لا أعرف على وجه اليقين ما الذي دفعني بعد تخرجي في الجامعة إلى الالتحاق بدراسة اللغة الفرنسية في المركز العماني الفرنسي. ربما كان الحافز آنذاك تشجيع بعض الأصدقاء، وربما كان شغفًا باكتشاف لغة جديدة وثقافة مختلفة. كل ما أذكره أنني بدأت أولى خطواتي في تعلم الفرنسية على أيدي أساتذة عمانيين تخرجوا في المركز نفسه، ثم أتيحت لهم لاحقًا فرص الالتحاق بدورات صيفية متخصصة في فرنسا، فعادوا وهم يحملون اللغة بروحها، وينقلونها إلى طلابهم.
كان أملي أن أواصل ذلك الطريق كما فعل عدد من زملائي، غير أنني عدلت عن الفكرة، وآثرت التفرغ لدراسة اللغة الإنجليزية انطلاقا من قناعة بأنها اللغة الأكثر حضورا في العالم، والأوسع تأثيرا في ميادين المعرفة والعمل، والأقدر على فتح آفاق مهنية وثقافية أرحب. غير أن التخلي عن دراسة الفرنسية لم يكن تخليا عن فرنسا نفسها؛ فقد ظل شيء منها عالقا في الذاكرة.
بقي فضول فرنسا وبريقها وسحرها يرافقني طوال فترات طويلة حتى سنحت الفرصة لزيارة باريس في أول رحلة لي إلى أوروبا. هناك حاولت استدعاء ما بقي في ذاكرتي من مفردات فرنسية تعلمتها في المركز؛ ظنا مني أنها ستكون خير معين في التواصل مع الناس، لكن ذلك الرصيد اللغوي المحدود لم يصمد طويلًا، لتتولى العربية والإنجليزية -ومعهما لغة الإشارة- مهمة سد فجوات التواصل بيني وبين الشعب الفرنسي الذي اكتشفت لأول مرة أنه شعب معتد بلغته، ولا يحبذ استخدام لغة غيرها، وإن كان يجيد لغات حية أخرى مثل الإنجليزية.
أبهرني شموخ برج إيفل؛ فقد بدا لي في لحظة اللقاء الأولى أكثر مهابة مما اختزنته الصور في ذاكرتي، وكأن عدسات المصورين لم تستطع أن تنقل هيبته الحقيقية ولا حضوره الآسر. أما نهر السين فقد كان اكتشافًا آخر لا يقل دهشة؛ إذ كان أول نهر عظيم أراه في حياتي، وأنا القادم من أرضٍ شكلت الصحراء ملامحها. ولم يقتصر إعجابي على معالم باريس الشهيرة، بل امتد إلى تفاصيلها الصغيرة؛ إلى شوارعها الفسيحة، وأرصفتها الأنيقة، وأزقتها التي تحتفظ بعبق التاريخ دون أن تتخلى عن نبض الحياة. هناك أدركت أن سر باريس لا يكمن في برج إيفل وحده، ولا في متاحفها وقصورها، وإنما في قدرتها الفريدة على أن تجعل الجمال جزءا من الحياة اليومية.
توالت زياراتي إلى فرنسا، وتكررت محطاتي في باريس، حتى أصبح لي أصدقاء في أكثر من مدينة فرنسية، وشاركت في عدد من الفعاليات الثقافية التي نظمها معهد العالم العربي واليونسكو إلى جانب لقاءات فكرية احتضنتها عاصمة النور، لكنني في كل مرة كنت أعود فيها إلى باريس، لم أعد أراها بعين السائح الذي يطارد المعالم، بل بعين العماني الذي يحاول أن يقرأ روح المكان، ويغوص في عمق العلاقات والروافد الثقافية والفكرية المشتركة التي تجمع بين بلدين يقعان في أقصى الشرق العربي وأقصى الغرب الأوروبي، لكنهما رغم هذا التباعد الجغرافي يلتقيان في مساحات أوسع من الجغرافيا نفسها؛ في التاريخ حين يروى، وفي الثقافة حين تنتج، وفي الإنسان حين يصغي للآخر، وتمخض كل ذلك عن نقاط التقاء الثقافة العمانية والفرنسية كما أسلفت في المركز العماني الفرنسي والمتحف العماني الفرنسي « بيت فرنسا» والبعثات الفرنسية للتنقيب عن الآثار والكثير من الاتفاقيات الموقعة بين العمانيين والفرنسيين في جوانب الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والفضاء، وغيرها من الاتفاقيات الاقتصادية. ولعلي لا أجد تفسيرا لهذا التقارب العماني الفرنسي إلا مرده التاريخي بالرجوع إلى العلاقات العمانية الفرنسية التي بدأت في القرن الثامن عشر مع انطلاق أول الاتصالات عبر التجارة البحرية في المحيط الهندي وشرق إفريقيا، وتطور تلك العلاقات للوصول إلى التمثيل القنصلي الفرنسي في سلطنة عمان الذي بلغ أوجه في العصر الحديث بالزيارات التي قام بها جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- إلى العاصمة الفرنسية. وتعززت هذه الأواصر بالزيارة السامية التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى العاصمة الفرنسية باريس مؤخرا، وشهدت التوقيع على عدد من الاتفاقيات الاقتصادية، وزيارة جلالته إلى مقر الثقافة العالمي منظمة اليونسكو وإلقاءه كلمة فيها أكد خلالها التزام سلطنة عمان الثابت بالسلام، وأهمية التعايش بين الأديان والثقافات، وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل، وقبول الآخر والتسامح معه، والانفتاح على التنوع الإنساني والحوار بين الثقافات.
وفي ختام هذه التجربة يمكن القول: إنني رأيت فرنسا عن قرب، وتكون لدي شعور بأن بين مسقط وباريس قواسم مشتركة تتجاوز التاريخ والجغرافيا، وتمتد إلى الإنسان في فكره وسلوكه وطريقة تعامله مع الحياة.
وتبقى المشروعات الثقافية المشتركة بين سلطنة عمان وفرنسا دليلا واضحا على عمق هذه الصلات، وعلى أن العلاقة بين البلدين تقوم على اهتمام مشترك بتطوير الإنسان، وتعزيز المعرفة والتبادل الثقافي.
عبدالله الشعيلي رئيس تحرير جريدة «عُمان أوبزيرفر»