مثلت الزيارة التاريخية التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - مؤخرًا إلى الجمهورية الفرنسية ولقاؤه المثمر مع الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون أهمية كبيرة من حيث توقيت تلك الزيارة والرمزية التاريخية التي تمثلها العلاقات العمانية الفرنسية والتي بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر من خلال افتتاح أول قنصلية فرنسية في مسقط عام١٨٩٤.
توقيت الزيارة السلطانية أتى في ظل اتصالات عمانية فرنسية متواصلة وحوار استراتيجي عقد في العاصمة الفرنسية باريس في الرابع عشر من أبريل من هذا العام علاوة على تنامي العلاقات التجارية وفي مجال الاستثمار المشترك علاوة على التنسيق السياسي في عدد من القضايا التي تهم البلدين الصديقين وأيضا على صعيد القضايا الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، خاصة الصراع والحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إن الزيارة السامية لجلالته - أعزه الله - تعيد العلاقات العمانية الفرنسية إلى مستوى متقدم من الشراكة الاقتصادية وفي عدد من المجالات الحيوية من خلال التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والنوايا في عدد من القطاعات الهامة في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والمتاحف والقطاع اللوجستي وفي مجال الطيران المدني والاستثمار المشترك، علاوة على التعاون في المجالات الدفاعية والعسكرية والأمن البحري والذي يشكل دعامة أساسية للأمن والاستثمار في منطقة الخليج العربي.
لقد شكلت المباحثات بين جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - والرئيس الفرنسي مانويل ماكرون أهمية كبيرة تنطلق من المشهد السياسي الحساس الذي تشهده المنطقة ومن خلال الجهود الدبلوماسية التي تبذلها مسقط وباريس بهدف خفض التصعيد والحرص على الاستقرار والسلام وحل المشكلات والصراعات الإقليمية بالطرق السلمية ومن خلال المفاوضات، وكان هناك تقدير فرنسي للوساطة العمانية على مدى سنوات فيما يخص الملف النووي الإيراني.
على ضوء ذلك، فإن الزيارة السلطانية قد حققت أهدافها من خلال شراكة اقتصادية واستراتيجية مع دولة محورية كفرنسا وهي دولة عضو دائم في مجلس الأمن ولها خبرة وارتباط كبير بالمنطقة وترتبط بعلاقات تاريخية عميقة مع العالم العربي.
ومن أبرز النشاطات التي رافقت الزيارة السلطانية هو عقد المنتدى الاقتصادي العماني الفرنسي بمشاركة ٦٠ شركة عمانية وفرنسية، حيث مثلت تلك التظاهرة الاقتصادية نقطة فارقة في انطلاقة اقتصادية وتجارية بين القطاع الخاص في البلدين الصديقين، وهذا هو أساس الشراكات بين الدول؛ حيث يلعب القطاع الخاص دورا محوريا في تطوير تلك الشراكات، من خلال إقامة المشاريع المشتركة وتبني مبادرات في مجالات حيوية من خلال الاستفادة من الخبرة الفرنسية المتقدمة.
كما أن المنتدى عزز تلك الشراكة من خلال التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الشركات العمانية والشركات الفرنسية، وهو الأمر الذي سوف يعزز تلك الشراكة الاقتصادية.
وتعد الزيارة السلطانية لجلالته إلى مقر اليونسكو في باريس حدثا ثقافيا وحضاريا؛ حيث مثلت الكلمة السامية لجلالته أمام الحشد الكبير من مسؤولي اليونسكو والشخصيات الثقافية والعلمية أهمية كبيرة؛ حيث أكد جلالته على أهمية الثوابت العمانية في مجال التسامح والحوار وفهم الآخر والبعد عن الصراعات والكراهية التي تخلقها الصراعات والحروب، مؤكدا جلالته أهمية الدور الحضاري والعلمي والثقافي التي تقوم به اليونسكو منذ عقود، من خلال برامجها الثقافية والحضارية وتقريب الفهم المشترك بين الشعوب، ونشر ثقافة الحوار باعتبارها أداة موضوعية للتقارب والازدهار الاقتصادي والتعايش المشترك، ومن هنا مثلت تلك الكلمة السامية تعزيزا لمكانة سلطنة عمان التي تعتمد في ثوابتها علي المصداقية والوضوح والعدالة والإنصاف.
ولعل إطلاق جائزة السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي يعطي دفعة كبيرة للحضارة والتراث الإنساني والمنافسة بين المراكز العلمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، خاصة وأن سلطنة عمان لها مساهمات كبيرة مع اليونسكو في مجال الحفاظ على التراث وهوية الشعوب حيث تم تسجيل عدد من مفردات الموروث العماني في اليونسكو ولا شك أن إعلان جائزة السلطان هيثم في مقر اليونسكو تعد خطوة مهمة في تعزيز الهوية الثقافية بحيث يتم استكشاف عوالم ثقافية غير مادية في قارات العالم المختلفة.
وجاء البيان العماني الفرنسي شاملا سواء على صعيد تعزيز العلاقات التاريخية المميزة بين سلطنة عمان والجمهورية الفرنسية أو من خلال التوافق على أهمية تبني الحوار والتعاون في عدد من القطاعات العسكرية والدفاعية وتبادل المعلومات البحرية والحرص على بقاء الملاحة في مضيق هرمز وبحر عمان متاحة بكل يسر وإيجاد حلول موضوعية للمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال المفاوضات والتي بدأت بالتوقيع على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران.
كما أكد البيان على تعزيز التعاون في مجال الاستخبارات العسكرية وفي مجال صناعة الفضاء والاستثمار المشترك وغيرها من القضايا الحيوية التي تخدم مصالح البلدين الصديقين.
كما ركز البيان العماني الفرنسي على ضرورة حل القضية الفلسطينية باعتبارها حجر الزاوية في الصراع والحرب في الشرق الأوسط من خلال تبني قرارات الأمم المتحدة وخاصة حل الدولتين وتبني قرار نيويورك الذي أيدته أكثر من ١٤٠ دولة أكدت اعترافها بدولة فلسطين.
وعلى ضوء مجمل الزيارة السلطانية يمكن القول إنها كانت زيارة تاريخية مميزة وكانت ذات تأثيرات إيجابية سوف تؤدي إلى مزيد من الانطلاقة الاقتصادية العمانية الفرنسية، خاصة في قطاع التعليم والقطاع الصحي والأكاديمي والثقافي وعلى صعيد التعاون في مجال المتاحف وفي مجال التجارة والاستثمار.
إن الزيارة التاريخية الأولى لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى الجمهورية الفرنسية ولقاءه المثمر مع الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون تمثل انطلاقة هامة وحيوية نحو الشراكة العمانية الفرنسية، وسوف يكون لها انعكاس إيجابي في تحقيق طموحات البلدين الصديقين.
عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة