يتسع أفق الحياة؛ كلما كانت لدينا القدرة على استيعاب ما هو حولنا، وما حولنا الكثير مما يصعب حصره، ولذلك فالذين لا تتسع عندهم حدقة العين، فيرون الأشياء أصغر مما هي عليه، يبدو أنهم يعانون من محاصرة زمنية، أو رؤية قاصرة لا تتيح لهم ذلك الأفق الممتد لما بعد ما هو موجود، وهذه إشكالية مسبباتها كثيرة، قد تكون تربوية، وقد تكون ثقافية، وقد تكون لضغوط نفسية، وبالتالي فعلاج الحالة متوقف على نوع السبب الذي يحول دون هذا الاتساع، وتنامي الـ«قزمية» في استيعاب ما يجب استعابه؛ سواء في اللحظة الزمنية الحاضرة، أو المعايشة المستمرة؛ والتي لم تحدث أية تغييرات من شأنها أن تنفذ بصاحبها إلى حيث الحالة الطبيعية لكثير ممن حوله. 

يفسر البعض؛ أن ذلك عائد إلى تضخم الصور النمطية في الذاكرة عند من يعاني من مثل هذه الحالات، وهي الصور الناتجة عن المعايشة لرتم معين في الحياة اليومية، فـ«منشد الحي لا يطرب» كما هو معروف، وهذه الإشكالية تتضح أكثر؛ ربما؛ لدى سكان القرى؛ أكثر منها في المدن، وذلك لمحدودية الفعاليات والأنشطة التي يقوم بها الناس، بخلاف المدن التي تتسع فيها الأنشطة بتنوعها، وبصداميتها، وبدهشتها في كثير من المواقف، ومعنى ذلك أن من لم يستطع أن يتأقلم مع حياة المدينة، قد يعاني بشيء من هذه المحدودية في اتساع الرؤية، مع أن المعروف أو المستوعب أكثر؛ أن لعمر الإنسان دورا في هذه المسألة، فالإنسان كلما تقدم به العمر، حاصرته الصور النمطية من كل مكان، فيواجه صعوبة كبيرة من التخلص منها، أو تجاوزها في كثير من المواقف، ومن هنا يأتي التصلب في المواقف الحاسمة، ولو أدى هذا التصلب إلى ضياع الفرص، وعدم استغلال اللحظات الراهنة أو الفاصلة لتحقيق أمر ما، مع أن قانون الحياة يعطي الساعي الامتداد الأفقي الأوسع، حيث لا توجد مغاليق مطلقة وحاسمة، وهناك مساحة نسبية كبيرة يستطيع الإنسان أن يراوح فيها بين جد وهزل، وبين عطاء وقبض، وبين ابتسامة وتجهم، ولكن كل ذلك مرهون بلحظته وموقفه، وقدرة الفرد على تجاوز المظان الشخصية، والانطلاق نحو أفق أكثر اتساعا، ولكن هل يغني هذا عن تأثير الألم؟ بالتأكيد لا، ولكن؛ الخروج من عنق الزجاجة أمر مطالب به كل إنسان، فالتموضع في كثير من الأحيان يظل غير صائب بالمطلق، بل يفقد الإنسان الكثير من الاستحقاقات التي يمكن أن تكون له رصيدا ينتفع به. 

يقول الفيلسوف الروسي؛ دوستكويفسكي: «نحن أقوياء.. نستيقظ كل يوم لنعيش نفس الحياة، نفس المكان، مع نفس الأشخاص، وهذا في حد ذاته كفاح!». «انتهى النص» والمهمة الأكبر هنا؛ أنه كيف يستطيع الواحد منا أن يستوعب هذا الكم الكبير مما توجده وتؤثر فيه: الحياة والمكان والأشخاص، ويخلص من كل ذلك برصيد مقدر يعطيه القدرة على مواصلة الطريق بروح أكثر استشرافا للغد، ولا يكون رهين مجموعة من الصور النمطية التي ترسخها النتائج الحاصلة من: الحياة والمكان والأشخاص؟ وصحيح أيضا أن كبار السن الذين يعانون؛ أصلا؛ من الضغوطات الموضوعية للصور النمطية لـ(الحياة والمكان والأشخاص) ولكن؛ مع ذلك تظل عندهم القدرة؛ إن هم أردوا ذلك؛ للانعتاق من تأثير تموضعات هذه العوامل المؤثر الثلاثة، أكثر ممن هم الأصغر سنا، وذلك بحكم الخبرة المكتسبة طوال سنوات العمر، فالشاب؛ صحيح؛ أن لديه روح المجازفة والمغامرة، والقدرة السريعة على التخلص والتضحية بأي شيء يرى فيه معرقلا لأنشطته، ولكن ذلك أيضا قد يوقعه في أخطاء، ويفوت فرصا لو تمهل قليلا لكان الأمر أكثر مكتسبا له من تفويته. 

وفي عمومية الصورة لعل لنا أن ننحاز أكثر إلى المعنى الذي تشير إليه مقولة: «لا تكن رطبا فتعصر؛ ولا يابسا فتكسر» مع أن هذه المعادلة ليست سهلة، وتحتاج إلى كثير من الخبرة والحنكة والدراية والاستيعاب، لأنها بقدر ما تنقذنا من الوقوع في مآزق التحجيم، وعدم القدرة على التفاعل مع الآخرين، فإنها في المقابل؛ قد تفقدنا شيئا من الضرورة لأن ننحاز إلى قناعاتنا ومواقفنا التي نؤمن بها. 

أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني