تضع الهجمات الجديدة المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران مذكرة التفاهم الموقعة بينهما قبل أسبوعين أمام أخطر اختبار لها، وتضع معها المنطقة كلها أمام لحظة تضيق فيها الخيارات، فقد نظرت المنطقة إلى الاتفاق باعتباره نافذة فرج في جدار حرب كادت أن تفتح أبوابا لا يريد أحد أن يعرف إلى أين تنتهي. وتبدد هذه العودة إلى لغة الضربات جزءا من الثقة القليلة التي بدأت تتشكل حول إمكانية أن تستعيد السياسة مكانها.

وعاد الخوف ثانية إلى الخليج بعد أن طالت الهجمات أهدافا في كل من مملكة البحرين ودولة الكويت ما يعني تجاوز الأخطار للفضاء العسكري المحصور بين البلدين إلى الفضاء العام الذي يطال حياة الناس اليومية عبر تعطيل حركة الطيران وحركة النقل البحري.  

من هنا تكتسب مذكرة التفاهم أهميتها، فقد رأى فيها كثيرون اتفاقا ناقصا، وربما هشا، لكنها كانت ضرورية لأنها أوقفت اندفاعا خطيرا نحو مواجهة أوسع، ومنحت الدبلوماسية زمنا ثمينا للعمل بعيدا عن ضغط الصواريخ والمسيرات. وكان من شأن تماسكها أن يمنح دول المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، وقراءة ما جرى، وبناء استجابات أكثر وعيا لما كشفته الحرب من هشاشة في أمن الممرات والمنشآت والمدن. 

لكن الاتفاقات لا تصمد طويلا إذا جرى التعامل معها بمنطق اختبار القوة، وما جرى خلال اليومين الماضيين من شأنه أن يصعب العودة مرة أخرى لطاولة المفاوضات خاصة إذا ما استخدمت الضربات ورقة من أجل إعادة صياغة بنود الاتفاقية مرة أخرى. تحتاج المنطقة الآن لمسار يخفض حدة الاستقطاب ويعيد الهدوء لقاعات التفاوض للعودة إلى بنود مذكرة التفاهم والبناء عليها خلال مهلة الستين يوما التي يفترض أن تقود إلى اتفاق أكثر تماسكا.

يمثل مضيق هرمز في هذا السياق اختبارا لقدرة المنطقة والعالم على حماية المصالح المشتركة، فحرية الملاحة جزء من أمن الدول والمجتمعات والاقتصاد العالمي، وأي تهديد لهذا الممر يضع المنطقة أمام احتمالات لا تخدم أحدا، حتى أولئك الذين يظنون أنهم يستطيعون تحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض. 

تحتاج المنطقة في هذه اللحظة الاستماع لموقف سلطنة عمان الذي بقي يطالب بمركزية الحوار وخفض التصعيد واحترام سيادة الدول ورفض تحويل الخلافات إلى حروب مفتوحة. وقد أثبتت يوميات هذه الحرب عمق الرؤية العمانية وحاجة المنطقة لها لتجنب نفسها

حربا دامية تستنزف الدول وتعرّض المدنيين والمنشآت والممرات الحيوية لأخطار لا يمكن ضبطها.

تحتاج المنطقة والعالم أن يعملوا جميعا من أجل إنقاذ الاتفاق مهما كانت الملحوظات عليه وجعله مدخلا لتفاهم أوسع يجعل أمن الخليج جزءا من صلب أي تسوية، فلا يكفي أن يتفق طرفان كبيران إذا ظلت دول المنطقة وممراتها ومدنها معرضة لارتدادات ما يتفقان عليه أو يختلفان حوله. 

ما زالت هناك فرصة، لكنها تضيق مع كل ضربة وكل تهديد، ومسؤولية هذه اللحظة أن تُمنح الدبلوماسية ما تحتاجه من وقت وضمانات وأن تُحمى المنطقة من العودة مرة أخرى لحرب مفتوحة في كل الساحات.