ماركو بوتي / فرانشيسكو نيكولي
تفترض دول كثيرة في الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها ألمانيا، أن زيادة الإنفاق الدفاعي ستؤدي تلقائيًا إلى بناء القدرات اللازمة لضمان أمن أوروبا. غير أن المضي في هذا الإنفاق بصورة منفردة لن يفضي إلا إلى تكريس منظومة دفاعية مجزأة وعتيقة، هي ذاتها التي أبقت القارة معتمدة على الولايات المتحدة لأكثر من سبعين عامًا، بل وقد يفضي أيضا إلى استحداث مخاطر جديدة.
عندما يتعلق الأمر بالدفاع، تواجه أوروبا ثلاث مشكلات رئيسية: تقادم التكنولوجيا، والافتقار إلى اقتصاديات الحجم، وضعف الحوكمة.
وقد كشفت الحرب في أوكرانيا هذه المشكلات الثلاث بوضوح غير مسبوق؛ ففي الوقت الذي تعتمد فيه أوكرانيا على تقنيات مبتكرة ومرنة لمقاومة الترسانة التقليدية الروسية الأكبر بكثير، أصبحت أوجه القصور في الأنظمة الدفاعية الموروثة جلية للعيان. ومع ذلك، لم تستثمر أوروبا بعدُ على النحو الكامل الفرصة التي أتاحتها الحرب لاختبار منظومات تسليح جديدة، وتوسيع إنتاج أكثرها فاعلية، وتحويل هذا الجهد إلى تقدم ملموس على صعيد التكامل المؤسسي.
وإذا استمر التشرذم المؤسسي وتفتت السوق على حالهما، فقد يصبح رفع الإنفاق الدفاعي أمرًا يصعب الدفاع عنه سياسيًا. وتشير الدراسات إلى أن التأييد الشعبي لإعادة التسلح يكون أقوى عندما يرى المواطنون أن الإنفاق الإضافي يندرج ضمن مشروع أوروبي موثوق للأمن المشترك؛ فهم يؤيدون زيادة الإنفاق الدفاعي، ولكن شريطة أن تأتي في إطار تعزيز التكامل على المستوى الأوروبي، لا أن تسبقه.
ومن المرجح أن يتراجع التأييد الشعبي إذا بدا أن الموارد الجديدة تُهدر في تكرار غير ضروري وغير كفؤ للقدرات عبر الدول الأوروبية، بما يزيد من التكلفة الإجمالية لسد الفجوات الدفاعية. وعندئذٍ ستواجه الحكومات ضغوطًا متزايدة لإثبات أن ارتفاع الإنفاق الدفاعي يحقق عوائد صناعية محلية كافية لتبريره، حتى وإن جاء ذلك على حساب برامج الرعاية الاجتماعية، وإجراءات مواجهة تغير المناخ، وغيرها من أوجه الإنفاق العام الأكثر قدرة على تعزيز النمو الاقتصادي على نحو مستدام.
ولا شك أن زيادة الإنفاق الدفاعي في الدول الأوروبية ستؤدي إلى تضخم ترساناتها العسكرية، مهما بلغت درجة عدم الكفاءة في توظيف هذه الموارد. غير أن أوروبا الأكثر تسلحًا ليست بالضرورة أوروبا الأكثر أمنًا. فما دامت الدول تتحرك في إطار منظومات دفاع وطنية منفصلة، فستظل القارة عرضة للهشاشة الاستراتيجية.
وإذا كانت الدول الكبرى تُحكم من قبل أحزاب قومية، فإن خطر الإقدام على مغامرات متهورة أو الوقوع في سوء تقدير كارثي سيزداد.
وغالبًا ما يُستدعى مفهوم السيادة لتبرير التحركات الوطنية غير المنسقة في مجال الدفاع؛ غير أن هذا التبرير مضلل؛ إذ إن كثيرًا من القدرات التي تُعد أساسية لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية يتجاوز نطاقها وإمكاناتها حتى أكبر الدول الأوروبية.
وعليه، لا تملك الدول الأوروبية سوى خيارين: فإما أن تحتفظ بسيطرتها الكاملة على قرارات المشتريات الدفاعية، مع استمرار اعتمادها على الولايات المتحدة في القدرات الحيوية، وإما أن تتعاون مع شركائها الأوروبيين لبناء تلك القدرات بصورة جماعية. صحيح أن توحيد الطلب، وتنسيق المشتريات، ودمج الإنتاج قد يحدّ من حرية القرار الوطني فيما يتعلق بالعقود الفردية، لكنه في المقابل سيعزز قدرة الاتحاد الأوروبي على الدفاع عن نفسه، ومن ثم يقوي سيادته الجماعية.
وكما بينّا في موضع آخر، فإن اتحادًا أوروبيًا حقيقيًا للدفاع هو وحده الكفيل-على المدى الطويل- بتوفير أمن مشترك ومستدام. أما على المدى المتوسط، فيمكن إحراز تقدم كبير من خلال اتفاقات والتزامات سياسية لا تستلزم تعديل المعاهدات أو التدخل على مستواها.
وتتمثل الخطوة الأولى في إدماج الاستثمارات العسكرية ضمن إطار أوروبي يحد من الازدواجية، ويكافئ قابلية التشغيل البيني، ويشجع المشتريات المشتركة بين عدد أكبر من الشركاء مقارنة بما يشترطه حاليًا برنامج العمل الأمني من أجل أوروبا (SAFE) للتمويل. (فبموجب هذا البرنامج، يكفي أن تتعاون دولتان فقط حتى يُعد ذلك «شراءً مشتركًا».) وفي ظل هذا الإطار، ينبغي التمييز بين الاستثمارات التي تقتصر على الإبقاء على خطوط الإنتاج الوطنية القائمة، وتلك التي تُفضي إلى إنشاء أصول وقدرات أوروبية مشتركة. ولئن كان من الأسهل حشد التأييد السياسي للاستثمارات من النوع الأول، فإن النوع الثاني هو الأقدر على توليد قدرات دفاعية فعلية، وخفض تكلفة الإنتاج للوحدة الواحدة، الأمر الذي يجعله عنصرًا لا غنى عنه لأمن أوروبا.
ومن دون إطار على مستوى الاتحاد الأوروبي قادر على تحويل الموارد المالية إلى قدرات إنتاجية واسعة النطاق، ستظل القدرات الدفاعية الأوروبية محدودة، مهما ارتفع حجم الإنفاق. ومع ذلك، يبدو أن ألمانيا، في وضعها الراهن، تميل إلى المضي في هذا المسار بمفردها.
وبفضل الإعفاء الدائم للاقتراض المخصص للإنفاق الدفاعي من القيود الدستورية المفروضة على الدين العام، إلى جانب التفسير المرن لقواعد الانضباط المالي في الاتحاد الأوروبي، تتمتع ألمانيا بقدرة هائلة على زيادة إنفاقها الدفاعي. ووفقًا لحساباتنا، فإنه عندما تبلغ البلاد هدفها المتمثل في إنفاق 200 مليار يورو (229 مليار دولار) سنويًا على الدفاع، وهو ما يُرجح أن يحدث بحلول عام 2030، فإنها ستستحوذ على نحو نصف إجمالي الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي.
وفي ظل هذا التفاوت الكبير في القدرة الشرائية، تبدو إغراءات تجاوز آليات التنسيق الأوروبية البطيئة قوية بالنسبة لألمانيا. فقد انسحبت بالفعل من مشروعات دفاعية مشتركة بارزة، مثل مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي مع فرنسا، كما سارعت إلى شراء أنظمة دفاعية جاهزة من خارج أوروبا. وينذر هذا النهج بتفكيك الجهد الدفاعي الأوروبي المشترك من الداخل.
وبوصفها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، تواجه ألمانيا اليوم خيارًا مألوفًا: فإما أن تتصرف بصورة منفردة، وإما أن تضطلع بدور القوة المهيمنة الحميدة. فإذا اختارت المسار الأحادي، والأسوأ من ذلك إذا شجعت الآخرين على الاقتداء بها، فقد يظل الاتحاد الأوروبي معتمدًا اعتمادًا شبه كامل على الولايات المتحدة في أصول استراتيجية حاسمة، مثل اتصالات الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، ومنظومات الاستخبارات وتحديد الأهداف، والدفاع الجوي المضاد للصواريخ الباليستية، والأسلحة النووية، وقدرات النقل الاستراتيجي. وهذه كلها تمثل سلعًا عامة أوروبية حقيقية، ينبغي تمويلها وتوفيرها على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وكما أن أمن أوروبا طويل الأمد لا يمكن ضمانه إلا من خلال تعاون أوروبي أعمق، فإن التوصل إلى حل دائم لـ«المسألة الألمانية» الجديدة قد يكمن أيضًا في إقامة اتحاد أوروبي للدفاع. فعندما كان جدار برلين ينهار، نجح المستشار الألماني هيلموت كول، والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، ورئيس المفوضية الأوروبية جاك ديلور في ترسيخ مكانة ألمانيا الموحدة داخل المشروع الأوروبي بإطلاق العملة الأوروبية الموحدة. واليوم، يبدو أن اتحادًا دفاعيًا أوروبيًا متكاملًا هو الذي ينبغي أن يؤدي هذا الدور التأسيسي.
ويبقى من غير الواضح ما إذا كان المستشار فريدريش ميرتس، والرئيس إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين سيُظهرون الرؤية الاستراتيجية والإرادة السياسية اللتين تحلى بهما أسلافهم. غير أن عامل الوقت يكتسب أهمية حاسمة؛ إذ إن الانتخابات التي ستشهدها عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي خلال العام المقبل سترفع ما يُعرف بـ«معدل الخصم السياسي»-أي ميل القادة السياسيين إلى تفضيل السياسات التي تحقق مكاسب سريعة وملموسة-وهو ما سيجعل اتخاذ قرارات جريئة، ولا سيما في مجال الدفاع، أكثر صعوبة.
ماركو بوتي رئيس كرسي في مركز روبرت شومان التابع للمعهد الجامعي الأوروبي، وزميل باحث خارجي في مؤسسة بروغل.
فرانشيسكو نيكولي أستاذ مشارك في العلوم السياسية في معهد البوليتكنيك في تورينو، وأستاذ للاقتصاد السياسي في جامعة غنت.