ترجمة: أحمد شافعي
مضى الذكاء الاصطناعي ـ الذي يتلقى أغلب تمويله من رأس المال الخاص ـ قدمًا، على الرغم من المخاوف الهائلة المحيطة بما سيكون له من آثار على العمل والتعليم والعلم والدفاع والحياة المدنية.
تقدمت شركات الذكاء الصناعي على الرقابة العامة وفي بعض الأحيان نجحت في حشد الضغوط عليها. والإنجازات الأساسية لهذه الصناعة ـ أي «النماذج الحدودية» «أي البالغة من التطور أقصى حدوده-المترجم» المملوكة للشركات الخاصة التي أنشأتها من قبيل أنثروبيك وأوبن آيه آي وجوجول ـ تخضع لحماية الملكية الفكرية برغم أنها مدمجة في المدارس والمكاتب والمستشفيات والمحاكم والتجارة والأجهزة التي نستعملها كل يوم. وبرغم أن الشعب لم يطلب أدوات الذكاء الصناعي، لكنه الآن لا يكاد يكون له غنى عنها.
وما من حل مناسب للمشكلات جميعا فيمكنه أن يعالج الآثار التي قد تكون قادمة في الطريق. ولكن حجم المخاوف يقتضي نوعا من الاستجابات التي تخدم الشعب، ويمكن أن تبدأ الولايات المتحدة بإقامة مختبر وطني للذكاء الاصطناعي.
فكروا في العصر الذري؛ لقد تم تنفيذ العمل الأولي في الولايات المتحدة عبر أرخبيل سري ولكنه خاضع للحساب فيدراليا، وكان يتألف من مختبرات وطنية مقامة في أربعة مواقع، هي بيركلي، أوك ريدج، هانفورد، والأشهر بينها على الإطلاق هو لوس ألاموس.
كانت تلك المواقع باهظة التكلفة وسرية في بعض الأحيان، لكنها مرتبطة بجامعات ومرتبطة أيضا ببقية جهاز أمتنا البحثي.
منذ نشأته، تم تنظيم المشروع النووي، تنظيما قد لا يكون مثاليا لكنه عمدي، على يد الحكومة؛ فمشروع منهاتن الذي نجح في صنع القنبلة الذرية أثمر لجنة الطاقة النووية التي أشرفت على صنع الأسلحة، وغرست بذرة صناعة طاقة نووية وليدة. والآن تقوم وزارة الدفاع ووزارة الطاقة ووكالات المخابرات بمراقبة الأسلحة، في حين تشرف لجنة التنظيم النووي على القطاع النووي الوطني. ويتواصل البحث في الفيزياء النووية التطبيقية متسارع الوتيرة علنا وسرا.
تخيلوا لو أنه بدلا من الجهد الوطني لصنع القنبلة الذرية كان عدد صغير من الشركات الخاصة قد بادر وبدأ بيع التقنيات النووية القوية للأمة، مع محاولة من الحكومة للملاحقة بعد ذلك. هل كان يمكن أن نقبل هذا الوضع؟ هل كان يمكن أن نقول إن على التنظيم أن يتريث بعض الشيء مراعاة لسرعة الابتكار؟ هل كان يمكن أن نضع ثقتنا في بضعة رؤساء تنفيذيين وتقنيين نترك لهم أن يقرروا ما ينبغي أن يعلمه الشعب؟
التشابه غير تام؛ فالذكاء الاصطناعي ليس قنبلة ونحن الآن لسنا في غمار حرب عالمية. لكنه شأن جميع التقنيات، يمكن أن تخربه الأغراض الخبيثة. لكن من الواضح أن الولايات المتحدة ليس لديها مؤسسات عامة قادرة على إقامة واختبار وفهم الذكاء الاصطناعي الحدودي بمثل امتلاك الشركات التي تقرره الآن.
بوسع مختبر ذكاء اصطناعي أن يغير هذا بأن يضمن للشعب الأمريكي مؤسسة واحدة على الأقل يمكنها أن تقيم وترى وتختبر أشد أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدما بالنيابة عن الشعب.
ويجب أن يقام مثل هذا المختبر على أيدي باحثين جامعيين يتاح لهم في حدود، ويكون هذا المختبر مجالا تدريبيا لجيلنا القادم من مصممي الذكاء الاصطناعي.
ويمكنه أن ينشر البحوث علنا كلما أمكن ذلك، مع فرض السرية على العمل في حالات الضرورة دون غيرها. ويمكنه أن يدرس المخاطر وهو غير مشغول بحماية إطلاق منتج جديد.
ويمكنه أن يقيم نماذج للعلم والتعليم والطب والأمن الوطني، فلا تكون تلك النماذج أفكارا ثانوية من الشركات ولكن مهام شعبية لا تخضع لمخاوف المستثمرين.
لقد خطت الحكومة خطوات متواضعة في هذا الاتجاه، ولكن لا يبدو أن بينها ما يقترب من حجم مختبر ذكاء اصطناعي وطني، وأكثر هذه الخطوات طموحا هو «مهمة جينيسيس» الخاصة بالبيت الأبيض.
وهذه المبادرة تكلف وزارة الطاقة ومختبراتها الوطنية باستعمال البيانات الفيدرالية في إقامة «منصة» ذكاء اصطناعي تشمل مجموعة من البرمجيات والأجهزة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لتسريع البحث العلمي.
وهذا تعاون بين القطاعين العام والخاص بشراكة من بعض شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، لكن النماذج المتقدمة التي تأتي بها هذه الشركات ستظل على الأرجح ملكيات خاصة، ولا تزال شروط الوصول إليها غامضة في أحسن الأحوال.
وحتى الآن، لا يزال التعامل مع هذه النماذج المملوكة للشركات في برامج المختبرات الوطنية مقصورا على مستوى تشغيلها، بدلا من سبر أغوار التقنية نفسها. ولا يمكن أن ينشأ التعلم الحقيقي إلى بوصول ينبع من إقامة نموذج حدودي كامل من البداية إلى النهاية.
وليست لدى الولايات المتحدة رفاهية التباطؤ؛ فالذكاء الاصطناعي يتقدم ويدمج نفسه على نحو لعله يفوق في السرعة أي تكنولوجيا سابقة عليه. وكلما ازداد رسوخ الأنظمة المملوكة للشركات الخاصة، وازدادت حماية وصعب الاستغناء عنها، صعب على أي مؤسسة عامة الملاحقة.
هل ستكون تكلفة الأمر أكثر مما ينبغي؟ لا، أو على الأقل، لن تكون كذلك نسبيا؛ فمختبرات سانديا الوطنية التي تقوم باختبارات المخزون النووي وتأمينه ممولة لسنة 2025 المالية الأخيرة بـ5.8 مليار دولار.
والإنفاق العسكري الوطني اقترب من تريليون دولار في السنة، والتقديرات الخاصة بإقامة مختبر قادر على تصنيع نماذج الذكاء الاصطناعي الحدودية تتراوح كثيرا في ما بين ستة مليارات وعشرين مليار دولار.
المواهب موجودة، وحتى عند ازدهار القطاع الخاص، لا يختار جميع علماء الكمبيوتر مكافآت الصناعة.
والكثيرون منا تدفعهم حرية البحث وحب التعليم والتوجيه للجيل القادم من العلماء إلى التطلع نحو الوسط الأكاديمي. والتباطؤ الذي نشهده في الفترة الأخيرة في التوظيف في قطاع التكنولوجيا يعني أن لدينا المزيد من الخريجين المتميزين المتحمسين للعمل الطموح، بما يجعل المسار البعيد عن الشركات أشد جاذبية.
ومن شأن مختبر وطني قوي للذكاء الاصطناعي أن يطرح مسارا آخر في الخدمة العامة لعلماء الكمبيوتر والرياضيات البارزين، على غرار المسار الذي وجده المحامون والاقتصاديون والعلماء الموهوبون منذ زمن طويل في العمل من أجل الصالح العام.
وثمة أيضا ضغوط جيوسياسية؛ فمبادرات «السيادة على الذكاء الاصطناعي» ـ التي تدمج الأولويات والقيم الوطنية في إنشاء ونشر وحوكمة هذه التقنيات ـ جارية في بريطانيا والإمارات العربية المتحدة والصين، والأخيرة منها استهدفت صراحة القيادة العالمية في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.
ودونما مختبر وطني أمريكي، فإننا نعتمد على الشركات الخاصة في هذه الأحكام راجين أن تضاف الرقابة العامة لاحقا. وهذا ترتيب معكوس، ورجاء ساذج. فما لأمة أو شعب أن يكون لهما الحكم على تقنية لا يفهمونها بعمق، وما لهم أن يفهموها بعمق من الخارج.
إننا نسمح لحفنة من الرؤساء التنفيذيين بتطوير إحدى أكثر التقنيات تأثيرًا في تاريخ البشرية، وبيعها في الحياة العامة وتحديد مستقبلها لنا. والشعب يستوعب المخاطر بينما يتنازل لا عن الرقابة وحسب بل عن الفهم والمشاركة أيضا. ولم تكن هذه هي الطريقة التي أدرنا بها العصر الذري. فلا ينبغي أن ندير عصر الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة أيضا.
دان روكمور مدير معهد نوكوم لعلوم الحوسبة في كلية دارتموث وبرنامج كالانيوت في دارتموث، وعضو خارجي في هيئة معهد (سانتا في).
الترجمة عن نيويورك تايمز