تبذل الجهات الحكومية جهودا كبيرة في تطوير البرامج والفعاليات المصاحبة لموسم خريف ظفار؛ ففي كل موسم نلمس رغبات حقيقية ونوايا صادقة في البحث عن أنشطة ثقافية وترفيهية تلبي رغبات الزوار والمقيمين في المحافظة. فمن الأنشطة المرتقبة والتي أعلِن عنها مؤخرا انطلاق النسخة الثانية من مهرجان ظفار السينمائي الدولي الثاني في منتصف شهر سبتمبر القادم، ومهرجان ظفار الدولي للنحت. لذلك دفعتنا إقامة المهرجانات النوعية إلى طرح فكرة إقامة مهرجان ظفار الثقافي، كمشروع ثقافي مستدام يحقق أهداف الرؤى الوطنية والخطط الاستراتيجية التنموية الساعية إلى تأصيل المشاريع الثقافية وخلق فرص استثمارية في الاقتصاد الثقافي. والترويج للسلطنة لاستقطاب العديد من المشاريع النوعية في السياحة والترفيه، والتي سنتطرق إليها لاحقا.

يفرض الواقع الطبيعي لمحافظة ظفار المتمثل في طقس الخريف بعث مهرجانات ثقافية يُشد إليها الرحال؛ إذ لا يخفى على أحد ارتفاع درجات الحرارة في المناطق التي كانت تعتبر وجهات سياحية في أوروبا وشرق آسيا، ولذلك تُعد محافظة ظفار خيارا مناسبا للسياح وخاصة السياحة العائلية. لذا فإن الدفع بإقامة مهرجانات ثقافية وأدبية وفنية يُعد خيارا استراتيجيا في واقع تعمل فيه بعض الدول إلى تسخير كافة الإمكانيات لاستقطاب السياح وإرضاء المقيمين عبر استنساخ فعاليات ثقافية دولية وتخصيص فضاءات شبيهة لمواقع ثقافية عالمية كالمعارض والمتاحف وغيرها. وإضافة إلى العنصر الطبيعي؛ فإن المكانة الدولية لسلطنة عمان في الاستقرار السياسي والأمن والأمان تجعلها وجهة واعدة ليس للزيارة العابرة، بل للاستقرار الدائم في ضوء تسهيل الإجراءات المتعلقة بالإقامة الدائمة في السلطنة كالإقامة الثقافية، وإقامة مالك العقار. ومن هنا نجد أن إقامة المهرجانات الثقافية الدولية تلبي رغبات المبدعين، وتعمل على استقطاب المثقفين من كل الأنحاء على الإقامة والاستثمار في السلطنة.

يستند مطلب إقامة مهرجان ظفار الثقافي الدولي إلى عدة عوامل أهمها بروز الإنتاج الثقافي العُماني عربيا وعالميا، خاصة في المجال الأدبي كالرواية والقصة القصيرة والشعر. إضافة إلى الإعلان عن الجوائز الثقافية الدولية كجائزة اليونسكو- السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي التي تُعد أداة من أدوات الدبلوماسية الثقافية لبناء جسور التفاهم والتسامح بين الشعوب ناهيك بالعمل وفق السياسات الثقافية الوطنية الساعية إلى إبراز الهُوية العمانية، ورعاية الإبداع الثقافي. لذا فإن المهرجان الثقافي سيساهم في تمتين الصلابة العمانية التي أسسها الإنسان، وأسهمت المؤسسات السياسية والاجتماعية في تأصيلها ورسوخها في نفوس أبنائها.

تقوم فكرة المهرجان المقترح على عدة محاور متعددة تشمل أوجه الثقافة كالسرد والأدب والفن والفكر وصناعة الكتب والترويج لها، وإقامة ندوات فكرية تُناقش قضايا آنية تتعلق بمسائل ترسيخ قيم الأخلاق والحوار بين الأجيال، ومواكبة تطورات العصر بروح الأصالة العُمانية. ولإكساب المهرجان التميز يُمنح الاحتفاء بجوائز «الشخصية العُمانية الثقافية» تقديرا لأهم الرموز الفاعلة في المجالات الثقافية. إضافة إلى استضافة المدن الخليجية كضيوف شرف المهرجان، مما يخلق شراكة وتبادل خبرات في أنسنة المدن بالأنشطة والفعاليات المستدامة.

إن الهدف من هذا المقترح هو استدامة الفعاليات الثقافية بدلا عن طابعها الترفيهي العابر والمتلاشي بجرد انتهاء الموسم. وتحقيق عوائد تنموية ملموسة، وترسيخ مكانة محافظة ظفار كمركز ثقافي وسياحي في المنطقة، وإبراز الثقافة العُمانية بمفرداتها المادية وغير المادية، ودعم الكتاب والأدباء وتوفير بيئة محفزة على التأليف والإبداع، وضمان انتقال المعارف بين الأجيال.

ختاما نرى أن عوامل نجاح المهرجان متوفرة سواء في دعم المؤسسات الحكومية كمكتب محافظ ظفار، ووزارة الثقافة والرياضة والشباب، ووزارة التراث والسياحة، وبلدية ظفار، أو في مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في المجال الثقافي، كالجمعية العُمانية للكتاب والأدباء وغيرها من المؤسسات الشريكة في إدارة وتنظيم الفعاليات الثقافية.

محمد الشحري كاتب وروائي عُماني