ترجمة: أحمد شافعي 

في مقال تأسيسي عنوانه «مشكلة المفسدين في عمليات السلام» يكتب ستيفن ستيدمان أن «صنع السلام عمل محفوف بالمخاطر» وأن أكبر مصدر للخطر «يأتي من المفسدين - أي القادة والأطراف الذين يعتقدون أن السلام الناشئ عن المفاوضات يهدد سلطتهم ورؤيتهم للعالم ومصالحهم - فيستعملون العنف لتقويض مساعي التوصل إليه». 

وقد يكون المفسدون داخل عملية السلام أو خارجها؛ فمن يكونون بداخلها موقعين على الاتفاقية يعجزون عن الوفاء بالالتزامات الأساسية، ومن يكونون خارجها فهم إما مستبعدون منها وإما هم استبعدوا أنفسهم منها. وفي ما يتعلق بالتعامل مع المفسدين من المهم أن نحدد السبب الذي يجعل طرفا بعينه يرفض احترام اتفاقية السلام. 

يتسبب المفسدون في مشكلات لمذكرة التفاهم المعلنة بين إيران والولايات المتحدة في الرابع عشر من يونيو، بعد أسابيع من تنقل الوسطاء الباكستانيين بالمقترحات بين الطرفين. 

وقد وقع الرئيس دونالد ترامب رسميا على مذكرة التفاهم المؤلفة من أربع عشرة نقطة رسميا في السابع عشر من يونيو في فرساي بينما وقعها الرئيس مسعود بزشكيان في طهران في اليوم التالي. 

مفاوضات ما بعد المذكرة 

من أجل تطوير مذكرة التفاهم إلى اتفاقية سلام دائمة، تقرر عقد مفاوضات مباشرة في التاسع عشر من يونيو في بورجنستوك بسويسرا برعاية وسطاء باكستانيين وقطريين. 

ولأن القتال الكثيف في لبنان بين إسرائيل وحزب الله كان ينتهك الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم التي دعت إلى إنهاء العمليات العسكرية «بما فيها الجارية في لبنان»، أعلن الإيرانيون أنهم لن يحضروا وهددوا بإعادة إغلاق مضيق هرمز. كما قام نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس -الذي كان مقررا أن يرأس الوفد الأمريكي- بإلغاء رحلته إلى سويسرا. 

ومع ذلك، بعد أن أعلن تلفزيون الدولة الإيراني في العشرين من يونيو أن وفد إيران برئاسة رئيس البرلمان محمود باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي قد وصل إلى سويسرا، غادر فانس الولايات المتحدة لينضم إلى المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر اللذين سبقاه إلى السفر. 

بدأت المحادثات ـ التي أطلق عليها اسم قمة بحيرة لوتسيرن ـ في صباح الحادي والعشرين من يونيو بلقاءات منفصلة بين قادة الوفدين مع الوسطاء، أعقبتها محادثات رباعية بعد الظهر بين الطرفين والوسيطين. 

عرض فانس بيانا افتتاحيا قال فيه إنه «لم يحدث قط من قبل أن التقت القيادة الإيرانية والأمريكية على هذا المستوى الرفيع... وإن ما طلب الرئيس منا أن نفعله هو أن نفتح صفحة جديدة لتحويل العلاقة مع شعب إيران، ولمد يد مبسوطة تقول لشعب إيران إن قيادتكم إذا كانت عاقدة العزم على ألا تكون عاملا للاضطراب في المنطقة، وإذا كانت عاقدة العزم على التخلي عن مطامح الأسلحة النووية في المدى البعيد، فإن الولايات المتحدة عاقدة العزم على تغيير علاقتنا تغييرا جذريا». 

ثم لم يمض إلا ثمانون دقيقة حتى تلقى الإيرانيون خبرا بأن ترامب (وقد استاء في ما يبدو من التهديد بإغلاق مضيق هرمز) قد قال لفوكس نيوز في اتصال هاتفي إنه ما لم يبق مضيق هرمز مفتوحا، فإن أولئك الذين يفاوضون فانس «لن يرجعوا أبدا إلى بلدهم، بل لن يكون من بلد لهم أصلا كي يرجعوا إليه». 

ردا على ذلك، احتج الوفد الإيراني لدى الوسطاء، وقالوا إن هذا تهديد غير مقبول لأمنهم الشخصي ثم غادروا. وكان غيابهم مؤقتا فيما يبدو لأن فانس ـ الذي وصف المحادثات بـ«الفوضوية» ـ قال بعد ذلك: «نعم، لقد هددوا بالمغادرة... لكننا كنا نتفاوض حتى تجاوزت الساعة الواحدة صباحا... فلم تكن مغادرة دائمة». 

وإجمالا، جرت المحادثات والمشاورات كثيفة على مدى ثماني عشرة ساعة. 

نتائج المفاوضات 

أسفرت المفاوضات عن خريطة طريق لاتفاقية نهائية في غضون ستين يوما وأنشأت اللجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي من أجل إدارة العملية والتنسيق بين ثلاث مجموعات عمل ترفع تقاريرها إلى اللجنة أسبوعيا: مجموعة العمل النووي، ومجموعة تعقب العقوبات، ومجموعة المراقبة وحل النزاع. 

تم الاتفاق أيضا على آليتين لإدارة الأزمة: قناة الاتصال الآمنة بشأن مضيق هرمز (أي الخط الساخن) لتوفير روابط اتصال بين القوات الأمنية البحرية لـ«اجتناب الحوادث وسوء التواصل» ولضمان المرور الآمن للشحن في مضيق هرمز، وخلية منع التصعيد في لبنان لمنع أي تصعيد عسكري إضافي ولضمان الانصياع لوقف الأعمال العدائية. 

وفي النهاية، كانت المفاوضات أنجح من جولة أبريل الأولى في إسلام أباد، فوصفها فانس بـ«الأساس الجيد»، وقال عراقجي إن الوسطاء حققوا «تقدما كبيرا». ووصف بيان مشترك صادر عن الوسطاء «تقدما مشجعا» وأشار إلى «مناخ إيجابي بناء». ورحب وزير الخارجية السويسري أيضا بـ«التقدم البناء». وبدأت محادثات فنية بين مجموعات العمل في اليوم التالي. 

تحديات 

ورغم نجاح المفاوضات، أوشكت أطراف متعددة ـ إسرائيل وحزب الله وترامب والمتشددون في إيران ـ على إبعاد العملية عن مسارها ولا تزال تحاول أن تفعل ذلك. 

ويبدو أن الفضل في نجاح العملية يرجع إلى توظيف الوسطاء «استراتيجية تحرك القطار» وتعني أن عملية السلام قطار يتحرك من محطة في وقت محدد سبقا: وفور تحركه، فكل من لا يكون على متنه سوف يتخلف عن الركب. 

أي أن هذا تصميم على أن عملية السلام سوف تستمر، وأنه لا رجعة عن مضيها قدما، بغض النظر عن جهود المفسدين. ويطرح ستيدمان استراتيجيات أخرى للتعامل مع المفسدين منها: التحفيز، والتطبيع، والردع-القسر، والانسحاب. 

وبالرغم من أن التناول الشامل لدوافع كل من المفسدين واستراتيجيات التعامل مع كل منهم يتجاوز نطاق هذه المقالة، فمن الممكن طرح بعض النقاط العامة. 

إسرائيل وحزب الله 

هذان عدوان قديمان، أي إسرائيل وحزب الله، وقد عاودا القتال في الثاني من مارس حينما أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل احتجاجا على اغتيال علي خامنئي، فأعقب ذلك احتدام الأعمال العدائية بينهما. 

وبما أن الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم تدعو إلى إنهاء العمليات العسكرية بما فيها الجارية في لبنان، فهذا يمثل معضلة، لأن كلا من إسرائيل وحزب الله خارج عملية السلام الأمريكية الإيرانية ولم يوافقا عليها. بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نص على أنه ما دامت إسرائيل ليست طرفا في مذكرة التفاهم، فإنها لن تنسحب من لبنان. 

وردا على ذلك أنشأت الولايات المتحدة عملية وساطة منفصلة بين إسرائيل ولبنان (بقي حزب الله خارجها أيضا) وافقت على إيقافات مختلفة الأطوال لإطلاق النار، وتعرضت هذه لانتهاكات من كل من إسرائيل وحزب الله. 

ثم اتفق لبنان وإسرائيل في وقت أحدث على اتفاقية سلام وأمن دائمة، تسيطر بموجبها القوات المسلحة اللبنانية تدريجيا على الأراضي اللبنانية بينما يجري نزع سلاح حزب الله، وبالتوازي مع ذلك تقوم القوات الإسرائيلية بانسحاب مرحلي. غير أن حزب الله يرفضها ويقول إنه لن ينزع سلاحه إلى أن يكتمل انسحاب إسرائيل. 

يشعر نتنياهو وحكومته وأغلب الشعب الإسرائيلي بخيبة أمل من مذكرة التفاهم لأنها لم تعالج أهدافهم من الحرب وهي تغيير النظام، وبرنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، ودعم إيران لوكلائها. وهم يعارضون أيضا تخفيف العقوبات والفوائد الاقتصادية الأخرى. 

كل من إسرائيل وحزب الله «يقوده أفراد يرون العالم وفقا لمنطق إما كل شيء وإما لا شيء» ويعارضون أي حلول وسطى. و«أي التزام بالسلام يكون في العادة تكتيكيا، أي خطوة لكسب ميزة في الصراع حتى الموت». 

وتمثل «استراتيجية تحرك القطار» التي استعملها الوسطاء في قمة بحيرة لوتسيرن وسيلة جيدة للتعامل مع المفسد التام. ومن الوسائل المفيدة أيضا أن يقوم راعي المفسد بتحذيره من عواقب وخيمة في حال تصعيده الهجوم، وهو ما يبدو أن ترامب قد فعله مثيرا ضيق نتنياهو. 

وقيل أيضا إن حزب الله قد يعتدل في أفعاله حاليا بفعل التحفيز، أي الوعد بتجديد المساعدات الإيرانية إذا تحققت مكاسب اقتصادية من عملية السلام، لكن لو أدى هذا إلى إعادة التسلح في وقت قادم فإنه لن يكون إلا إرجاء للمشكلة. 

ترامب وعملية السلام 

ترامب، بطبيعة الحال، داخل عملية السلام و«لديه أهداف تتسع أو تضيق بناء على حسابات التكلفة والمخاطر». وقد تكون أهدافه محدودة وتتسع في مواجهة انخفاض التكاليف والمخاطر أو تكون له أهداف كلية تضيق في مواجهة ارتفاع التكاليف والمخاطر. 

ورغم أن ترامب يرغب ـ كما تردد ـ في أن يخرج من الحرب، فإن إيمانه الراسخ هو أنه لا بد من مقابلة كل استفزاز بردٍّ أشد حدة، وهو ما يتسبب حتما في تصعيد الصراع. فحينما قام المتشددون الإيرانيون ـ بعد أربعة أيام من قمة بحيرة لوتسيرن ـ بمهاجمة سفية حاولت الخروج من المضيق، أمر ترامب بقصف مواقع إيرانية للصواريخ والمسيرات. 

المتشددون في إيران 

وافق المرشد الإيراني مجتبى خامنئي (موافقة مشروطة) على مذكرة التفاهم، مؤكدا أنه لن يقبل مطالب الولايات المتحدة القصوى. 

وقد أثنى على جهود فريق التفاوض الإيراني في محاولة لإسكات معارضة المتشددين. وثمة دعم أيضا من قيادة الحرس الثوري الإيراني والمجلس الأعلى للأمن الوطني وبعض أعضاء البرلمان. 

غير أن جبهة الصمود المتشددة ـ التي ترفض التعامل مع الغرب وتعد نفسها حارسة للقيم الثورية ـ تعارض التفاوض. وثمة أيضا أعضاء متشددون داخل الحرس الثوري. وبعض شرائح المجتمع تعارض أيضا مذكرة التفاهم لدرجة أن مظاهرات اندلعت عند التوقيع عليها. 

وتعد الحوادث الأخيرة التي شهدها مضيق هرمز مثالا على التجليات المحتملة لهذه المعارضة. إذ يعتقد المتشددون في الحرس الثوري ـ شأن ترامب ـ بأنه لا بد من مقابلة كل استفزاز برد أكبر، وهذا ما يفسر الهجمات الأخيرة على القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين، في أعقاب قصف ترامب. وهؤلاء المتشددون كانوا خارج عملية السلام. 

الخلاصة 

يمثل الأربعة السابق وصفهم تحديات كبيرة لمذكرة التفاهم ولا بد من التعامل معهم إن كان مقدورا لعملية السلام أن تمضي قدما. 

من المشكلات أن غياب التفاصيل عن مذكرة التفاهم يتيح تأويلات مختلفة يمكن أن يستغلها المفسدون لإعاقة العملية. ويرتبط هذا بالطريقة التي تم التفاوض بها على مذكرة التفاهم، أي عبر تبادلات من بعد للمواقف التي يفضلها كل طرف، بدلا من جلوس الوسطاء مع الأطراف لاستكشاف المصالح الأساسية قبل وضع الخيارات. 

من الواضح أن الصراع الراهن يرتبط بمصالح إيرانية في السيطرة على كيفية تشغيل مضيق هرمز، أي بأن يتم خروج السفن من الجانب الإيراني لا من الجانب العماني الذي تحبذه الولايات المتحدة. ولو كانت مصالح الأطراف في هذا الخصوص قد استكشفت بعمق خلال المفاوضات، لأمكن إدراج صيغة أكثر تحديدا كان من شأنها أن تجتنب هذه المشكلة. 

ومشكلة أخرى هي إدراج شروط في الاتفاقية (من قبيل إنهاء العمليات العسكرية في لبنان) لا بد من أن ينفذها أطراف خارج العملية ولا يوافقون عليها (وأبرزهم إسرائيل وحزب الله). 

ومحاولات التغلب على هذا من خلال الوساطة الأمريكية بين إسرائيل ولبنان مع بقاء حزب الله خارج العملية لا تعالج مصالح أحد الأطراف الأساسية ولذلك فهي تصل إلى طريق مسدود. 

يبدو أيضا أن الآلية الإجرائية التي تأسست في قمة بحيرة لوتسيرن للتعامل مع هذه المشكلات لم تستعمل؛ إذ يبدو أن قناة الاتصال الخاصة بمضيق هرمز غير فاعلة. 

ويفترض أيضا أن تشترك مجموعة المراقبة وحل النزاع. ويرجى أن يقوم الوسطاء قريبا بمساعدة الأطراف على حل النزاع القائم وضمان تفعيل هذه الآليات. 

ومن المهم أيضا تحذير ستيدمان من أن التاريخ يبين لنا أنه عند إجهاض عمليات السلام على أيدي المفسدين واستئناف الحرب، كثيرا ما تكون النتائج كارثية، فيكون عدد الوفيات أعلى كثيرا منه في الصراع الأصلي. ورواندا مثال مريع لهذا. 

وقد تجلى هذا الاحتمال المفزع في ما نشره ترامب حديثا على منصته في سوشيال تروث: «قد تأتي لحظة لا نعود فيها قادرين على أن نكون عقلانيين، فأضطر إلى أن أكمل عسكريا المهمة التي بدأناها بنجاح كبير. وفي حال حدوث هذا، لن يبقى لجمهورية إيران الإسلامية وجود». 

ومن أجل إبقاء عملية السلام في مسارها، يجب على المجتمع الدولي أن يعي دور المفسدين ويفعل كل ما في وسعه للتعامل مع أي تعطيل قبل تصعيد الصراع من جديد، فقد يكون هذا التصعيد مأساويا. 

ـ كوني بيك هي مؤسسة معهد الأمم المتحدة لبرامج التدريب والبحوث في صنع السلام وتجنب الصراع 

 الترجمة ذي آسيا تايمز