ترجمة: قاسم مكي 

عندما تحتفل الولايات المتحدة بالذكرى المائتين وخمسين للاستقلال هذا الشهر سينضم أصدقاؤها وحلفاؤها الى الاحتفالات. (استقلت أمريكا عن بريطانيا في 4 يوليو 1776- المترجم). لكن خلف الكواليس تسعى بشدَّة العديد من هذه البلدان الصديقة والحليفة لتعزيز استقلالها عن أمريكا. 

اكتشف الشركاء التقليديون لواشنطن أن الروابط التي طال عهدها بالولايات المتحدة لا «تشتري» لهم الحصانة من سوء المعاملة وتكتيكات الضغط التي تمارسها إدارة ترامب. وتحدثت جورجي ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا نيابة عن العديدين عندما شكت من أن رئيس الولايات المتحدة كثيرا ما يعامل الحلفاء الديمقراطيين بطريقة أسوأ من تلك التي يعامل بها المنافسين السلطويين. 

الروابط الوثيقة بأمريكا، والتي كانت تعتبر مصدر قوة في وقت ما، تبدو في هذه الأجواء الجديدة أشبه بمَكْمَن ضَعْفٍ مُحتمل. 

جاءت دعوة الاستيقاظ الأعلى صوتا والانتباه لذلك في العام الماضي عندما فرض دونالد ترامب رسوما قاسية على الصديق والعدو معا. كما أطلقت إدارته أجراس إنذار جديدة في يونيو بقراره بفرض قيود على إمكانية استخدام كل الرعايا الأجانب لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة «ميثوس 5» و«فيبل 5» من شركة أنثروبيك 

قد تعدّل إدارة ترامب سياستها. لكن الفكرة وصلت كما يبدو. وبدا أن لحظة «ميثوس» هي تعزيز لما أكده في بداية هذا العام آرثر مينش - الرئيس التنفيذي لشركة الذكاء الاصطناعي الفرنسية الناشئة والأكثر تألقا في أوروبا «ميسترال» - بأن أكبر خطر يواجه أوروبا مع تزايد الأهمية البالغة للذكاء الاصطناعي لاقتصاد العالم هو «تشغيل كامل اقتصادنا بتقنية يمكن إغلاق مفتاحها (حرمان الآخرين من استخدامها) إذا قررت الولايات المتحدة ذلك». يتزايد حديث الحكومات الأوروبية التي يخيفها هذا الاحتمال حول الحاجة إلى «سيادة» خاصة بالذكاء الاصطناعي؛ بمعنى تقليل اعتمادها على الشركات والنماذج الأمريكية. 

وشركة ميسترال نفسها في وضع يتيح لها الاستفادة من ذلك. 

القلق بشأن مفاتيح الإغلاق الأمريكية (التي أشار إليها مينش) لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي؛ فتهديدات ترامب بضم جزيرة جرينلاند في وقت مبكر من هذا العام نبَّه الأوروبيين إلى اعتمادهم على الأسلحة الأمريكية. وتشعر الآن الشركات الدفاعية الأمريكية الكبيرة (الخمس الكبرى المورّدة للحكومات) أنها ستبدأ في خسارة مبيعات نتيجة لذلك. 

تمتد هذه القضايا إلى ما وراء أوروبا؛ ففرض الرسوم على الهند وتودُّد ترامب إلى باكستان كان لهما صدى سيئ جدا في دلهي. لقد نشر مركز الأبحاث «أوبزيرفر ريسيرش فاونديشن» الذي كثيرا ما يعكس تفكير الحكومة ورقة تجادل بأن «عامل ترامب» أثَّر بشدة على قرار الهند بشراء مقاتلات من فرنسا. 

وربما الدولة التي فكرت بطريقة منهجية في كيفية تقليل اعتمادها على كل من الولايات المتحدة والصين هي كندا والتي أشار ترامب مرارا إلى أنها يجب أن تكون الولاية الأمريكية رقم 51. 

في دراسات خاصة حددت الحكومة الكندية تسعة مجالات اقتصادية حيوية لسيادتها من بينها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والمدفوعات والتسوية. من المفهوم التطلع إلى تجنب الاعتماد على كل من أمريكا والصين في هذه المجالات. لكن هل هذا ممكن؟ 

مثلا، تشكل تجارة كندا مع جارتها الجنوبية العملاقة 70% من إجمالي تجارتها الخارجية. وشركة ميسترال صغيرة جدا عند مقارنتها بمنافساتها الأمريكية في صناعة الذكاء الاصطناعي. 

العالم الغربي بأجمعه بما في ذلك الولايات المتحدة يدرك الآن في انزعاج اعتماده على المعادن الحيوية من الصين. أوضاع الاعتماد هذه عميقة ولا يمكن التخلص منها تماما. لكن ربما يمكن التخفيف منها. 

يعتبر البعض في آسيا اتفاقية التجارة الحرة المسماة «الاتفاقية التقدمية والشاملة للشراكة العابرة للمحيط الهادي» نموذجا وحجر بناء. فهي الآن تضم 12 بلدا بما في ذلك اليابان وكندا وشيلي وأستراليا وبريطانيا وسنغافورة. 

ابتدر الاتحاد الأوروبي الآن محادثات مع بلدان هذه الشراكة حول عقد اتفاقية بين الكتلتين يمكنها خفض الرسوم الجمركية بشكل شامل. ويدور نقاش جاد في دلهي حول انضمام الهند من عدمه. 

قد يكون هنالك بعض التأثير للاتفاقية التجارية بين القوى الوسطى والتي تضم الاتحاد الأوروبي والهند واليابان وبريطانيا (لكن تستبعد الصين والولايات المتحدة). مع ذلك، تأسيس سيادة اقتصادية منفصلة تماما عن الصين وأمريكا (وهما أكبر اقتصادين في العالم وقائدتاه في الذكاء الاصطناعي) فكرة بعيدة المنال.على أية حال هنالك طرق أخرى للتفكير بشأن مشاكل الاعتماد الزائد عن الحد على حُسن نوايا ترامب أو من يخلفونه في سدّة الرئاسة. 

الرد على التهديد بالإغلاق الأمريكي سواء «لمفاتيح» الذكاء الاصطناعي أو الأسلحة أو الطاقة ربما ليس بذل الجهد لتحقيق الاستقلال التام عن تقنية وموارد الولايات المتحدة. فأية سياسة مثل هذه ستكون باهظة التكلفة وغير فعالة وفي النهاية غير واقعية. 

الاستراتيجية البديلة هي التي بيَّنتها الصين عمليا؛ إنها إيجاد «مفاتيح إغلاقها» الخاصة بها. فقد ردت حكومة الرئيس شي على الرسوم الأمريكية شديدة الارتفاع بفرض قيود قاسية على تصدير المعادن الحيوية، وكان ذلك تكتيكا فعالا أجبر الولايات المتحدة على خفض الرسوم. 

على القوى العالمية الأخرى إيجاد أسلحتها الاقتصادية الخاصة بها من باب التحوط؛ فربما تحتاج إلى استخدامها. 

بالنسبة للهند يمكن أن يكون ذلك السلاح دورَها الحيوي كبلد منتج للأدوية المكافئة. أما كندا فقد يكون سلاحها البوتاس، وهو مكوِّن حيوي للأسمدة التي تعتمد عليها المزارع الأمريكية. وربما سيكون سلاح أوروبا الاقتصادي التقنياتِ الفريدة التي تقدمها شركة «أيه إس إم إل» الهولندية أو دورَ أوروبا في تصدير اليورانيوم والتوربينات. 

من المخجل أن تستعد ديمقراطيات العالم لخوض حرب اقتصادية محتملة فيما بينها. لكن ذلك هو العالم الذي أوجده ترامب. 

 جيديون راكمان كبير معلقي الشؤون الخارجية بصحيفة الفاينانشال تايمز.