طاهر علوان
من بين الأنواع السينمائية يبرز نوع الكوميديا السوداء الذي يجد له جمهورا واسعا على الدوام، وخاصة عندما يتم تناول شخصيات على الهامش، ولكنها تمارس أدوارا هي أكبر من حجمها، وهي في الواقع أعمال ذات شعبية واسعة تعود جذورها إلى عالم المسرح، وتحديدا إلى ما يعرف بالمسرح الساتيري، وهو اتجاه مسرحي يعود إلى الإغريق، تقدم فيه مسرحيات تستخدم السخرية، والمفارقة، والهجاء لانتقاد أفراد أو فئات اجتماعية أو أفراد من الطبقة السياسية، أو أنها تنتقد العادات أو الأعراف السائدة.
ولا يقتصر الهدف بشكل عام على إضحاك الجمهور، بل الكشف عن العيوب والتناقضات التي تعيشها الشخصيات بأسلوب ذكي، وسوف نتذكر هنا مسرحيات الفرنسي موليير الشهيرة، ومنها مسرحية طرطوف والبخيل ومريض الوهم والبورجوازي النبيل وغيرها، وكان قد سبقه بقرون المسرحي اليوناني المشهور أريستوفان الذي قدم العديد من المسرحيات الساخرة مثل الضفادع والفرسان والطيور وغيرها؛ حيث قدم للمسرح أكثر من 40 مسرحية حتى وفاته في العام 386 قبل الميلاد.
من هنا يمكننا النظر إلى السينمائي متعدد المواهب، المخرج الأمريكي - البريطاني بيتر غلانز، الذي كتب السيناريو وأخرج هذا الفيلم وقام بمونتاجه، فضلا عن وضع الموسيقى التصويرية، وهو نفسه كاتب سيناريو الفيلم الشهير كابتن أمريكا - العالم الشجاع - 2025 الذي أخرجه يوليوس آنا، وهو ضمن سلسلة مارفيل للكوميكس الشهيرة.
يغوص المخرج وكاتب السيناريو بيتر غلانز في المجتمع الإنجليزي في القرن السابع عشر، ذاهبا بمشاهديه إلى عصر الباروك، وإلى ذلك العالم القوطي المتناقض الذي تبرز في عمقه الشخصيات البرجوازية التي لا تريد ولا تستطيع أن تعيش بلا وجاهة وصخب ادعاء ومظاهر برجوازية وبذخ وتعالٍ وعجرفة، بينما هي تعيش في الداخل خواء داخليا مريعا، مما يجعلها صيدا سهلا للسخرية، وأن تصبح موضوعا حيا لهذا النوع من الكوميديا السوداء التي قادها المخرج ببراعة إلى نهاياتها.
ها نحن في مواجهة السير تشونسي سافاج - يقوم بالدور الممثل ريتشارد غرانت - في قصره الفخم ووسط الخدم والحياة البرجوازية، بينما هو في الواقع ليس إلا متسلقا لبق اللسان ينحدر من عائلة متواضعة، لكنه استطاع بحذاقته وكونه سليط اللسان ومخادعا أن يجتذب فتاة برجوازية سليلة ثراء - تقوم بالدور الممثلة كلير فوي - وها هما بعد حياة مليئة بالبذخ والادعاء يشهدان عالمها البرجوازي وهو يتصدع ويتداعى من حولهما، ويكاد يقودهما إلى الحضيض.
ورغم أن المشاهد يدرك مساحة المفارقة الساخرة بين ما يتصرف به السيد سافاج وزوجته، إلا أنه لا بد أن يمضي معهما في تلك السخرية والبؤس والخيانة وكل أنواع الخداع.
لا يكاد يوجد في تلك الجوقة المخادعة من هو صادق مع نفسه إذا استثنينا الابنة الشابة التي تحاول بشتى الوسائل تنبيه الأم وإيقافها عن الإسراف، بينما الفتاة نفسها لا تقوم بعمل مفيد سوى تربية فأر وجرذ يعززان ذلك الإحساس بالاشمئزاز الساخر المنتشر في مشاهد الفيلم. فالسيد سافاج ليس نزيها بعلاقته مع زوجته، ولا هي، والخادمان يتآمران للإيقاع بالعائلة والاستيلاء على ممتلكاتها، فيما الجيران يتآمرون بالطريقة نفسها، أما السيد سافاج فصار مبتلى بداء الملوك، وهو يصرخ بسبب إبهامه المتورمة التي علاجها الوحيد هو أن تعتاش عليها يرقات برية تخفف عنه المعاناة.
هذه البنية السردية المتكاملة التي تتشعب خطوطها كاشفة عن حياة مقرفة ومقززة ومليئة بالنفاق والانتفاخ المبالغ فيه مع واجهة من الثراء والكبرياء، ما تلبث أن تتجه إلى نهاياتها، ولهذا لا بد من حبكات ثانوية متتابعة مصنوعة بعناية، وهو ما يعمد إليه فريق السيناريو والمخرج، وذلك بوجود طوق نجاة يتمثل في قرار دوق ديفونشاير وزوجته أن يمضيا عطلة في قصر آل سافاج، وبذلك يتنفس الزوجان الصعداء.
فمن خلال تلك الزيارة الرفيعة لتلك الأسرة الراقية والمتنفذة سوف يستعيد آل سافاج مكانتهم بين الأسر الرفيعة، وسوف تتحسن أحوالهم المالية وعلاقاتهم الاجتماعية، ولهذا تبدأ الزوجة في بيع ممتلكات ثمينة ورثتها عن عائلتها وتعود لقرون من مجوهرات وأحجار ثمينة، وذلك لغرض توفير مستلزمات استضافة الضيفين الرفيعين اللذين يتأكد قرب قدومهما بإرسالهما عربات محملة بالحقائب، هي لوازمهما خلال إقامتهما.
نعيش مع الزوجين سافاج بدء العد التنازلي لقدوم الضيفين الرفيعين، ومع توالي الأيام القليلة الباقية يتفشى الطاعون حول تلك الممتلكات البهية والحدائق المنسقة، ولهذا يلجأ الزوجان لاستئجار طاقم جديد من الخدم، فيما يتم قطع ذراع السيد سافاج بسبب تلف الذراع جراء الالتهابات.
لقد لفتت المعالجة الفيلمية أنظار العديد من النقاد السينمائيين، ولهذا كتب عنه كثير من النقاد، نذكر من ذلك ما كتبه الناقد جاك هيسلوب في موقع «فريم ريتد»: "يقدم لنا هذا الفيلم صورة الطبقة الثرية في المجتمع البريطاني؛ حيث تسعى عائلة سافاج لاستعادة سمعتها النبيلة، في مفارقة قائمة على بيع كل ما في وسعهم لتوفير تكلفة ليلة مثالية والارتقاء في السلم الاجتماعي، ويحاولون ألا يعتبروا تزامن تلك الليلة مع كسوف كلي للشمس نذير شؤم؛ إذ يُقال إن الأرواح الشريرة تهبط في ليلة الكسوف، وبذلك تختلط الخرافة بالهوس الأرستقراطي.
واقعيا، لقد أعادنا المخرج إلى نوع أدبي شاع من منتصف القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. وشمل هذا النوع في إنجلترا أعمالا مثل "تاريخ توم جونز اللقيط" لهنري فيلدينغ (1749)، و"حظ باري ليندون" لويليام ميكبيس ثاكيراي (1844)، والتي تحولت إلى فيلم ستانلي كوبريك الشهير "باري ليندون" (1975)، وغيرها".
أما الناقد روبرت ستينر فقد كتب في موقع «إن ريفيو أونلاين»: "يتميز أسلوب الفيلم بالواقعية، ونبرته المعبرة عن الكوميديا السوداء، والنهايات التي غالبا ما تكون قاتمة، تاركا البطل في وضع صعب أو معرضا لنهاية حتمية بشعة. وتماشيا مع هذا البناء الروائي، يروي الفيلم قصته في شكل حلقات تحمل عناوين فصول، وكلها تشير بترقب وفزع إلى وصول الزائرين الرفيعين، الدوق والدوقة.
لقد جسد الفيلم ذلك النوع الدرامي المُغرق في الغرابة القوطية. فيلم مليء بالجروح الغرغرينية، والأطراف المتقيحة، واللحم المتعفن، والأوبئة، والخيانة الزوجية، والقتل، وإطلاق النار، والطعن، والجنون، والقسوة، والجشع، وحبكة تدور حول تعاسة الجميع إلى الأبد".
يحفل الفيلم بالكثير من المشاهد التي تقترب من المشاهد المسرحية، والمفارقات التي هي أقرب إلى لغة المسرح، وخاصة أن مدير التصوير أدريانو غولدمان لم يكن معنيا بإبراز جماليات الصورة، وكان متقشفا في مشاهد مبنية إضائيا في الغالب على إضاءة واطئة، وخاصة إضاءة القصر بواسطة الشموع، وهو ما عزز قتامة الأجواء السائدة.
وفي مشاهد السخرية أيضا نشهد التناقض بين براعة الشخصية في التعبير عن مستواها الرفيع، في مقابل وجود طالبي الدين الذين يتقاطرون على القصر مطالبين باسترداد أموالهم، دون أن يكترث لهم أحد، حتى المشاهد الختامية التي تقود اللورد سافاج إلى شر أعماله، وهي متوالية متقنة قدمها المخرج بشكل شديد السخرية والتناقض.
...............
سيناريو وإخراج: بيتر غلانز
تمثيل: ريتشارد غرانت، كلير فوي، جاك فارثينغ، بيل باولي، كيلا كاسيدي
مدير التصوير: أدريانو غولدمان
موسيقى ومونتاج: بيتر غلانز
توزيع لأنحاء العالم: شركة بارامونت