بدأت الإجازة الصيفية، مع تساؤلات الأسر حول أفضل السبل لاستثمار أوقات الأبناء بعيدًا عن الشاشات، وفي ظل البحث عن برامج تجمع بين الفائدة والمتعة، وتنمي المهارات والميول الشخصية.
ويؤكد أولياء الأمور أهمية توفير برامج صيفية متنوعة تراعي احتياجات الأبناء وتكون في متناول الجميع، فيما يشير الطلبة إلى رغبتهم في ممارسة هواياتهم واكتساب مهارات جديدة من خلال أنشطة تتوافق مع اهتماماتهم.
ويرى مختصون أن البرامج الصيفية تمثل بيئات تعليمية وتفاعلية تسهم في بناء الشخصية، وتحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية، ونجاحها لا يرتبط بكثرة أنشطتها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين التعلم والترفيه، وإشراك الأبناء في اختيار ما يتوافق مع ميولهم، بما يجعل الإجازة الصيفية فرصة حقيقية للنمو واكتساب الخبرات وبناء الشخصية.
وتقول ولية أمر الطالبة ميرا ماجد الزدجالي، المقيدة بالصف الخامس: أبرز التحديات التي تواجهني خلال الإجازة الصيفية هي تنظيم وقت الأبناء، وغياب الهيكل اليومي المدرسي، مما يؤدي إلى فراغ طويل، وكثرة طلبات الخروج مع الأصدقاء، وصعوبة الموازنة بين أوقات الراحة والأنشطة المفيدة، خاصة مع انشغالنا بالعمل. ومن المعروف أن أبناءنا يقضون أوقات فراغهم في المنزل على الأجهزة الإلكترونية، لذا أضع وقتًا محددًا لهم، ساعتين كحد أقصى، بعد إنجاز الواجبات اليومية وقراءة جزء من القرآن، مع منع الأجهزة قبل النوم بساعة.
مشيرة إلى أن البرامج الصيفية قد تلبي احتياجات الأبناء، ولكنها تركز على الجانب الأكاديمي أو الرياضي فقط، ونأمل وجود برامج تدمج بين المهارات الحياتية (كالإسعافات الأولية، والزراعة، والطبخ) والأنشطة الذهنية والبدنية، مع مراعاة الأسعار.
وأضافت: لا بد على المؤسسات التعليمية والمجتمعية من دعم الأسر بتوفير برامج صيفية مجانية أو منخفضة التكلفة في المدارس والمساجد، وإطلاق مسابقات عائلية (تحدي القراءة، والزراعة المنزلية) بجوائز محفزة، وتخصيص مختصين لتقديم استشارات أسرية حول إدارة وقت الإجازة، وتفعيل الشراكات مع الأندية والمكتبات لتنظيم رحلات وحلقات عمل مستمرة.
وقالت لطيفة بنت علي الشبلي: من أبرز التحديات التي تواجهنا كأولياء أمور هي تحديد وتنظيم وقت النوم، حيث نضع ضوابط وأوقاتًا محددة لاستخدام الأجهزة اليومية في بعض الأحيان، فالبرامج الصيفية مهمة جدًا في استثمار أوقات الأبناء واستثمار عقولهم بطريقة صحية، وهناك ضرورة لاكتساب مهارات عديدة كالسباحة وركوب الخيل إلى جانب المهارات التي يحبها الأبناء، ويمكن للمؤسسات دعم الأسر بتوفير عدد أكبر من البرامج وتشجيعهم على تسجيل الأبناء.
كما عبر الطلبة عن كيفية استثمار الإجازة الصيفية، وقالت الطالبة فاطمة بنت سعيد البريكي: أستغل إجازتي الصيفية في القراءة والرسم والأنشطة الخارجية، مثل الذهاب إلى الحديقة مع صديقاتي، وقضاء الوقت مع العائلة، ومساعدة والدتي في أعمال المنزل والطهي، كما أخصص وقتًا يتراوح بين ساعة إلى ساعة ونصف يوميًا أمام الهاتف والأجهزة الإلكترونية. ومن البرامج التي أتمنى وجودها برامج الطبخ والتصوير الفوتوغرافي والرحلات الاستكشافية.
وتشاركها الرأي الطالبة نورجهان إبراهيم الزدجالي بقولها: أهتم بممارسة عدد من الهوايات، أبرزها الرسم والطبخ. وأقضي الإجازة الصيفية في ممارسة هواياتي، وتعلّم مهارات جديدة، إلى جانب المشاركة في البرامج الصيفية التي تسهم في تنمية مهاراتي واستثمار وقتي بما يعود عليّ بالفائدة، كما أشارك في البرنامج الصيفي الذي تنظمه المديرية العامة للتربية والتعليم، والبرنامج الصيفي لتحفيظ القرآن الكريم الذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. وأتمنى أن يتوفر في منطقتي برنامج لتعليم السباحة، حتى أتمكن من تطوير مهاراتي في هذه الرياضة.
ويقول الطالب محمد البلوشي: إنه يقضي إجازته الصيفية في لعب الكرة والبلايستيشن، كما يقضي يوميًا حوالي ساعتين أمام الهاتف والأجهزة الإلكترونية بسبب تحديد الوقت لي من قبل والده.
شراكة أسرية
تقول خديجة بنت علي المفرجي، مشرفة تربوية بمديرية التعليم في محافظة مسقط: تعد البرامج الصيفية أحد البدائل المهمة التي تقدم بيئات تفاعلية على أرض الواقع، من خلالها يتم تعويض الأبناء عن التحفيز الرقمي الذي تشبعه الشاشات، وتحول طاقتهم من الاستهلاك السلبي للشاشات الرقمية إلى استثمار للمحتوى التفاعلي النشط، وتعمل على إعادة تنظيم وقتهم المهدور، وملء الفراغ الصيفي بجدول زمني منظم، وهذا بدوره يقلل تلقائيًا من الساعات المتاحة للجلوس أمام الأجهزة الإلكترونية، كما تعمل هذه البرامج على الدمج الاجتماعي الفعلي لهم، وتنمية روح التواصل البصري والاجتماعي المباشر مع الأقران والمدربين الذين يعملون على تنفيذ البرامج، مما ينمي الذكاء العاطفي والاجتماعي ويقلل من العزلة الرقمية.
وأضافت: أبرز الأنشطة التي تستقطب الطلبة تعتمد على المرحلة العمرية للفئة المستهدفة، وآلية التنفيذ، فطلبة الحلقة الثانية (الصفوف 5-9 مثلًا)، تختلف خصائصهم النمائية عن الطلبة الأكبر سنًا والأصغر منهم، فهذه الفئة تمر بمرحلة نمو دقيقة تتطلب أنشطة تمنحهم الشعور بالاستقلالية والإنجاز، كالبرامج القيادية والخدمة المجتمعية، والأنشطة التي تتيح لهم النزول إلى الميدان ومساعدة مجتمعاتهم المحلية، كالورش التقنية التطبيقية، بدلًا من استهلاك التكنولوجيا، وكذلك المعسكرات الرياضية والكشفية التي تتسم بالمغامرات، كالتخييم، والرياضات الجماعية التي تلبي حاجتهم للنشاط البدني وبناء القوة الجسدية، كما أن الفنون الإبداعية والآداب تجعل خصائص الذكاء اللغوي والفني والمعنوي تتطور بشكل ملحوظ، كدورات الخط العربي، والرسم، والمسرح، وصناعة المحتوى الهادف، والكتابة الأدبية والشعرية، التي تلامس مشاعرهم وتصقل هويتهم الثقافية، وتزرع فيهم حس المسؤولية.
وتعمل البرامج الصيفية على تنمية المهارات العليا للطلبة، مثل التفكير الناقد، وحل المشكلات، والعمل الجماعي من خلال المشاريع المشتركة، وكذلك اكتشاف المواهب المبكرة، مما يتيح للمشرفين والتربويين رصد الطلبة المتميزين في بعض المجالات، سواء الأدبية أو الفنية أو العلمية، وتوجيههم إلى المسار الصحيح الذي يصنع منهم فئة قيادية تتمتع بتقدير ذاتي مرتفع، والقدرة على الإنجاز خارج أسوار المقعد الدراسي التقليدي.
أما عن التحديات فتقول: تتعدد التحديات التي تواجه تنفيذ البرامج الصيفية، كالتحديات اللوجستية والجغرافية، ومن بينها صعوبة النقل والمواصلات في بعض المناطق، وتوفر المراكز المهيأة والمكيفة المناسبة لطقس الصيف، كما أن ضعف الدافعية في بعض الأحيان لدى الفئة المستهدفة، ومقاومة الالتزام بجداول البرامج في الإجازة، وتفضيلهم للراحة أو الألعاب الإلكترونية السهلة، كما يواجه منفذو البرامج تحديًا جوهريًا يتمثل في التمويل المفضي لاستدامة الفعاليات، فالحاجة إلى دعم مالي ومادي مستدام لتوفير أدوات وحلقات عمل ذات جودة عالية، وتغطية تكاليف المدربين المتخصصين، تلعب دورًا رئيسًا في استمرارية الأنشطة أو توقفها، وكذلك تحدي الشراكة الأسرية، فضعف وعي أو تشجيع بعض أولياء الأمور لأبنائهم على الالتحاق بهذه البرامج، والاعتماد على الإجازة كفترة راحة تامة، يجعل هذه البرامج تتراجع في غالب الأحيان.
تصميم مرن
وتؤكد المشرفة التربوية أهمية تصميم البرامج التي تناسب الفئات العمرية من خلال التدرج في مسار المحتوى المراد تنفيذه، ووفقًا للمرحلة العمرية التي تستهدفها أنشطة البرنامج، فالصفوف الدنيا يتم التركيز فيها على التعلم باللعب، والقصص، والأناشيد التربوية، والأنشطة الحركية واليدوية البسيطة لتنمية المهارات الحركية والبصرية، أما الحلقة الثانية والتعليم ما بعد الأساسي، فيتم تقديم برامج تعتمد على مهارات التفكير العليا، كالتحدي العقلي، وبعض المشروعات التي تحتاج إلى جهد بدني وتواصل بشري، كالحوار والمناظرات، والتمكين القيادي والمهني، كما يجب مراعاة الخصائص النفسية عند تصميم الأنشطة، بحيث تلبي الاحتياجات النفسية لكل مرحلة، فالصغار يحتاجون إلى الأمان والمتعة، بينما الأكبر سنًا يحتاجون إلى الاعتراف بالذات وتقديرها، وتدريبهم على مهارات التخطيط للمستقبل واتخاذ القرار، وهذه الأنشطة، كي تكون فاعلة، يجب على القائمين عليها اتباع مبدأ المرونة والتنوع، وإتاحة مسارات متعددة داخل البرنامج الواحد، ليختار الطالب ما يتوافق مع ميوله الفردية ونضجه العقلي.

**media[3442434]**


الاستثمار الأمثل
وحول حق اختيار الابن نوع البرنامج، قال سعيد بن إبراهيم الشعيلي، أخصائي توعية وإرشاد (أول) وعضو بجمعية الاجتماعيين العُمانية: مع كل إجازة صيفية، يتجدد في كثير من الأسر سؤال لا يخلو من الجدل: هل ينبغي إلحاق الأبناء بالبرامج الصيفية مهما كانت رغبتهم، أم أن من حق الطفل اختيار ما ينسجم مع ميوله واهتماماته؟ وبين حرص الوالدين على استثمار الإجازة، ورغبة الأبناء في قضاء أوقاتهم بطريقتهم، يبرز تحدٍ تربوي يتمثل في تحقيق التوازن بين مسؤولية الأسرة في التوجيه واحترام شخصية الطفل واستقلاليته.
وأضاف: إن البرامج الصيفية لم تعد اليوم مجرد وسيلة لشغل وقت الفراغ، بل أصبحت بيئات تعليمية غير صفية تسهم في تنمية شخصية الطفل واكتساب مهارات يصعب تعلمها داخل الصف الدراسي، فالبرامج الجيدة تعزز روح المبادرة والعمل الجماعي، وتنمي مهارات التواصل وحل المشكلات، وتكشف الميول والمواهب، وتدعم الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية، إلى جانب توفير أنشطة تفاعلية تشكل بدائل جاذبة تقلل من الإفراط في استخدام الشاشات.
غير أن هذه الفوائد لا تتحقق بمجرد الالتحاق بأي برنامج، ولا تصلح جميع البرامج لجميع الأطفال؛ إذ يرتبط نجاح التجربة بمدى توافقها مع عمر الطفل وميوله واحتياجاته، ومن هنا يصبح حسن اختيار البرنامج عاملًا أساسيًا في تحقيق أهدافه التربوية، كما أن إشراك الطفل في عملية الاختيار يعزز دافعيته للمشاركة والاستفادة. وفي المقابل، لا يعني احترام رأي الطفل التخلي عن دور الوالدين في التوجيه، بل يقتضي الموازنة بين رغباته وما يحقق مصلحته التربوية.
وأشار إلى أن نجاح البرنامج الصيفي لا يقاس بعدد أنشطته أو شهرته، بل بجودة بيئته التعليمية، وكفاءة المشرفين عليه، وقدرته على تنمية المهارات الحياتية، وتحقيق التوازن بين التعلم والمتعة والراحة. وتزداد قيمة هذه البرامج عندما تقدم أنشطة رياضية وثقافية وفنية وتطوعية متنوعة تمنح الأطفال فرصًا للتفاعل والاكتشاف، وتسهم في الحد من قضاء ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية. وتستطيع الأسرة تعزيز نجاح التجربة من خلال الحوار مع الطفل، وإشراكه في اختيار البرنامج، وتقديم بدائل تتوافق مع اهتماماته، مع الحرص على ألا تتحول الإجازة إلى امتداد للعام الدراسي، فاللعب الحر، والقراءة، والهوايات، والأنشطة العائلية، جميعها عناصر تكمل دور البرامج المنظمة وتسهم في تحقيق نمو متوازن للطفل.