توزع مطلع الأسبوع الجاري عشرات الضباط والمسؤولين المدنيين على خلايا عمل داخل كلية الدفاع الوطني وأمامهم سيناريوهات لأزمات لم تقع، لكنها تستند إلى احتمالات واقعية. لم يكن أحد منهم يعرف كيف يمكن أن تتطور الأحداث في الساعات والأيام القادمة لكن كان على الجميع إعداد خطط استجابة لتلك الأزمات التي يفترضها التمرين على المستوى الوطني والإقليمي وعلى هؤلاء أن يقرأوا الأحداث في سياق يتجاوز المنظور المحلي والإقليمي إلى منظور شامل يراعي جميع التحولات. هذه البيئة الافتراضية التي تحاكي الواقع هي تمرين «صنع القرار» الذي بلغ دورته الثالثة عشرة هذا العام، ويأتي كل مرة ليضع خريجي دورة الدفاع الوطني أمام سؤال ماذا لو حدث هذا فعلا؟ 

يقوم تمرين «صنع القرار» الذي يأتي ختاما لدورة الدفاع الوطني التي تنظمها سنويا كلية الدفاع الوطني على فكرة بسيطة في ظاهرها شديدة التعقيد في تطبيقها، فالمشاركون الذين أمضوا أشهرا في محاضرات ونقاشات وأوراق بحثية حول التخطيط الاستراتيجي وعناصر قوة الدولة يجدون أنفسهم فجأة داخل غرفة عمليات افتراضية تتوالى عليهم فيها أحداث مفترضة تحاكي أزمات حقيقية وعليهم أن يضعوا افتراضات وآلية عمل توضح كلفة كل افتراض ويقترحوا بدائل عمل في حالة فشل الافتراض الأول. وتكشف هذه العملية التي تتم في بيئة قريبة جدا من البيئة الحقيقية بكل مؤثراتها السياسية والإعلامية والاجتماعية الفرق بين من يعرف نظرية صنع القرار ومن يستطيع أن يصنعه فعلا حين تضيق الخيارات وتصل الأمور إلى ذروتها ويكون لكل دقيقة عمل ثمنها الذي يعادل سلامة الدولة وسلامة مواردها ودقة خياراتها السياسية. 

وهذا بالضبط ما تسعى كلية الدفاع الوطني بأكاديمية الدراسات الاستراتيجية والدفاعية، إلى ترسيخه في من يمر بها من ضباط ومسؤولين مدنيين؛ فالكلية تشتغل على بناء عقول ترى الدولة كتلة واحدة مترابطة لا قطاعات منفصلة يعمل كل منها بمعزل عن الآخر. وترى في أحداث العالم والإقليم سلسلة تترابط فيما بينها ويؤثر كل حدث فيها على الحدث الآخر أو يحفزه على الحركة والتفاعل، وتفترض الكلية أن من يتخرج فيها يصبح قادرا على قراءة أزمة اقتصادية بعين أمنية، وقراءة الأزمة الأمنية بعين اقتصادية ويدرك أن قرارا في وزارة لا يمكن اتخاذه دون فهم أثره في وزارة أخرى لم يكن أحد يظن أنها معنية. 

وهذا التصور هو ما يفسر لماذا يجمع برنامج الدورة ضباطا من القوات المسلحة إلى جانب مسؤولين من الأجهزة الأمنية والمدنية، فالقرار الاستراتيجي كما تُظهره تجربة الأزمات في كل مكان، نادرا ما يصدر عن جهة واحدة تعمل بمعزل عن سواها، هو نتاج تنسيق بين مؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية واقتصادية وإعلامية، ولا يكتمل إلا حين تتحدث هذه المؤسسات لغة واحدة. وهنا تظهر أهمية برنامج الكلية في قدرته على صناعة أرضية فهم مشتركة بحيث لا يحتاج العسكري في لحظة الأزمة إلى أن يشرح لزميله المدني ما تعنيه مصطلحات لم يسمع بها من قبل ولا العكس. 

إن الدرس الأعمق الذي يحمله تمرين «صنع القرار» هو أن قوة الدول الناجحة تتمثل في قدرتها على تنظيم مواردها وأدواتها وتوجيهها في اللحظة الحرجة التي يصبح فيها لكل تأخير كلفته السياسية والأمنية والاقتصادية. 

إن ما تفعله كلية الدفاع الوطني أقرب إلى استثمار طويل الأمد في نوعية التفكير الذي سيحكم الدولة عند لحظة الاختبارات الحقيقية، فما يبقى في المنتسبين للدورة بعد نهاية تمرين «صنع القرار» هو ذلك النمط من التفكير المتوازن الذي يزن الخيارات بميزان المصلحة الوطنية العليا ويحمله كل مشارك معه إلى موقعه.