نعيش في عالم مليء بالتناقضات والغرائب، عالم مقلوب على رأسه، يسمي الأشياء بغير مسمياتها، ويُلبس الرذيلة ثوبًا فضفاضًا وكأنها فضيلة يجب التمسك بها، ويحاول الغرب أن يمرر أخلاقياته وقيمه على الجميع، وعلى الطرف الآخر الانصياع، والإذعان، والانغماس في شهواته، حتى صارت عبارة (حقوق الإنسان) مطبًّا مخيفًا، ومصطلحًا يحمل في طياته كل الشرور، ويضم بين ثناياه سلوكيات تأنفها الفطرة السليمة، ولا تستسيغها النفوس الطاهرة. ولعل أحد الأمثلة المقلوبة في هذا السياق هي (المثلية) أو ما يسمى بـ(مجتمع الميم)، وغيرها من المسميات التي تلتف على المبادئ والقيم السوية، لتجعل منها أمرًا مقبولًا، وعالمًا مثاليًا، والتي تحاول الهيئات الحقوقية أن تفرضها على العالم كله، بحجة حق الإنسان في التصرف بجسده كيف يشاء. ورغم كل الرفض الذي تواجهه هذه الحركات المشبوهة، إلا أنها ممعنة في فرض الأمر الواقع، حتى إنها أدخلته في مناهج تدريس الأطفال في بعض الدول الأوروبية كجزء من الثقافة الغربية البائسة. 

وتحاول هذه المنظمات أن تبحث لها عن أي ثغرة أو مناسبة كي تفرضها على المجتمعات، فيقبلوها، ويمنهجوها، ويجعلوها جزءًا من الثقافة العامة للشعوب، ولم يسلم من هذا العبث حتى الرياضة، فوضعت أحد أسس قبول استضافة كأس العالم -مثلًا- الاعتراف بحقوق المثلية، والسماح لهؤلاء الأجناس بممارسة شذوذهم، وقبول ممارساتهم، وليس ببعيد عنا كأس العالم الحالية المقامة بعض أحداثها في الولايات المتحدة، حيث حاولت السلطات في (سياتل) إقامة فعاليات احتفالًا بالمثليين أثناء مباراة فريقين مسلمين هما مصر وإيران، عبر ما يسمى بـ(يوم الفخر)!! ولا أدري عن أي فخر يتحدثون، وبأي قيمة أخلاقية ينادون؟ وقبل ذلك افتعلوا الأعذار والمبررات ليفرضوا أجندتهم على دولة قطر أثناء إقامة كأس العالم فيها قبل أربعة أعوام، ولكنهم لم يفلحوا في تمرير ما يخططون له. 

إن الغرب يحاول جاهدًا فرض وصايته على العالم، ويعمل على تأصيل كل ما هو فاسد على الشعوب الأخرى، وتمرير ثقافته المادية، ضاربًا عرض الحائط بالأديان، والمعتقدات، والمُثل التي تعارض أفكاره السقيمة، وقد نجح في بعض الدول العربية والإسلامية التي تدّعي الانفتاح، والتي ابتعد بعض أفرادها عن الهوية الإسلامية، والسمة الإنسانية السوية، واختلطت عليهم الأمور، وتشابكت في أذهانهم المبادئ الحميدة بالرذائل الفاسدة، ولذلك لم يعد مستغربًا أن تشاهد ذلك الانسلاخ المقيت عن الهوية، وأن ترى الماديات وقد طغت على الروح حتى دمرتها، واستولت عليها، وجردتها من قيمها وأخلاقها بحجة (حقوق الإنسان). ويستخدم الغرب دائمًا لغة الترهيب (القانوني)؛ حيث يشرّعون المواد، ويقننون الرذيلة، ويحاولون فرضها على الآخرين، ويهددون بمعاقبة الدول التي لا ترضخ لأفكارهم العبثية. 

إن ضرورة تحصين أبنائنا وبناتنا من هذا الغزو الثقافي المادي أمر لا بد منه، سواء في البيت والأسرة، أو في المدرسة ودور العلم، أو في المجتمع ككل، ولا شك أن التثقيف الروحي، والديني، وغرس القيم الإسلامية، والتمسك بالموروث الأخلاقي، والقيمي، إحدى الركائز الأساسية لصد هذه الهجمات الشرسة التي تغلف الرذائل بثوب ملون، وبريق إعلامي وفكري لا يمكن للنفس السوية الأصيلة أن تقبله مهما بلغ بها الانفتاح الثقافي. وأعتقد أن فرض رقابة حكومية على المحتوى الذي يشاهده الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي بات أمرًا لا مفر منه، أسوة بدول عربية، وحتى غربية، قامت بتقييد استعمال المراهقين دون سن معينة لتلك الوسائل، في ظل زحف خطير لأخلاقيات وسلوكيات تهدد أركان الأسرة والمجتمع من أساسه. 

مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني