أن أقرأ سيرة غيرية جمالية تحليلية مؤثرة لشاعر أحبه، بقلم ورؤية وإحساس شاعر آخر أحبه، فهذا يعني أن مجرد فكرة انتهائي من قراءة الكتاب ستكون مؤلمة لي.
لا أظن أن الحبيب الشاعر عماد أبو صالح كتب هذا الكتاب بيده؛ فلا يمكن أن تكون لغة هذا الكتاب مكتوبة بشيء آخر غير يد القلب.
ولأنني أعرف عشق عماد للوركا شعرًا وتجارب وشخصية، هأنذا متحمسا ومندفعا أقرؤه الآن، وهو يكتب محطات حياة الشاعر الإسباني بقرب عائلي وحب وصدق.
هذه ليست سيرة غيرية عادية، فعماد لا يتتبع حياة لوركا منذ الطفولة حتى مماته قتلا واختفاء على يد طغاة إسبانيا آنذاك.
المحطات التي كتب عنها عماد هي: عاشق العرب، وكلب الأندلس، وصياد الدويندي، وشاعر الأقنعة، وابن الحياة والموت، ولعب، ونظرية (الدويندي)، وهوامش وإحالات.
وهي محاور شكلية مفيدة طبعًا، لكن داخلها يكمن شعر وحزن وغرابة وخوف لذيذ وحب كوني ودهشة لا تُفسَّر.
عنوان الكتاب (أخي لوركا) يشي بإحساس عائلي، وهو إحساسنا جميعًا نحن الذين نقرأ هذا الكتاب.
ثمة شعور بقرب ما مع لوركا، ورابط عائلي يربط كل من يقرأ كتب لوركا بلوركا.
هو شقيق عماد، وهو ابن عمي، وخال قارئ آخر، وأب لشاعرة، وعم لروائي، وجد لمسرحي، وابن خالة لكاتب قصة قصيرة. لوركا ابن العائلة الذي ملأ حياتنا كنوزًا ومساحات شاسعة من الحكمة والشعر والأغاني، لكنه، للأسف والألم، اختفى من بيننا.
وما زلنا نبحث عنه، ونحس أنه قريب جدًا؛ فأغاني حكاياته ما زال أحفادنا يرقصون على إيقاعها، وما زلنا نقيس إبداع أدبائنا بعبقرية وغرابة الصورة الشعرية في شعره.
وقد تأثر محمود درويش به إلى حد التناص، وتمثل شعراء كبار في عالمنا العربي معاناته واختفاءه، وكتبوا، مستلهمين منها، عالمهم الروائي أو الشعري.
الكتاب، الصادر هذا العام عن دار نشر (ديوان)، في 125 صفحة من القطع الصغير، ولوحة الغلاف (لوركا بملابس عربية) من تصميم أحمد الصباغ.
هذا الكتاب لا يُقرأ فقط بوصفه حديثًا جميلًا عن كاتب مشهور ما زال لغز اختفائه يشغل العالم، بل هو أيضًا إبداع شخصي لصاحب الكتابة، وهو الشاعر عماد أبو صالح، صاحب القيمة الكبيرة شعريًا وإنسانيًا وأخلاقيًا.
قد نقرأ تاريخًا للأندلس ومدن أخرى، وشرحًا مفصلًا عن محاضرات ألقاها لوركا أمام طلاب ومثقفين أوروبيين، وحددت هذه المحاضرات رؤية الشاعر الأندلسي الكبير للشعر والحياة والمقاومة.
وسوف نقرأ عن تاريخ عائلة لوركا، وعلاقته مع أصدقائه، ومصارعة الثيران، ومثقفي جيله، وعلاقة الشاعر بالسلطة، وموقفه الحديدي من طاغية البلد، وتأثيرات الكتاب والشعراء على شعره، وتشريحًا ممتعًا لنظرية (الدويندي)، التي تعني إشراقة الجمال الداخلي بفعل الفن، وقد شرحها لوركا نفسه لطلاب الجامعات الأمريكية.
لكن بنية هذا العمل السيري الغيري ذات أفق شعري أدبي جمالي، وقد خُيِّل إليَّ أن عمادًا كان قد فكَّر في البداية في كتابة نصوص شعرية عن لوركا، لكنه خفَّض من شعريتها لصالح التاريخ، توضيحًا وتكريمًا لمواقف عظيمة وتاريخ مشرِّف لهذا العملاق الذي طبقت شهرته الآفاق، وصاحب النص العالمي الذي حوَّل اللغة الشعرية عند عديد من كبار شعراء العالم، وأحدث انقلابًا في فهم العالم شعريًا وإنسانيًا، وكان صاحب الدور الأول والكبير في ربط الشعر بالتاريخ والألم البشري والحياة ربطًا عبقريًا.
عماد ليس مؤرخًا، هو يكتب هنا نفسه الحرة، ووجعه الخفي، وهواجسه المعذبة. انظروا إلى إيقاع عناوين المحاور، وانظروا إلى سردية حكاية الشاعر الشهيد، كيف تتفلت لغتها وفضاءاتها من التاريخي إلى الملتبس والمحير والدرامي والشعري.
قرأت كثيرًا من الكتب العربية عن لوركا: لوركا شاعر الأندلس، ولوركا شاعر إسبانيا الشهيد، ولوركا والوعي الأندلسي الشعري، ولوركا وعالم الغجر، وغيرها من الكتب، لكن مثل هذا الكتاب – القصيدة – لم يقرأه قلبي أبدًا. لوركا في كتاب عماد أبو صالح يظهر كمبدع تيار شعر القلب والعالم، ومفجر وعي شعري جديد، يعيش في قلب الحياة وفي قلب الفن في ذات الوقت.
أخي عماد، وأنت تكتب لوركا بكل هذه الشفافية والارتجاف والجمال والحب، أود أن أعانقك، وأشكرك على هذا الكتاب الحزين الممتع، الذي كان فيه لوركا قناعك وقرينك وشقيقك وحبيب ألمك.