ويسألونك عن «الشرق»، قُلْ هو فضاء خياليٌّ للخيال نفسه؛ فربما يفتنك افتتانُ المستشرق المستعرب بالصحراء أكثر من فتنة الصحراء نفسها. غير أن صحراء العرب الأسطورية لا تكشف أسرارها للغرباء عن لغتها، فلا بد للسابح فيها أن يفقه كلام قبائلها ليفكَّ طلاسم المكان والزمان المبثوثة فيها. أتساءل إن كان برترام توماس قد أيقن هذه الحقيقة وهو يخوض الرمال في رحلته من صلالة إلى الدوحة عام 1931، كما أدركها من قبل رفيقه «لورنس العرب» خلال سنوات الثورة العربية الكبرى!

بعد أن دوَّن على الرمل ذكرى أول أعجمي يعبر صحراء الربع الخالي، تاركًا لمن بعده اقتفاء الأثر في كتابه «مخاطر الاستكشاف في الجزيرة العربية»، سعى برترام توماس لاستثمار سنوات خبرته الطويلة التي خدم خلالها الإمبراطورية ضابطًا سياسيًا بصحبة الهاشميين في شرق الأردن والعراق، ثم وزيرًا للمالية لدى تيمور بن فيصل، سلطان عُمان ومسقط. أراد أن يقدم للإمبراطورية خلاصة خبرته في تعلم العربية، فذهب إلى القدس عام 1944 كي يشرف على تأسيس مدرسة تتبع وزارة الخارجية البريطانية، مدرسة مهمتها الأساس تعليم نخبة من الدبلوماسيين والضباط والجواسيس الإنجليز أصول اللغة العربية وفروع فنونها، وستُعرف فيما بعد بـ«مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية» (MECAS)، وهي لافتة براقة لتاريخٍ مديدٍ من المعرفة الاستعمارية بالمنطقة العربية.

كان إلى جانب توماس أستاذ ضليع في اللغات الشرقية، هو أبا إيبان. والحقيقة أن المرء ليتحيَّرُ كيف يُعرّفه إلى القارئ: فهل نقول إنه المثقف المولع بالأدب العربي والأدب الفارسي وأنه أول من ترجم رواية توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف» إلى الإنجليزية؟ أم نقول إنه الصهيوني المتعصب الذي سيترقى في سلالم الدبلوماسية الإسرائيلية حتى غدا عام 1966 وزيرًا لخارجية دولة الاحتلال؟ للقارئ أن يختار ما يحلو له...

بعد تفجير منظمة «الإرغون» الصهيونية لفندق الملك داود، ومع تصاعد الهجمات الإرهابية ضد سلطات الانتداب المتلكئة في قبول هجرات جديدة من اللاجئين اليهود، أغلق المركز أبوابه في القدس. عبر طلاب «ميكاس» نهر الأردن صوب مدينة الزرقاء، حيث جربوا «نزهة» اللجوء المؤقت والدراسة في الخيام. طفق توماس يبحث عن مقر جديد للمؤسسة، فوقع اختياره على قرية وادعة من قرى عاليه بجبل لبنان يتقاسمها الدروز والموارنة، هي قرية شملان، وذلك رغم علمه بحساسية الفرنسيين من إنشاء مؤسسة بريطانية في منطقة كانت تُعد امتدادًا لنفوذهم.

في كتابه الممتع «وكر للجواسيس؟ حكاية مدرسة شملان»، والوحيد المتاح بالعربية تقريبًا عن هذه الحكاية، يصف المستعرب البريطاني ليزلي ماكلوكلين كيف أرست هذه المدرسة قواعد تعليم العربية في مدة وجيزة للأجانب. ولعلها كانت أول تجربة مؤسسية في العالم العربي تضع منهاجًا خاصًا لتعليم لغة العرب لغير العرب. ومع مطلع السبعينيات، وخصوصًا بعد ارتفاع أسعار النفط، بدأ المركز يستقطب رجال أعمال من دول مختلفة، كان اليابانيون أبرزهم.

في تلك الضيعة البعيدة في جبل لبنان، عكفت نخبة من الضباط والدبلوماسيين البريطانيين تدرس العربية الفصحى والمحكية. وقد بلغ شغفهم بتعلمها حدًّا شغلهم عن متابعة التطورات السياسية المتسارعة في البلد الذهاب إلى الحرب الأهلية. وربما ساعدت عزلة القرية البعيدة عن اضطرابات بيروت في توفير ذلك الجو الرومانسي بصحبة اللغة. فبينما كان ماكلوكلين يصف تلك الأمسيات الحميمة حول الطعام والشراب وموقد المازوت، جالت في خاطره كلمة «سَمَر» فتوقف ليضع نجمة على الهامش كي يقول: «ربما تكون العربية اللغة الوحيدة في العالم التي تحوي مفردة كهذه».

كان الطلاب يتململون من الجو الذكوري المجدب الخالي من روائح النساء، باستثناء أولئك الذين اصطحبوا زوجاتهم معهم، حيث كان منظر الأزواج الشبابِ الملتصقين بلا أطفال منظرًا مألوفًا في شملان. وربما كان غياب النساء الملحوظ عن الصور التذكارية لتلك السنوات سببًا في ندرة الفضائح الغرامية بين الطلاب. كانت الغراميات نادرة إلى حد مدهش كما يصفها ليزلي ماكلوكلين، ولندرتها فإن أي حكاية تتسرب سرعان ما تصبح فضيحة مدوية؛ كحكاية أحد الطلاب النزقين الذي اصطحب معه خطيبته من بريطانيا إلى شملان، حيث أُغرمت بزميله.

ويشير ماكلوكلين إلى حادثة حدثت خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهي تكشف جانبًا خطيرًا من توظيف المعرفة اللغوية. فقد كانت إذاعة الشرق الأدنى البريطانية، التي تبث من قبرص باللغة العربية، تسعى إلى بث رسائل دعائية بالعربية تحبط معنويات المصريين، فحاولت الاستعانة بمذيعين عرب لقراءتها، إلا أنهم رفضوا المشاركة. عندئذ أُسندت المهمة إلى طلاب شملان من موظفي وزارة الخارجية البريطانية، فقرأوا النصوص العربية الموجهة إلى الجمهور المصري من الاستوديو القبرصي. غير أن هذه المحاولة لم تحقق مسعاها كما يتذكر ماكلوكلين، بل قوبلت بسخرية المصريين.

منذ مجيئهم إلى شملان عام 1947، سترتبط حياة أولئك الطلاب ارتباطًا وثيقًا بالعالم العربي، وستتشكل طموحاتهم المهنية وتحولاتهم الشخصية مع تشكل كثير من البلدان العربية التي شغلوا فيها مواقع مهمة وحساسة بعد تخرجهم مجيدين للعربية. فعندما كان جيمس كريغ عام 1996 يضع اللمسات الأخيرة على كتابة مذكراته عن سنوات الدراسة في شملان تنبه مندهشًا إلى أن رئيس جهاز الاستخبارات السرية (MI6) والمدير العام للمجلس الثقافي البريطاني بالإضافة إلى كبار المسؤولين الثلاثة في وزارة الخارجية البريطانية (وكيل الوزارة الدائم، والمدير السياسي، وكبير الكتّاب) كانوا كلهم قد درسوا في تلك القرية اللبنانية التي ارتبط اسمها بقصص الجواسيس وأساطيرهم، كيف لا وقد درس فيها جورج بليك، أحد أشهر جواسيس الحرب الباردة، ضابط الاستخبارات البريطاني الذي اعتنق الشيوعية فأصبح عميلًا للسوفيت. أما كريغ نفسه فقد أصبح بعد مغادرته شملان سفيرًا لدى المملكة العربية السعودية. ويذكر في كتابه أن الأوساط البريطانية كانت تنظر لمن يختار تعلم اللغة العربية أنه لا بد أن يكون شخصًا مختلفًا، رومنسيًا ومغامرًا يحلم بأن يصبح لورنس آخر، أو جلوب آخر، أو فيلبي آخر.

إلا أن المفارقة التي لا بدَّ من الإشارة إليها هي سمعة خريجي «ميكاس» بين الإسرائيليين، فهم لم يروهم إلا مجموعة ضباط سحرتهم العربية فأصبحوا متعاطفين مع العرب معادين للصهيونية، بينما كان كمال جنبلاط في لبنان يصرخ بنواب البرلمان قائلًا: «فلتغلقوا وكر الجواسيس هذا»!

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني