تشكل القيادة الاستراتيجية أحد المرتكزات الرئيسة لتطوير أداء مؤسسات التعليم العالي وتعزيز جودة مخرجاتها، في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها القطاع.

**media[3439716]**


وأكدت الباحثة الدكتورة نوال بنت أحمد الهوتي أن القيادة الاستراتيجية تمثل قدرة القيادات الجامعية على صياغة رؤية مستقبلية واضحة، وتوجيه الموارد بكفاءة، وإدارة التغيير، وبناء ثقافة مؤسسية قائمة على الجودة والتحسين المستمر، بما يعزز قدرة الجامعات على التكيف مع المتغيرات وتحقيق التميز والاستدامة.
وأوضحت أن الإدارة التقليدية تركز على تسيير الأعمال اليومية وتنفيذ اللوائح ومعالجة المشكلات الإجرائية، بينما تنطلق القيادة الاستراتيجية من رؤية بعيدة المدى تسعى إلى استشراف المستقبل وضمان الاستدامة والجودة والقدرة على المنافسة. وأضافت أن أهمية هذا النهج تتزايد مع التحولات المعرفية والتكنولوجية والاقتصادية، وتغير متطلبات سوق العمل، والتنافس المتنامي في التصنيفات العالمية والاعتماد الأكاديمي.
وأشارت إلى أن متطلبات القيادة الاستراتيجية تختلف في طبيعة تطبيقها بين الجامعات الحكومية والخاصة، لكنها تتفق في جوهرها؛ فالجامعات الحكومية تحتاج إلى قيادة تحقق التوازن بين السياسات الوطنية، والمساءلة العامة، وخدمة المجتمع، بينما تحتاج الجامعات الخاصة إلى قيادة تجمع بين الجودة الأكاديمية والاستدامة المالية والقدرة التنافسية. ومع ذلك، تبقى متطلبات الاعتماد الأكاديمي متقاربة في جميع المؤسسات، وتشمل وضوح الرؤية، وجودة البرامج، والحوكمة، ومشاركة أصحاب العلاقة، وقياس المخرجات، والتحسين المستمر.
وأكدت أن القيادة الاستراتيجية تؤدي دورًا محوريًا في الحصول على الاعتماد الأكاديمي والمحافظة عليه من خلال تحويله من مجرد ملف إداري إلى مشروع مؤسسي متكامل، عبر إدراجه ضمن الخطة الاستراتيجية، وتوزيع المسؤوليات، وتطوير السياسات والهياكل التنظيمية، وتنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس، ومتابعة مؤشرات الأداء، وترسيخ ثقافة الجودة. لكنها شددت في الوقت ذاته على أن الاعتماد لا يتحقق بالقيادة وحدها، بل يتطلب أيضًا التمويل، والكفاءات البشرية، والبنية الأساسية، ووضوح المعايير، ومشاركة أعضاء هيئة التدريس، ووجود نظام داخلي فاعل لضمان الجودة، فيما يبقى دور القيادة هو تنسيق هذه العناصر وتحويلها إلى أداء مؤسسي متكامل.
وحذرت من أن أبرز أسباب تعثر بعض مؤسسات التعليم العالي تتمثل في التعامل مع الاعتماد باعتباره مجموعة من الوثائق والتقارير، وضعف إشراك أعضاء هيئة التدريس والطلبة، وغياب خطة واضحة لما بعد الاعتماد، وضعف الرقابة والتحفيز، وعدم ترسيخ ثقافة الجودة. وأوضحت أن المؤسسة قد تحصل على الاعتماد شكليًا، لكنها لن تتمكن من المحافظة عليه أو تحويله إلى تطوير حقيقي ما لم تصبح الجودة ممارسة يومية، مؤكدة أن الحصول على الاعتماد يمثل بداية رحلة التطوير وليس نهايتها.
وأضافت أن استدامة الجودة بعد الاعتماد تتطلب مراجعة البرامج الأكاديمية بصورة دورية، وتحديث المقررات، وقياس مخرجات التعلم، والاستفادة من آراء الطلبة والخريجين وأرباب العمل، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، وتفعيل وحدات ضمان الجودة، مع وضع خارطة طريق واضحة لما بعد الاعتماد تتضمن مؤشرات أداء قابلة للقياس، ونظام متابعة دوري، وحوافز للفرق العاملة في الجودة.
وأوضحت أن أسلوب القيادة ينعكس بصورة مباشرة على تصنيف الجامعة وسمعتها؛ لأن التميز المؤسسي يرتبط بجودة التعليم، والبحث العلمي، والشراكات، ورضا الطلبة، ونسب توظيف الخريجين، وهي جميعها تحتاج إلى قيادة تعمل وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال.

**media[3439717]**


وأكدت أن أعضاء هيئة التدريس يمثلون الركيزة الأساسية لأي تحول مؤسسي؛ إذ لا يمكن تنفيذ الخطط الاستراتيجية أو تحقيق متطلبات الاعتماد دون مشاركتهم الفاعلة،كونهم المسؤولين عن تنفيذ المناهج، وقياس مخرجات التعلم، وتطوير البحث العلمي، والتفاعل المباشر مع الطلبة. كما يعد الطلبة شركاء أساسيين في تحسين الجودة من خلال تقييمهم لجودة التدريس، والمقررات، والإرشاد الأكاديمي، والخدمات والبيئة الجامعية، مشيرة إلى أن وجود تخطيط استراتيجي داخل الجامعة ينعكس على انتظام الإجراءات، وجودة الخدمات، وتوافر الدعم الأكاديمي، واستخدام التقنيات الحديثة، وإتاحة فرص التدريب، وتحسن التجربة التعليمية بصورة مستمرة.
وأشارت إلى أن أثر القيادة الاستراتيجية يمكن قياسه من خلال مؤشرات واضحة تشمل نسب توظيف الخريجين، ورضا أرباب العمل، وجودة مخرجات التعلم، والاعتماد البرامجي، والبحث العلمي، والشراكات مع سوق العمل، ومدى تحديث البرامج الأكاديمية بما يواكب المهارات المطلوبة. كما أوضحت أن اختلاف جودة التجربة التعليمية بين الجامعات لا يعود إلى المناهج وحدها، وإنما إلى القيادة، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، والبيئة التعليمية، وأساليب التقويم، والدعم الطلابي، والموارد، والثقافة المؤسسية، مؤكدة أن التركيز ينبغي أن يكون على بناء ثقافة التحسين المستمر، وليس مجرد تحقيق نتائج مؤقتة كالحصول على الاعتماد أو تحسين التصنيف.
وتطرقت إلى أهمية التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، مؤكدة أنهما يمثلان تحولًا مؤسسيًا يتطلب تطوير البنية الرقمية، وتأهيل الأكاديميين، وتحديث المناهج، وإدماج مهارات الذكاء الاصطناعي، ووضع ضوابط أخلاقية لاستخدام التقنية في التعليم والبحث العلمي. كما أكدت أن القيادة الاستراتيجية تعزز البحث العلمي والابتكار من خلال توفير البيئة المحفزة، ودعم التمويل، وتشجيع الشراكات، وتقليل البيروقراطية، وربط البحث العلمي بأولويات المجتمع، بما يجعل البحث جزءًا من هوية الجامعة ورسالتها.
ولفتت إلى أن مؤسسات التعليم العالي في سلطنة عُمان تواجه تحديات تتمثل في حداثة التجربة نسبيًا، وتعدد المؤسسات، والحاجة إلى ترسيخ ثقافة الجودة، ومحدودية الدراسات المتعلقة بمرحلة ما بعد الاعتماد، وتفاوت الممارسات بين الكليات، والحاجة إلى قيادات تمتلك مهارات التخطيط الاستراتيجي وإدارة التغيير. وأكدت أهمية الاستفادة من التجارب الدولية التي تجعل الاعتماد جزءًا من نظام داخلي مستدام للجودة، يرتبط بمخرجات التعلم، وتوظيف الخريجين، والبحث العلمي، والتقويم الدوري، ومشاركة أصحاب العلاقة.
وفي ختام حديثها، شددت الدكتورة نوال الهوتي على ضرورة انتقال الإدارة الجامعية من ثقافة الامتثال للمعايير إلى ثقافة قياس الأثر، بحيث يصبح الاهتمام منصبًا على تأثير السياسات والممارسات في الطالب، والبرامج الأكاديمية، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، وسوق العمل. ودعت إلى إعداد قيادات أكاديمية تمتلك مهارات التخطيط الاستراتيجي وإدارة التغيير، وتحويل الجودة إلى ممارسة مؤسسية يشارك فيها جميع الأطراف، مع إنشاء نظام متكامل لمتابعة مرحلة ما بعد الاعتماد يقوم على مؤشرات أداء واضحة، وتقارير دورية، وخطط تحسين مستمرة تضمن استدامة الجودة والتطوير.

**media[3439715]**