يوم الإثنين الماضي، فقد العالم الإسلامي العلامة الهندي الشيخ سلمان الحسيني الندوي، الذي كثيرًا ما وُصف بأنه حارس السُنَّة النبوية في القارة الهندية، والذي جمع بين عمق التراث الإسلامي في الهند والانفتاح على هموم الأمة الإسلامية جمعاء.
تابعتُ في السنوات الماضية، الكثير من مقاطع الشيخ سلمان باللغة العربية التي يتحدّثها بطلاقة، وكانت البداية مع الضجة التي أثيرت في عُمان، بسبب ما قاله الشيخ الندوي في محاضرة في كلية العلوم الشرعية بمسقط يوم الثلاثاء 19 سبتمبر 2017، انتقد فيها المواقف الأمريكية تجاه الشعوب العربية والإسلامية، وتحدّث عن الذين قُتلوا في أفغانستان، وعن حوالي مليون شخص قُتلوا في العراق، وعن أكثر من مليون من المسلمين الذين قُتلوا في سوريا، خلال ست سنوات، وقال: «وهكذا فإنّ دنيا العالم الإسلامي مقاتل ومجازر لهؤلاء الذباحين الجزارين القتلة السفاحين».
من تلك اللحظة، تابعتُ محاضرات الرجل، ووجدتُه عالمًا ربانيًّا مهمومًا بشؤون الأمة، لا يخشى في الله لومة لائم، متحدثًا بقوة عن قضايا المسلمين في الهند وفلسطين والعالم الإسلامي، وكثيرًا ما ركّز على التعليم الإسلامي ووحدة الأمة وإحياء دور العلماء وبناء المؤسسات وتوجيه الشباب المسلم والدعوة إلى النهوض العلمي والحضاري للأمة.
كان الرجل منارة علمية ومربيًّا فاضلًا وداعيةً مخلصًا، أفنى حياته في خدمة العلم الشرعي، ونشر السُنّة النبوية، وبناء المؤسسات التعليمية والدعوية في الهند، رغم معاناة المسلمين هناك، وترك خلفه مجموعة من الكتب، وعشرات المؤسسات التعليمية والخيرية، وجيلًا من التلاميذ الذين حملوا مشعله، وحافظوا على الدين الإسلامي وتعاليمه وسط كلِّ التحديات التي تحيط بهم.
وُلد الشيخ سلمان الحسيني الندوي عام 1954م في مدينة لكناؤ بالهند، - وهي التي تُعرف بمدينة العلماء - ونشأ في بيئة علمية ودعوية عريقة، حيث كانت عائلته من الأسر المعروفة بالعلم والفضل. أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بالمعهد الشرعي التابع للندوة، حيث درس العلوم الشرعية الأساسية. وما ساعد على تكوينه الفكري أنه نشأ في محيط يرفض الانغلاق والتقوقع، ويؤمن بأنّ النهضة تتطلب علمًا شرعيًّا مع الأخذ بمتطلبات العصر في الحسبان، وهو ما شكّل شخصيته المستقبلية كعالِم يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
للشيخ الراحل إنجازات كبيرة لا تخرج إلا من أصحاب الهمم العالية، فتقول تفاصيل سيرته إنه في عام 1974، أسهم مع مجموعة من زملائه الخريجين في تأسيس «جمعية شباب الإسلام»، التي سرعان ما أصبحت من المؤسسات الإسلامية النشطة في الهند، ثم أسّس مدرسة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد الإسلامية عام 1975م، والتي تطورت لاحقًا لتصبح جامعة رائدة، كما أسهم في إنشاء عدد كبير من المدارس الدينية والعصرية، والمعاهد المتخصصة في تعليم التكنولوجيا الحديثة لأبناء المسلمين. ولم تقتصر جهوده على التعليم، بل امتدت لتشمل العمل الخيري من خلال إقامة المستشفيات والمرافق التي تخدم الفقراء والمحتاجين، جامعًا بذلك بين التعليم والدعوة والعمل الاجتماعي النافع.
كان الشيخ سلمان يؤمن أنّ العلم يجب أن يتجسّد في مؤسسات تعليمية، وليس في الاكتفاء بإلقاء المحاضرات النظرية فقط، لذا فقد جمع بين العلم النظري والتطبيقي، فكان رائدًا في بناء الجامعات والكليات والمعاهد، مثل جامعة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد التي بدأت كمدرسة ثم تطورت لتصبح جامعة، وجعلها نموذجًا يدمج بين العلوم الشرعية والعلوم العصرية والتكنولوجيا، وامتد نشاطه ليشمل بناء مستشفيات ومرافق صحية تخدم الفقراء، مؤمنًا أنّ خدمة المسلمين من صميم الدعوة إلى الله.
عمل الراحل على نقل التراث الفكري الهندي إلى القارئ العربي، فترجم وحقق مؤلفات كبار مفكري الهند، خاصة العلامة أبي الحسن علي الندوي، الشهير بكتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، ممّا أتاح للمكتبة العربية الاطلاع على هذه المؤلفات.
استطاع الشيخ الحسيني أن ينقل معاناة المسلمين الهنود إلى العالم الإسلامي، من خلال عضويته في مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لعدة دورات، إذ كان أحد المؤسسين لهذا الاتحاد، فعرف العالم الإسلامي - خاصة العلماء - بظروف الأقلية المسلمة (الضخمة) في الهند من خلال طرح قضاياهم على المنابر الإسلامية.
ترك الشيخ سلمان الحسيني الندوي آثارًا علمية نافعة باللغتين العربية والأردية، وتنوعت مؤلفاته ورسائله لتشمل مجالات الحديث وعلومه والفقه والتفسير والسيرة.
من جميل ما قرأته عن الراحل، ما نشره موقع «الإسلام أونلاين» في خبر وفاته: «لقد كان الشيخ الندوي الهند بعمقها الحضاري، والعروبةَ بانتمائها الفكري، والإسلامَ برسالته العالمية، يجتمعون في شخصية هذا الرجل الفذ».
رحم الله الشيخ العلّامة سلمان الحسيني الندوي، فقد كان نموذجًا رائعًا لما يجب أن يكون عليه الداعية المسلم، إذ جمع بين العلم والعمل، ولم ينعزل في زاويته، وآمن بالتعليم وقارنه بأدوات العصر، لذا فإنّ رحيله يمثل خسارة فادحة للعالم الإسلامي، لكن عزاءنا أنّ إرثه العلمي والدعوي سيظلّ حيًّا ومؤثرًّا في الأجيال القادمة، إذ أنه غرس البذرة الأولى، وأفعاله ستبقى حية لا تموت بموته، طالما هناك طلبة يدرسون في الجامعات والمعاهد والمدارس التي أسّسها، وطالما بقيت كتبه وأبحاثه تقرأ، وبقيت المستشفياتُ تعالج المرضى، والجمعياتُ الخيرية تساعد المسلمين المحتاجين، وما أكثرهم.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.