب، ثم تأتي المرحلة (B) التي تركز على الاستماع الفعال وبناء التواصل، وذلك من خلال طرح أسئلة مناسبة تساعد على فهم الحالة بشكل أفضل لتقديم الدعم الأولي بما يمكن المسعف من تحديد التدخل الأنسب سواء بالإحالة إلى مختص أو تزويد الشخص ببعض المهارات البسيطة للتعامل مع الأعراض، مثل تقنيات تنظيم التنفس أو إعادة التركيز على الحاضر في إطار بيئة هادئة وآمنة خالية من الأحكام فيما تركز المرحلة (C) على تعزيز أساليب التكيف، وتثبيت المهارات المكتسبة؛ لضمان قدرة الشخص على التعامل مع الموقف عند تكراره مستقبلاً مع التأكيد على أهمية ربط الحالات بالدعم المتخصص عند الحاجة.
وأضافت الشيزاوي أن البرنامج يسهم في التعرف المبكر على مؤشرات الضيق النفسي، كما يساعد في اكتشاف العلامات المبكرة للأزمات من خلال فهم التغيرات السلوكية والانفعالية، ويتناول عدداً من الحالات والمواقف الشائعة التي قد تواجه أفراد المجتمع، مثل الضغوط النفسية الحادة، والحزن الناتج عن الفقد، والصدمات النفسية، وضغوط العمل، والمشكلات الأسرية والاجتماعية، والأزمات الجماعية والكوارث موضحةً أن المبادرة لا تقتصر على العاملين في القطاع الصحي، بل تستهدف فئات المجتمع كافة؛ إيماناً بأن تعزيز الصحة النفسية مسؤولية مشتركة.
وقد أثبت البرنامج فاعليته بوجه خاص في بيئات العمل بمختلف القطاعات؛ حيث يسهم في بناء بيئة عمل أكثر دعماً وتفهماً، وتعزيز الاكتشاف المبكر للضغوط النفسية، ورفع إنتاجية الموظفين وجودة حياتهم الوظيفية. وانعكس هذا الأثر على تنامي التقبّل والاهتمام بالبرنامج؛ حيث إن عدداً من المؤسسات غير الصحية باتت تتقدم بطلب تقديم البرنامج لموظفيها؛ إدراكاً منها لأهمية الدعم النفسي الأولي في تعزيز بيئة عمل صحية ومتوازنة.
وأشارت الشيزاوي إلى أن عدد المسعفين في مختلف القطاعات والمحافظات وصل إلى أكثر من 700 مسعف مبينةً أن المبادرة واجهت تحديات من أبرزها محدودية المعرفة بمفهوم الإسعافات الأولية النفسية، واستمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، ولم تتعامل المبادرة مع الوصمة بوصفها عائقاً خارجياً فحسب، بل جعلت التصدي لها جزءاً أصيلاً من مهام المسعف النفسي نفسه؛ إذ يتعلم المشاركون كيفية التعرف على أشكال الوصمة ومواجهتها بلغة داعمة وغير أحكامية، وتطبيع الحديث عن الصحة النفسية، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة دون خجل أو خوف بما يجعل من المسعف النفسي نفسه أداة فاعلة لكسر الوصمة في محيطه. وعلى المستوى المؤسسي تم دعم توحيد الأدلة التدريبية، وتطبيق معايير الجودة ومتابعة الأثر.