إيهاب الملاح 

(1)
«نعم. ها هو خليج السويس العتيق، فضاء من الحصباء، وصحراء مكفهرة ومقفرة، سوف يخضعه البحر لسلطانه، ويطيل سواحلنا. إن عشق هذا البحر للبحر الآخر، هو كعشق اللآلئ لصدور الحسناوات، هنالك ستذهب سفننا تتنزه منوهة الخُطّاب، ويهوي إليها من نحبهم من البشر».
(نص منسوبة لرفاعة رافع الطهطاوي ورد في النص الفرنسي من كتاب «افتتاح قناة السويس ـ رحلة الملوك»).
عامل أساسي في فرادة هذا الكتاب وندرته فضلًا على القيمة التوثيقية العالية التي تغياها وابتغاها؛ هي حفظه بين دفتيه لعشرات اللوحات المرسومة خصيصًا للمناسبة التاريخية العظمى؛ افتتاح قناة السويس للمرة الأولى عقب الانتهاء من أعمال الحفر في 1869.
الكتاب هو «افتتاح قناة السويس ـ رحلة الملوك» وهو كتاب تذكاري فخيم، يمثل أحد أهم الكتب الموضوعة في تراث قناة السويس، ويبرز مظاهر الاحتفال الأسطورية المبهرة التي خلبت ألباب ملوك وأمراء أوروبا والعالم، تخليدا لنجاح مصر في وصل الشرق بالغرب، كما يبرز هذا الكتاب "التوثيقي" النادر الصعوبات والتحديات التي واجهت منفذي المشروع، وتم التغلب عليها بفضل كفاح ومثابرة وصبر العمال المصريين، وتضحياتهم الجليلة.
(2)
لقد كانت قناة السويس حلمًا منذ كانت فكرة جنينا تخلقت في رأس أحد ضباط الحملة الفرنسية، (أثبتت المصادر التاريخية أن الفكرة راودت الكثيرين على مر العصور منذ تاريخ الأسرات في مصر القديمة) وصولا إلى المغامر الفرنسي "فردينان ديليسبس" الذي نقل الفكرة من عالم الخيال إلى أرض الواقع، وصولا إلى تاريخ قاس عنيف من السخرة والدم والاحتلال، إلى أن تم تأميم القناة على يد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. رحلة طويلة تستحق عناء البحث والقراءة والتأمل..
تفيدنا المصادر التاريخية بأن نشأة المدن الثلاث المعروفة بمدن القناة في مصر وهي؛ بورسعيد، السويس، الإسماعيلية، ارتبطت بتأسيس وحفر قناة السويس، التي شهدت في حينها صراعات عنيفة ومواجهات بين إمبراطوريات العالم الكبرى آنذاك.
برزت قيمة موقع مصر الجغرافي كنقطة التقاء وعبور للطرق البحرية التي تصل أوروبا بالشرق الأوسط والأدنى، فظهرت فكرة شق قناة تصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر.
وفي القرن التاسع عشر تصارعت الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية على مناطق الاستحواذ والنفوذ، كانت فرنسا أول بلد أوروبي كبير يلفت الأنظار إلى مصر وموقعها الفريد، فخاض بونابرت المغامرة وجاء بحملته الشهيرة "الحملة الفرنسية" (1898-1801) ليؤسس مستعمرة فرنسية في قلب العالم.
عسكريا فشلت الحملة وغادر بونابرت، لكن بقي منها ما تركته من آثار علمية ودراسات مهمة عن مصر، برزت منها دراسة المهندس الفرنسي "لوبير"، حول إمكانية شق برزخ السويس؛ حفر قناة تربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، الأمر الذي سيختصر الطريق إلى الهند إلى النصف.
واحتفظت فرنسا باهتماماتها الكبيرة بشق مجرى ملاحي يربط بين البحرين الأبيض والأحمر، وانصبت على الدراسات العلمية والنظرية عن طريق اللجان العلمية، وتحمس بعض رجالها وعلى رأسهم القنصل الفرنسي السابق بمصر "فرديناند ديليسبس" الذي استطاع بعد جهود والتفافات إقناع والي مصر -آنذاك- محمد سعيد باشا بالموافقة على حفر القناة.
(3)
كانت مناسبة الافتتاح الرسمي للقناة في فترة حكم خديوي مصر إسماعيل (حفيد محمد علي باشا) أشبه باحتفالات القرون الوسطى، وليالي ألف ليلة، بما شهدته من مظاهر احتفال أسطورية وبذخ رهيب؛ وأنفقت من أجله ملايين الجنيهات بل مثلت في جانب منها عبئا اقتصاديا فتح الباب فيما بعد لاحتلال مصر عام 1882.
لكن كتاب «قناة السويس ـ رحلة الملوك» الذي حفظ لنا هذه الثروة الفنية المهولة، ووثقها لم يكن معنيا بحال بالجانب السياسي أو الاقتصادي لأحداث حفر قناة السويس، بل كان معنيا في الأساس بتوثيق هذا الحدث التاريخي الفريد من نوعه؛ كان افتتاح قناة السويس للملاحة في 17 نوفمبر 1869، حدثا عالميا بكل المقاييس، وأراد الخديوي إسماعيل حفيد محمد علي باشا الكبير أن يظهر بأقصى مظاهر العظمة والأبهة والفخامة أمام ملوك وأمراء وسفراء أوروبا، فاستدعى ممثلي الصحافة العالمية، ورجالات العلوم والصناعة والفنون والتجارة، ليشاهدوا بأعينهم ما لم يروه في حياتهم من قبل، ويشهدوا احتفالاتٍ أسطورية بافتتاح القناة لم يسبق لها نظير في العالم من قبل.
جاء حفل افتتاح القناة، كما خطط ورسم إسماعيل وأكثر، جاء تتويجا لنجاح هذا العمل الخارق والمعجز، مما دفع الإمبراطورة "أوجيني" أن تكتب إلى زوجها الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، فور وصولها إلى مصر، معبرة عن دهشتها، كتبت تقول: "وصلت إلى بورسعيد بسلام، استقبال باهر لم أشهد مثيلا له قط طوال حياتي"!
أراد الخديوي إسماعيل أن يجعل من احتفالات افتتاح قناة السويس للملاحة حدثا خالدا لا ينسى، فكلّف الرسّام المشهور "إدوارد ريو" بإعداد كتابٍ فخم يهديه للملوك وعظماء المدعوين الذين حضروا الاحتفالات.
الكتاب يتكون -في الحقيقة- من مجلدين معا، كان الغرض منه تخليد ذكرى احتفالات قناة السويس، ويتضمن الكتاب أربعين لوحة رسمها بالألوان المائية الفنان الفرنسي "إدوارد ريو" تذكر الرؤوس المتوجة بحفلات بهرتهم روعتها ودقة تنظيمها. لقد أراد حاكم مصر المستنير بهذا الكتاب توثيق حدث فريد ليحتل مكانة مرموقة في سجل ذاكرة العالم بأسره.
(4)
ساهم في صياغة "الإهداء" كل من الكاتب جوستاف نيقول، والمؤرخ ماريوس فونتان، ومن يطالع الكتاب سيجد تآلف الأسلوب مع ألوان اللوحات المائية لريو ويبرز سرد الأحداث والإنجازات التي تحققت على أرض مصر بفضل نضال وكفاح ومثابرة العمال المصريين من جانب، وما عرفته أشغال الحفر من تطور وابتكار آلات وماكينات حديثة للتغلب على الصعاب في الصحراء الجرداء.
تصور لوحات "إدوارد ريو" أيام الاحتفال الخمسة، ورحلة عبور القناة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر، من بورسعيد إلى السويس، وتوضح كيف ولدت المدن في الصحراء القاحلة، وكيف قامت الورش وتوضح أيضا نشاط السكان المحليين والمثابرة لإنهاء العمل.
صدر الكتاب باللغة الفرنسية في طبعة فاخرة من القطع الكبير جدا (مقاس 39*55.5) سم، واشتمل على نصوص شديدة الندرة لم ترد في غيره من الكتب التي أرخت لقناة السويس.
من تلك النصوص النادرة التي أوردها كتاب «رحلة الملوك» في أصله الفرنسي، ما قاله الرائد التنويري العظيم رفاعة الطهطاوي، معبرا عن معاناة شق قناة السويس كضرورة لخدمة ورفاهية البشر ما معناه: «يا مصر لك المجد والعزة فسوف نعيد فتح قناة عمر بن الخطاب العتيقة، فقد كان لأجدادنا في ما مضى شرف تنفيذ هذا العمل الخارق. إن شق الخليج لواجبٌ مقدس. تتقلب الأرض وتزمجر ما بقي الخليج موجودا. افتحوا فيه طريقا إن شق بطن الخليج لمؤلم، ولكن بعد ذلك ستزول آلامنا إلى الأبد».
نص آخر جاء فيه (منسوب لرفاعة الطهطاوي أيضا): «نعم. ها هو خليج السويس العتيق، فضاء من الحصباء، وصحراء مكفهرة ومقفرة، سوف يخضعه البحر لسلطانه، ويطيل سواحلنا. إن عشق هذا البحر للبحر الآخر، هو كعشق اللآلئ لصدور الحسناوات، هنالك ستذهب سفننا تتنزه نوهة الخُطّاب، ويهوي إليها من نحبهم من البشر».
يقول المترجم عباس أبو غزالة إن عمله في هذا الكتاب «رحلة الملوك» يأتي في إطار عمل موسوعي عن ثقافة وتراث قناة السويس، بدأها بترجمة أطروحة الباحثة الفرنسية نتالي مونتل، وعنوانها «حفر قناة السويس.. دراسة في تاريخ ممارسة التقنية»، ثم ترجم كتاب «دليل رحلة ضيوف الخديوي إسماعيل لزيارة آثار مصر» بمناسبة افتتاح قناة السويس 1869، وأخيرا استكمل جهد ترجمة الكتابين السابقين بترجمة كتاب «رحلة الملوك» الفخيم جليل القدر والمادة والرسوم والألوان..