في رواية "أشواك حديقة تورينغ" للكاتبة اللبنانية رنا حايك ثمة أسئلة ومخاوف حول طبيعة الذكاء الاصطناعي في سلب الإنسان حريته، حيث صار تابعًا يقبع كالعبد خلف الشاشات، وبذلك لم يعد الأخ الأكبر شيطانًا مرعبًا يحمل سوطًا، بل أصبح قوة ناعمة مقبولة.

**media[3439756]**


وبرغم أنها الرواية الأولى لرنا إلا أنها عمل يحمل فلسفة عميقة عن الوجود والوعي والهشاشة الإنسانية، كما أنها تكشف عن قدرة كبيرة على استبطان نفوس البشر المعقدة في علاقاتها بالآلة، خاصة ما يتعلق ببطلتيها يارا وعلياء في صراعهما مع "الأخ الأكبر".
رنا حايك تعمل بالصحافة الثقافية والنشر، وهي كذلك مترجمة نقلت إلى العربية ثلاثة إصدارات، "مجهولات" لباتريك موديانو، "الخريطة والأرض" لميشيل هولبيك و"الأميرة وبنت الريح" لستايسي غريغ.

**media[3439758]**


في هذا الحوار نتعرف على رؤيتها للعلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي وكيف صاغتها في الرواية، كما نتعرف على العلاقة بين الناشرة والمترجمة والكاتبة داخلها.
-كيف جاءتك فكرة روايتك الأولى "أشواك حديقة تورينغ؟" هل كان موضوع الذكاء الاصطناعي يلحّ عليك؟
الفكرة لم تكن مستحدثة بالنسبة لي ولم يخلقها إلحاح الذكاء الاصطناعي عليَّ، بل العكس تمامًا هو الصحيح. القلق الوجودي نزعة متأصلة لديَّ. أسئلتي حول الشرط الإنساني وفلسفة الوجود، وتأملاتي اللانهائية في سلوك البشر هي جزء من تكويني، إنه جزء مزعج بالمناسبة ومؤرق جدًا لي، أحاول ترويضه باستمرار. بهذا المعنى، أنا أشكِّل أرضية خصبة لكل ما أنتجته وتنتجه الطفرة التكنولوجية الهائلة من تأثيرات تمعن في تبديل السلوك البشري في السنوات الأخيرة. الذكاء الاصطناعي، وقبله "سيري SIRI"، وبعده الزواج من روبوتات أمورٌ جاءت لتغذي القلق الوجودي الذي أعاني منه، وتلك الأسئلة الملغزة التي لا أجوبة لها حول الشرط الإنساني.
- يارا وعلياء هل هما وجهان لامرأة واحدة، مع أنهما تمثلان الصراع بين العاطفة المفرطة والقمع القاسي؟
كما اليينغ واليانغ في الفلسفة الصينية، العقل والجسد لدى ديكارت، والطرح ونقيضه حتى التفاعل والاختلاط لدى هيغل، ليس من فكرة خالصة أو من جسد نقي تمامًا. الثنائيات تحكم البشر ومظاهر حياتهم من كينونتهم ودواخلهم إلى مشاعرهم المتداخلة حتى المنظومات الأخلاقية التي يخترعونها. في كل أسود بعض البياض وفي كل أبيض بعض السواد، هذا إن لم نقف بالأساس عند نظرية كاليا في الفيزياء التي تفيد بأن اللون بحد ذاته ليس شيئًا موجودًا في الخارج، بل هو نتيجة تفسير الدماغ لطول موجي من الضوء. بهذا المعنى، كلٌّ منا يمثل عالمًا لامتناهيًا من التناقضات والتماهيات، وفي كلٍّ منا قبس من الآخَر، من هنا تأتي هشاشة البشر، ومن هنا ينبع اللايقين وهنا يعشِّش الشك في كل شيء وأيِّ شيء. ومن هنا أيضًا ينبع سؤال الرواية الأساسي، مَن نحن؟ وهل نعرف أنفسنا فعلًا حتى ندَّعي معرفة الآخَر؟
-مَن هو "الأخ الأكبر" في عالمكِ الروائي؟ وما الفارق بينه في روايتك وفي رواية جورج أورويل؟
ليس هناك فارق، هناك مفارقة، وهي محزنة. أخ جورج أورويل الأكبر جسَّد عين الأنظمة الشمولية التي تخوَّف منها الكاتب بعد الحرب العالمية الثانية. الأخ الذي كتب عنه كان رمزًا، ديكتاتورًا مصادره محدودة في مراقبة البشر والسيطرة عليهم، ولغته القمع. اليوم، وبعد مرور 40 عامًا تقريبًا على صدور الرواية، لم يعد الأخ الأكبر شيطانًا مرعبًا يحمل سوطًا، بل أصبح قوة ناعمة مقبولة لا بل مستحبة في الحياة العصرية، وهنا تكمن المأساة. في اقتصاد الشركات، تم تقنيعه بستار "المهنية" و"الإنتاجية"، في اقتصاد الترفيه، تسلَّل من خلال النموذج الذي تسوّق له الشركات الكبرى، من شكل الجسد إلى الأزياء وحتى المستلزمات التي في معظمها غير لازمة. هذه أمثلة غير حصرية.. لقد أصبح البشر مستَلبون طوعًا، وفي ذروة تغنيهم بالحرية، هم بعيدون جدًا عن فكرة أنهم أحرار. شاشاتهم تراقبهم. يتطوَّعون بنقل تفاصيل حياتهم على السوشيال ميديا، تلك الكاميرا الأكبر، يقبلون بتعسف أصحاب العمل والسلطة الأبوية المتمثلة بالصوابية السياسية وغيرها وغيرها. الأخ الأكبر في رواية أشواك حديقة تورينغ هو كل ذلك.
- هل السؤال الأساسي في روايتك هو سؤال سلطة الآلة التي تراقب حتى لاوعي الأفراد؟
ثمة أكثر من سؤال في الرواية وعلى عدة متسويات. هذا هو أحدها. اغتراب العمل أحدها أيضًا. الاستلاب الطوعي للتقليعة أحدها أيضًا. الانضباط ضمن حدود الصوابية السياسية أحدها أيضًا.
وهناك أيضًا هشاشة الإنسان الذي، بتماديه في تحقيق هذه الطفرة التكنولوجية، لم يدرك كم أنه يخلق بيديه فرانكنشتاين، وكم أن هذا الذكاء الاصطناعي الذي يغذيه بتجربته الإنسانية والعلمية قد ينتهي به الأمر بأن يتفوق عليه، لا لشيء، سوى لأنه لا يمتلك روحًا هي كل ما يمتلك الإنسان ويتسبب بهشاشته الجميلة الساحرة.
- "العين ترى، لكن المزاج يلون".. كيف وظَّفتِ الحقائق العلمية لخدمة النص الأدبي؟ وما نوعية التحضير الذي احتجتِه قبل كتابة الرواية؟
هذا العمل، بقدر ما يبدو بسيطًا، تطلّب جهدًا بحثيًا علميًا بالفعل. والفصل الذي يحوي هذه الجملة تحديدًا كان بحاجة إلى بحث. انطلاقًا من رؤية الرواية بأننا عاجزون عن معرفة أنفسنا تمامًا، فكيف لنا أن نعرف الآخر، بحثت علميًا عن كيف يعمل البصر. وما كان من هذا البحث إلا أن أثبت ودعم الطرح. وهذا لم يكن مخطَّطًا له. خلال الكتابة، تحدث عملية متكاملة جميلة بانسيابيتها، كأنها تأخذ بيد الكاتب وتقوده من دون أن يكون قد خطط مسبقًا لخطواته.
- ما دلالة اسم الرواية "أشواك حديقة تورينغ"؟ وهل هي إشارة لاختبار "تورينغ" الذي يفصل بين ذكاء الآلة ووعي البشر؟
تمامًا. تورينغ هو أول من زرع بذرة الذكاء الاصطناعي عندما نشر في العام 1950 مقالته الشهيرة "هل يمكن للآلة أن تفكر؟". هو عالم الرياضيات والمتخصص في علوم الحاسوب الذي وضع أسس الذكاء الاصطناعي الذي بُنيَ ويُبنى عليها اليوم. اكتشافات تورينغ حديقة علمية غنَّاء، لكنها ككل حديقة وككل وردة، لا بد لها من أشواك أيضًا. الرواية تتحدث عن الأشواك، تلك المخاطر التي ترافق مزايا الذكاء الاصطناعي.
- ترجمت ثلاثة أعمال هي "مجهولات" لباتريك موديانو، "الخريطة والأرض" لميشيل هولبيك و"الأميرة وبنت الريح" لستايسي غريغ.. كيف تختارين الأعمال التي تترجمينها؟ هل تتحكم فيها ذائقتك أم يمكن أن تقبلي بتكليف من دار نشر؟ وما شروط قبولك؟
للأمانة، حتى اليوم، كانت الصدف، أو خيارات الدور التي ترجمت لها، هي ما حدد العناوين التي عملت عليها. لم يتسنَّ لي يومًا أن أتفرغ للترجمة فقط. كان شغفًا أمارسه بجانب وظائف ومهنة أخرى أشغلها. ولذلك لم أختر بل كانت تُعرَض الأعمال عليّ فأقبلها لأنني أحببتها أو لأنها تشكّل تحديًا لصعوبتها، أو لأسباب أخرى.
- ما التأثيرات السلبية للترجمة عليك ككاتبة؟ أم أنك في اللحظة التي بدأت كتابة الرواية تخلصتِ تمامًا من شخصية المترجمة؟
لا يمكن أن يكون للترجمة تأثير سلبي على الكاتب. بل العكس تمامًا. الترجمة، كما الكتابة، إبحارٌ في عالم اللغة والتعابير، الفرق فقط أن في الكتابة حرية بينما للترجمة قيود تتعلق بنقل النص وروحه بدقة وإخلاص. حياتي متسقة على المستوى الأدبي، كل ما مارسته يومًا من مهن صبَّ في خانة اللغة والكتابة، من ترجمة إلى صحافة ثقافية وكتابة أدبية وتحرير كتب وروايات. وكل هذه رفدت لغتي وأسلوبي ولم أشعر يومًا بأي تضارب بينها.
- تعملين أيضًا في مجال النشر. هل هذا يمنحك ميزة فهم الكتابة الأقرب إلى الناس أم أن المسألة ليست بهذه البساطة؟
عملي في مهنة النشر لم يسهِّل الموضوع بل صعبه للحقيقة. ذلك أنني أدرك ما هو مرغوب من القراء، رغم أنَّ هؤلاء لا يمكن اختزالهم في شريحة واحدة طبعًا، وما يجب أن تكون عليه الكتابة. كما أنني أيضًا أعي مسؤولية النشر، فقد قرأت مئات المخطوطات على مرِّ السنين بحكم مهنتي، ناهيك عن قراءاتي الخاصة، ما جعلني أتردد أمام فكرة نشر روايتي الخاصة.
- هل ترين أن روايتك الأولى قد تأخرت؟ وهل بدأت كتابة عمل جديد؟
روايتي الأولى تأخرت كثيرًا بالطبع. كانت لديَّ محاولات كثيرة على مر السنوات في الشعر وكتابة النصوص والقصص القصيرة لكني لم أرضَ عنها. ليس من السهل أن يرضى الكاتب المسؤول عن كتابته. حتى أشواك حديقة تورينغ، أضعها بين يديِّ النقاد والقراء ليحكموا هم.
لم أبدأ بعد. لدي فكرة لكنَّ الحرب باغتتنا للحقيقة ومن الصعب الكتابة في أجواء مشحونة بهذا الشكل على المستويين الأمني والنفسي. أتمنى أن أتمكن من الشروع قريبًا في الكتابة.