1. تنبيه
وصل رجال الإسعاف والطَّوارئ في مركباتهم المُطلِقة صفَّاراتها وأضواءها الزَّرقاء والحمراء. استخدموا السُّلم المتحرك الذي صعد من إحدى آلياتهم إلى فوق. كسروا قفل مفتاح الشّقة رقم 102 الواقعة في الدور العاشر بمطرقة مخصَّصة لمثل هذا النَّوع من الطَّوارئ. أنزلوا الجثمان -أمام تجمهر من سُكَّان الحي الذين كانوا ينظرون إلى ساعاتهم ويصدرون أو يردُّون على مكالمات-- بالطريقة نفسها التي صعدوا بها إليه، ووضعوه في إحدى تلك العربات.
وفي أثناء انطلاق العربة بصوت صفارتها الذي يسبقها، رنَّ صوت جرس إيقاظ خافت من ساعة يد لا تتحرك.
2. Home
عدت في الغبش إلى بيتنا الواقع على طرف الوادي.
كانت الدِّيكة تصقع، والكلاب تنبح، والأبقار تخور، وعتبة البيت لم تعد موجودة. هالني أن جدرانه أصبحت زجاجيَّة بعد أن كانت طينيَّة بحيث أني رأيت أمي قبل أن أدخل إلى البيت. لم تكن أمي كفيفة النظر لكنها أصبحت كذلك الآن، وهي أول من رأيته للمرَّة الثانية إثر دخولي إلى الحوش بلا استئذان. كانت تتلمس طريقها بعصاها في الفراغ كأنما تحاول تجنُّب الاصطدام بشيء أمامها. ومن الغرفة الكبيرة في طرف البيت خرج إخوتي وأخواتي الذين يصغرونني في السِّن، ولم يكبروا يوماً واحداً بثيابهم القديمة نفسها، وكأنهم صور فوتوغرافيَّة كبيرة بالأسود والأبيض، منذ أن رأيتهم للمرة الأخيرة قبل عشر سنوات. تسمَّرتُ أمامهم، فصاروا ينادونني باسمي بصوت جماعي في خوف ورجاء.
وأنا من المفروض أن أذهب في صباح الغد حسب موعد مسبق إلى عيادة طبيب عيون واقعة على Sunset Boulevard.
3. وردة
أبحث عن باعة الورود الجوَّالين – وجميعهم تقريباً من المهاجرين غير النظاميين الذين تكثَّفت حملات اعتقالهم وتسفيرهم إلى بلدانهم مؤخراً -- في الليلة الأكثر رواجاً لبضاعتهم، وهي الليلة التي أنا فيها الأكثر احتياجاً لوردة من ورودهم: عيد الحب.
جئنا في أول المساء من شقَّتنا البسيطة في الحي الذي يقطنه الطُّلاب الأجانب لنسهر في حانة هادئة تفوق فواتيرها إمكاناتنا لولا المناسبة الخاصة، وذلك في منطقة مركز المدينة الصَّاخب. قلت لها إني مضطر للخروج للسَّحب من ماكنة نقود لا بد أنها توجد على مقربة من هنا، وسأعود بعد قليل. خرجتُ إلى الشَّوارع الباردة والممطرة قليلاً من غير مظلَّة، ماشياً، ومهرولاً، وراكضاً بانتشاء على الأرصفة، متعمداً أن يبلل المطر المتقطِّع شعر رأسي ووجهي وثيابي من دون أن ينقِّعها. وكان كل ما أريده من العالم في هذه الليلة هو وردة واحدة فقط.
هي لا تحب الهدايا الماديَّة القيِّمة (بمقاييسنا المتواضعة، على الأقل) في هذه المرحلة النَّاضجة من عمر علاقتنا – التي ينبغي الاعتراف بأنها مرَّت بعديد من الاختبارات الصَّعبة -- خاصة في الأعياد والمناسبات «الرسميَّة» التي نشترك فيها مع غيرنا من الناس؛ بل إن ما تريد هو شيء ضئيل حتى ولو كان مُكَلْشَهًا -- وردة طبيعية مثلاً. وأنا سأقدم لها تلك الوردة في سهرة فيها الكثير من الحنان والصفح من القلب والخاطر عن الأخطاء التي ارتكبناها بحق بعضنا البعض قبل المناسبة بقصد، أو بغير قصد، أو في منزلة واقعة بين المنزلتين. أما الهدايا الأكثر قيمة من النَّاحية الماديَّة (ولو، مرة أخرى، بمقاييسنا المتواضعة) فيجب أن تكون مفاجئة وتتعلق بذكريات ومواقف صغيرة في حياتنا من دون أن يدري أحدنا أنها شكَّلت بعداً جوانيًّا كبيراً وعميقاً لدى الآخر: «ياه!، هل من المعقول أن يكون ذلك الشيء الصغير قد عنى لك كل هذا وأنا لا أدري»؟! لكن كل ما أريد من العالم الليلة هو وردة واحدة فقط.
بمجرد خروجي من الحانة رأيت وردة مسحوقة على الرصيف. ترددت أمامها قليلاً ولم ألتقطها. «يا الله، كم هم البشر مسرعون في كل شيء، ويسحقون حتى الورود في سرعتهم القاسية»، هكذا قلت لنفسي. بعد ساعة أو أكثر كوَّنت الشَّوارع المبلَّلة أمامي سراباً ضبابيًّا رأيت فيه بداية ذاكرتي مع الورد في قريتنا البعيدة، في بيت خالتي الشَّابة الجميلة التي كانت تقيم بمفردها في بيت صغير يتوسط مزرعة صغيرة أيضاً، لكن فيها حقلا كبيرا للورود. كانت خالتي قد عيَّنت فلاحاً من الأجانب للاضطلاع بأعمال المزرعة، وقد ذبلت الورود بعد وفاة ذلك العامل التي أعقبها بيع المزرعة وانتقال خالتي للإقامة في المدينة مع شخص تزوجته. لكن كل ما أريد من العالم الليلة هو وردة واحدة فقط.
أصبح الوقت متأخراً، وصار عليَّ العودة إلى تلك الحانة بعد أن وجدت ألّا وردة واحدة فقط لنا هنا.
4. روح
بعد التيقن من ذهاب المنخفض الجوي في إثر أسبوع متواصل من المطر الغزير، فتحت باب الشُّرفة وأردت إعادته إلى السماء والأشجار. كان طوال إقامته المؤقتة عندي يبدو في غاية القلق، وكنت أفتِّتُ قطعاً من الخبز في إناء ماء صغير وأضعه أمامه، وأغطيه بكيس مخملي صغير ناعم كانت امرأة لم تعد موجودة في حياتي قد أهدتني كتاباً موضوعاً في داخله. لكني حين أعود من سريري للاطمئنان عليه أجده قد انتقل ونام في زاوية أخرى من الصالة الباردة. كان من الواضح لي أنه لا يريد هذا المكان منذ السَّاعات الأولى لدخوله إليه. لكني حين فتحت باب الشُّرفة أخذ يتمشى ويتخبَّط في طيرانه الذي بدا وكأنه يحدث للمرة الأولى بين الصالة وغرفة النوم والحمَّام والمطبخ، بحيث مشيت وراءه مرشداً إياه إلى الباب المفتوح، ثم التفت، ونظر إليَّ، وطار.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني