كتب ـ محمد بن علي القرني / "تصوير: أيمن الحضرمي"

نظم المنتدى الأدبي بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، مساء أمس، الجلسة الحوارية الأولى من برنامج "آفاق حضارية"، وذلك بمقر النادي الثقافي، وحملت الجلسة عنوان "التنمية المستدامة: المعرفة والتراث الثقافي غير المادي".
وتناولت العلاقة بين التراث والمعرفة والاستدامة في ضوء التحولات الثقافية والرقمية المعاصرة، بمشاركة الدكتور محمد بن علي البلوشي، الذي قدم ورقة بعنوان "التراث الثقافي غير المادي والتنمية المستدامة في سلطنة عُمان: رؤى في الحفظ والتمكين والاستدامة"، والدكتور عبدالرحمن محمد طعمة، الذي قدم ورقة بعنوان "نسق الثقافة: المعرفة والاستدامة في عصر الإنسانيات الرقمية"، فيما أدار الجلسة الدكتور مبارك بن عيسى الجابري.
وسعت الجلسة إلى مقاربة سؤال الاستدامة من زاوية ثقافية ومعرفية تتجاوز بعدها الاقتصادي والبيئي، من خلال النظر إلى التراث غير المادي والأنساق الثقافية باعتبارها مكونات حية في بناء الهوية وصناعة المعنى، وركائز يمكن أن تسهم في التنمية متى ما جرى التعامل معها بوعي يحفظ قيمتها ويمنحها القدرة على التجدد، في ظل عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتتغير فيه أدوات قراءة الذاكرة والتاريخ والهوية.
الذاكرة الحية
وتناول الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي، أستاذ علم الآثار ودراسات التراث بجامعة السلطان قابوس، في ورقته العلاقة بين التراث الثقافي غير المادي والتنمية المستدامة في سلطنة عُمان، مشيرًا إلى أن النقاش اليوم لم يعد متعلقًا بحصر التراث وتسجيله، بعد أن أُنجزت في هذا الجانب جهود كثيرة، وإنما بدور هذا التراث في صناعة الحاضر، وكيف يقرأ الإنسان العُماني ذاكرته الثقافية في سياق التحولات المعاصرة.
وأوضح "البلوشي" أن التراث غير المادي يقوم على علاقة جدلية بين الذاكرة والمستقبل، وبين الهوية والتحول، وبين المحلي والكوني، وبين الإنسان والبيئة، وأن الذاكرة الثقافية ليست استرجاعًا فرديًا للماضي، وإنما بنية اجتماعية وثقافية تتشكل داخل الجماعات، وتحفظ صورة المجتمع عن نفسه، وتعيد إنتاج قيمه عبر الزمن. كما أن سلطنة عُمان تمتلك رصيدًا واسعًا من هذه الذاكرة الثقافية الحية التي تتجدد بالممارسة، وتظل حاضرة في الرموز والطقوس والمعاني والعلاقات الاجتماعية.
وأكد "البلوشي" أن التراث لا يوجد خارج التأويل، وأن قراءة الماضي تتم دائمًا من موقع الحاضر وبأدواته ورغباته وتحولاته، ولذلك فإن التراث ليس مخزنًا مغلقًا، بل عملية متواصلة يُعاد بناؤها وتفسيرها تبعًا للسياقات الاجتماعية والثقافية. وهذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة في سلطنة عُمان، حيث يحضر الماضي في الوعي الثقافي والاجتماعي، لكنه يُقرأ بأعين اليوم ومن خلال أسئلته وتحولاته.
وتوقف الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي عند علاقة التراث بالهوية، مشيرًا إلى أن الإنسان يدرك ذاته عبر السرديات التي يرويها عن نفسه، وأن المجتمعات تبني إحساسها بالانتماء من خلال الذاكرة المشتركة والرموز والممارسات والقيم. وهذه الهوية الحية هي التي تتسع لتنوع الخبرات، بينما تتحول الهوية التي لا تقبل التعدد إلى أيديولوجيا مغلقة، مؤكدًا أن التراث غير المادي يعبر عن علاقة الإنسان ببيئته، داعيًا إلى توظيفه في التنمية مع تمكين حامليه وصون حقوقهم، ومحذرًا من تسليعه أو تجميده، لأن التراث بطبيعته متجدد ويحتاج إلى سياسات وطنية تعزز استدامته ومشاركة المجتمع في حفظه.
النسق الثقافي
وفي الورقة الثانية، أشار الدكتور عبدالرحمن محمد طعمة إلى أن العلاقة بين الثقافة والمعرفة علاقة شديدة التداخل، فالثقافة تمثل إطارًا مرجعيًا يمنح المعرفة شرعيتها وتطبيقاتها الأخلاقية، وأن قراءة هذه العلاقة ينبغي أن تتجاوز الطرح التقليدي المرتبط بصراع الحضارات، لتنتقل إلى سؤال الاستدامة الفكرية والمعرفية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. وأن الثقافة لا يمكن قراءتها على أنها مجموعة من العادات المتفرقة أو التقاليد المعزولة، بل هي بنية كلية مترابطة شبكيًا، يتأثر كل جزء فيها بالأجزاء الأخرى ويؤثر فيها، وأن هذا النسق الثقافي يمتلك آليات ذاتية للحفاظ على توازنه في مواجهة التحولات الخارجية، وأن وظيفته الأساسية تكمن في حفظ القيم والمعايير والرموز التي تحمي المجتمع من التفكك والانهيار القيمي.
واستعرض "طعمة" نماذج من الثقافة العُمانية، متوقفًا عند ثلاثية الفلج والسبلة والفقه، معتبرًا أنها تشكل نسقًا ثقافيًا متماسكًا تتداخل فيه البيئة الجغرافية مع الفقه وأعراف الشورى. فالفلج يجسد معرفة تقنية وفلكية وطبوغرافية طورها الإنسان العُماني لمعالجة شح المياه، فيما أسهم فقه المياه في تنظيم ملكية الماء وتوزيع حصصه وفق قواعد دقيقة، وجاءت السبلة فضاءً اجتماعيًا تداوليًا لإدارة النزاعات وإعادة ضبط العقل الجمعي في إطار قيم الجماعة.
ورأى أن الإنسانيات الرقمية تمثل منهجية نقدية تعيد قراءة التراث وإنتاج نماذج معرفية جديدة له، ولا تقتصر على رقمنة النصوص والمخطوطات. فالرحمانيات والمخطوطات الملاحية العُمانية حولت البحر إلى شبكة معرفية دقيقة يمكن اليوم إعادة إنتاجها علميًا عبر التحليل النصي الرقمي، والخرائط التفاعلية، ونمذجة الرياح. كما أن الحارات العُمانية القديمة، مثل حارة البلاد في منح، والعقر في نزوى، واليمن في إزكي، تجسد نسقًا ثقافيًا متكاملًا في العمران، تتيح التقنيات الرقمية الحديثة توثيقه وإعادة بناء سياقاته الاجتماعية والمعرفية بما يحفظ التراث ويعزز حضوره في الوعي المعاصر.
نقاشات وأسئلة
وشهدت الجلسة نقاشًا علميًا بين المتحدثين والحضور تناول عددًا من القضايا المرتبطة بالتراث الثقافي غير المادي، والاستدامة، والإنسانيات الرقمية، إذ تركزت الأسئلة حول دور التقنيات الرقمية في حفظ التراث وإعادة تفسيره، وحدود توظيفه في التنمية دون الإخلال بأصالته، وإمكان المحافظة على الهوية الثقافية في ظل التحولات الرقمية والعولمة.
وأكد الدكتور محمد بن علي البلوشي، في رده على المداخلات، أن الحنين إلى الماضي يمثل قوة دافعة للاهتمام بالتراث، لكنه لا ينبغي أن يكون الأداة الوحيدة في تأويله، وأن التراث يُعاد إنتاجه باستمرار وفق السياقات الاجتماعية والثقافية المتغيرة، وأن التعامل معه كمجرد نوستالجيا يؤدي إلى إفراغه من وظيفته الحقيقية. كما أن الأصالة ليست مفهومًا ثابتًا، لأن التراث بطبيعته ديناميكي ومتجدد، مستشهدًا بفنون مثل البرعة التي تتطور مع الزمن من دون أن تفقد هويتها، داعيًا إلى توظيف التراث في التنمية بطريقة تحفظ روحه وتمنحه القدرة على الاستمرار.
ومن جانبه، أوضح الدكتور عبدالرحمن محمد طعمة أن الإنسانيات الرقمية لا تستبدل العقل البشري ولا سلطته في التأويل، وإنما تؤدي دورًا مساعدًا في استكمال الصورة المعرفية اعتمادًا على ما يتوافر من بيانات ووثائق، مؤكدًا أن الذهن الإنساني يظل المرجعية الأساسية في منح الأشياء قيمتها الثقافية وتصنيفها بوصفها تراثًا.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أهمية مواصلة الحوار العلمي حول قضايا التراث والهوية والاستدامة، وتعزيز حضور البحث العلمي في قراءة التراث الثقافي غير المادي، والاستفادة من التقنيات الرقمية في توثيقه وإعادة تقديمه، بما يحفظ أصالته ويعزز دوره في التنمية الثقافية والمعرفية، ضمن مشروع تأليف الكتب الذي تنفذه وزارة الثقافة والرياضة والشباب.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الجلسة تأتي ضمن جهود المنتدى الأدبي لتعزيز الحوار الفكري والثقافي، واستشراف التحولات الحضارية والمعرفية المعاصرة، من خلال مناقشة مشاريع بحثية وكتب نوعية تسهم في إثراء المشهد الثقافي العُماني.