تعتبر الفنانة واحة الراهب واحدة من الفنانات السوريات اللواتي رسمن معالم طريق الدراما السورية في بواكيرها، فقدمت الكثير من الأدوار المتميزة وكونها تتقن اللهجات المختلفة برعت في اللهجة البدوية أيضا، وفي إتقانها للأدوار المركبة.
لم تتوقف عند التمثيل الدرامي والسينمائي فقط، فكانت أيضا مخرجة بارعة وضعت بصمتها الخاصة في السينما والدراما السورية والعربية، ولها حضور لافت كفنانة ملتزمة بقضايا المجتمع والمرأة.
كان للكتابة نصيب من إبداعها وكونها تنتمي إلى أسرة ثقافية وتربطها صلة قرابة بالكاتب هاني الراهب فكان للرواية حضور في مشهدها الإبداعي من خلال عدة روايات مميزة.
استضافتها جريدة عمان في هذا الحوار، تعالوا نتابع:
كفنانة مشهورة ولك حضورك الفاعل، ما الذي دفعك لكتابة الرواية..؟
ساعدتني الكتابة في تحرير طاقاتي بعيداً عن هاجس الرقابة وقمعها، فما طرحته في رواياتي هو أكثر جرأة منطوقة لغوياً لا يمكنها التواري خلف إيحاءات بصرية سمعية كما هو حال الفيلم المرتبط بطاقم فني من مواهب متعددة ومنتجين وموزعين وشروط رقابة عرض تتحكم في مضمون ما يراد التعبير عنه عبر الصورة. كما أن المنفى سبب في استبعادي من المشهد الدرامي ومنعي من العمل في المجالات الفنية كممثلة ومخرجة وكاتبة سيناريو، استدعيا أن أوجد تعويضاً بالتفرغ للكتابة الروائية التي تشترط الوقت والحرية، لكونها لا تتكئ سوى على عالم وخيال الكاتب وبوح الكلمات السحرية في سرد وصياغة ما يراد التعبير عنه. لذا مكنتني الرواية بإعجاز صدق سردها من التعويض عن فضاء الصورة بتحليق مجازات الكلمات المحرضة لخيالات القراء إلى فضاءات أرحب، بما قد تعجز عدسة الكاميرا عن الإلمام بحدود انفلاتها عبر كادرها المؤطر برؤية المخرج فقط.
قدمت عدة أفلام وروايات أظهرت انحيازك للإنسان وللعدل، كم كان وقع هذه الأعمال عليك شخصيا؟
يكمن إعجاز الفن بقدرة تعبيره عن جوهر الإنسان وواقعه. وهذا ما شكل دافعي الأسمى لاحتراف الفن والكتابة. وما مر بحياة السوريين من فواجع وآلام لا يمكن لمبدع ادعاء تمثيله للواقع بالتعامي عنها وتهميشها. ثم ما أهمية الفن والروايات إن لم تكتسب مصداقيتيهما من التعبير الصادق عن الواقع وعكس قضايا المجتمع العادلة والتعبير عن جوهر الإنسان بفواجعه كما بأفراحه وأحلامه؟ حتى لو كان الإبداع خياليا فهو يستقي أرضيته من انعكاس الواقع عليه.
في كثير من رواياتك نستكشف حالات للشخصيات فيها الكثير من العزلة النفسية العميقة والجنون والخيبات المتكررة، كما تمتزج فيها السياسة بالوجود الفردي، وجلها تصوير مباشر للواقع السوري، إلى أي حد كان الجرح عميقا لدى الإنسان..؟
عمق الجراح السورية هي ما شكلت فعلاً جوهر موضوع رواياتي، بدءا من الأولى (مذكرات روح منحوسة)، التي محورها رحلة روح حرة طليقة، يدفعها تأطيرها ضمن جسد مقموع مرتهن للخوف في زمن الاستبداد إلى حافة الجنون. كذلك رواياتي الأخريات التي يختلف عالم كلٍ منها عن الأخرى، (كالجنون طليقاً) و(حاجز لكفن) و(غرق السلمون)، لكنها تشترك جميعها بصوغ هذا الجنون. وفي النهاية مهما ادعينا نبذنا للسياسة نجدها معشقة بتفاصيل حياتنا ولقمة عيشنا وحتى في أحلامنا، تنخر في جروحنا وتهتك روحنا كأسمى هدف لوجودنا قبل لقمة عيشنا.
*في روايتك "حاجز لكفن" تتفلت الأسئلة من عقالها لتطرح كثير من التساؤلات حول ما يحيط بالإنسان من حواجز، برأيك من يصنع هذه الحواجز السلطة أم الإنسان بذاته أم المجتمع..؟
من المفترض أن الإنسان بفطرته ولد ليكون حراً. لكن قد تكون المرأة مسلوبة الحقوق أصلاً، قانونياً واجتماعياً وأخلاقياً وسياسياً وحتى دينيا واقتصادياً وثقافياً. فهي الأكثر عرضة للتحكم بها. فتتحول حياتها إلى حواجز لا تنتهي من المجتمع والسياسة والرجل والذهنية الذكورية المتحكمة بمصير البنية الأخلاقية للجميع والقادرة على لبس لبوس الدين والتقنع به، ما يجعلها معرضة لسلسلة من الموت المستمر على حواجز لا تنتهي على مدى حياتها.
تكتبين هنا أيضا انتصاراً للمرأة كما في كل كتاباتك، للمرأة التي تعاني في المجتمعات، هل تريدين القول أنه يجب أن نلغي كل الحواجز أمام المرأة ونطلق لها العنان في مجتمع شرقي تبدو المرأة فيه رمزاً للغيرة والعفة، أم أنك تحاسبين المجتمع على ما يفعل بالمرأة..؟
حرية المرأة هي المدخل الأساسي لحرية الشعوب والأوطان، لكونها نصف المجتمع والمربية التي ستنشئ أبنائها على ما نشأت عليه من حرية أو استعباد. وبرأيي لا أمل من تحقيق أهداف أعظم دون إلغاء كل تلك الحواجز أمام المرأة ومساواتها بالرجل، الذي عليه بدوره توحيد طاقاته معها. لم تتحضر الدول الغربية وتتفوق علينا إلا حين ساوت بين بين المرأة والرجل وفعلت طاقات الجميع. فلم تُفرّض المعاناة على نسائنا من إلغاء دورها وحقوقها لصالح التفرقة بين الجنسين، أو تسلط طرف على الآخر لإلهاء الطرفين عن مواجهتها كعدو أول مسؤول عن خراب المجتمع وقمع حياتهما معاً.
*إلى أي حد تتداخل خبراتك الفنية في التمثيل والإخراج مع أسلوبك الروائي، وأيهما يستفيد من الآخر أكثر...؟
كل من المجالين يكمل الآخر، ولكل منهما جماله وغنى تعبيره عن الواقع بأشكال تلتقي وتتداخل وتختلف أحياناً، فالسينما الناطقة النابضة بالحركة والألوان، تحقق بإدارتي لعدسة الكاميرا كمخرجة إحياء المتخيل بشخوصه التمثيلية، تفترض تشكيل كوادر كلوحات بذائقة فنية عالية، تساهم في قدرتي على تجسيد شخصيات رواياتي بكل أبعادها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الذهنية، بتحليل وغوص في أعماقها عبرت عنه إحدى الروائيات الناقدات (فضيلة فاروق) ببرنامج عن روايتي (حاجز لكفن)، أن قدرتي التمثيلية والإخراجية أغنيا قدرتي على تقمص شخصيات رواياتي وشحنها بأعمق المشاعر الوجدانية المؤثرة. كما أن اختزال الأحداث والشخصيات بإيحاءات الصورة المكثفة الذي تعلمناه خلال دراستي للإخراج السينمائي في فرنسا، انعكس على الاختزال المجازي بلغتي. كذلك انعكس صوغي للإيقاع الموسيقي الدرامي مع إيقاع الشخصيات وتصاعد الأحداث والحبكة الدرامية لتتويج عقدته، تماماً كما تتوج عقدة الرواية وتصاعد حبكة بناء شخصياتها وأحداثها بما يتناسب مع هذا التوازن. والعكس صحيح أيضاً، فميولي الأدبية المعنية بالتعمق في إبراز عمق المشاعر الإنسانية وتفاصيل الحياة البشرية وخلق مزج بين عوالمهم الداخلية التخيلية بوقائع حياتهم اليومية، ساهمت في إغناء أدواتي كممثلة ومخرجة سينمائية. لكن الفرق بينهما هو أن السينما تتكئ على مجموعة كبيرة من المواهب الإبداعية، بعيداً عن بوح الكلمات التي لا يملك الراوي غيرها. مما يبقي للأدب مساحته الأوسع في التأمل الفردي وإطلاق أجنحة الخيال للكاتب كما للمتلقي بأبعادٍ جديدة حرة، تجعلنا نرى الفيلم المقتبس عن رواية هو قاصر بشكل أو بآخر عن الإلمام بكل غناها. لارتباطه بملايين المشاهدين وبالمنتج وشروط التوزيع. تحررت منهم في رواياتي التي كانت مكملا لعملي بالفن كممثلة ومخرجة وكاتبة سيناريو ورسامة. ثم باتت ملجأي وتعويضي التعبيري بعد منعي من العمل في الدراما.
*قدمت عدد من الأفلام للسينما ومنها فيلمك الأول الطويل (رؤى حالمة) وفيلمك الروائي "قتل معلن" الذين ترشحا لعدد من الجوائز العالمية هل تعتقدين أن السينما اكثر تأثيرا في إيصال الصوت من الدراما والرواية..؟
للسينما سحرها وتقنياتها القادرة على إيصالها إلى ملايين الناس، كجسر يربط العالم بكل أجناسه عبر ثقافة الصورة المرئية السمعية، القادرة على الانتشار والتأثير كأخطر سلاح مؤثر في العصر الحديث. وللرواية أيضاً سحر مجازاتها اللغوية، تختزل توريات الواقع والخيال معاً المطْلقِة لأجنحة الخيال كبساط ريح يطوف بنا في فضاءات لا متناهية الأبعاد. نحيا معها حيوات لشخصيات ووقائع لا تحصى. تطفو في فضاءات تتجاوز خيالات الكاتب إلى تحريض مخيلات القراء اللامحدودة، تجاوز قدرة الصورة عن الإلمام بكل ما تطفح به الروايات الإبداعية من خيالات لا حدود تؤطرها، كما تتأطر الصورة السينمائية الدرامية برؤية المخرج المحددة الأبعاد والإيحاء بمنظوره هو.. مهما أطلق جموح مخيليته. لكن المشكلة أن قراء الرواية محدودون في عالمنا العربي، لذا لا يمكنها التأثير بالأغلبية كما السينما والدراما عموما.
*ما دمنا في السينما نتحدث برأيك لماذا يتضاءل دور الفيلم والسينما بشكل عام، وكيف السبيل لتنشيط الفن السابع في ظل هذه الظروف المحيطة؟
ربما بسبب التكلفة الباهظة للسينما وبسبب تضاؤل الفرق بين الدراما والسينماً في عصرنا هذا لتطور تقنيات الديجيتال التلفزيونية ودمج السينما لوسائلها بها لرخصها وسهولة استخدامها وعرضها. ما استدعى العناية الفائقة بالكوادر وتقنيات التصوير والإخراج والإضاءة والأداء التلفزيوني أيضاً لينافس السينما ولا يقل إبهاراً وعناية في المضمون ومستوى جرأته وتجديده، لاسيما في ظل المنافسات الناتجة عن الفضاء المفتوح للبث ووجود المنصات تلغي العرض أو تغيره بكبسة زر إلى آخر تلفزيوني محلي أو عالمي مترجم أو مدبلج دون تكلفة كبيرة. بقي الفرق بينهما يتلخص في زمن اختزال القصص والحياة بفيلم قد لا يتجاوز الساعتين، يقدم بأجمل صورة تتحقق بفضل تطور تقنياتها وامتلاك الوقت المتاح لتحقيق أجمل تشكيل لها كإضاءة وتصوير وديكور وأزياء وأداء ممثلين وعمق الكادر ورؤية المخرج لميزانيته بأفضل اختيار لكوادره ممكن لها أن تعبر عن مضمون السيناريو المكتوب. بينما يمط نفس المضمون ليحقق مسلسل من ثلاثين ساعة تلفزيونية أو أكثر لتلبي شغف جمهور التلفزيون والاستحواذ على متابعته. بل أن المنافسة وهدف تحقيق الربح للمنتج التلفزيوني بات يفرض عليه الالتصاق بهموم الناس والمصداقية في طرح قضاياهم. فتمكنت من الاقتراب من قضايا وهموم الناس في المرحلة الأخيرة أكثر من السينما التي لا تصل إلا لعدد محدود بسورية وباتت مكلفة لدخلهم وسوقها محدود داخلياً، ويتمثل بصالات عرض مهترئة بالية، وخارجياً لا سوق يستقبلها سوى المهرجانات، لتداخل دور السياسة والاقتصاد في التأثير على دور الثقافات، وبالتالي انتشار الأفلام. والسينما تحتاج لتنشيطها مناخياً بخلق صندوق وطني لدعم السينما مستقل وموضوعي، ينهض بإنتاج نوعية مميزة من الأفلام ويجيد عرضها وتسويقها، بحيث يتوفر تكامل بين عناصر إنتاج السينما كأي صناعة أخرى، يفترض لنجاحها واستمراريتها توفر عناصر الإنتاج والعرض والتوزيع معا.
لنتحدث عن الدراما السورية وأعمالك فيها قدمت الكثير من الأعمال الدرامية المؤثرة، كيف تصفين هذا المشوار الفني، هل أخرجت الفنانة واحة كل ما في جعبتها أم هناك ما تنتظرينه لكي يخرج..؟
لم أخرج إلا القليل جداً مما بجعبتي رغم أن أعمالي الإخراجية على قلتها حصدت اهتماما من الجمهور والنقاد، كما رشحت للجوائز أو حصدتها في كل مرة قدمت فيها للمهرجانات. كذلك على مستوى التمثيل وكتابة السيناريو. والتحدي الأكبر ليس في الجمع بين مقدراتي الفنية، ولكن بمدى عرقلة المجتمع والعقلية الذكورية لنجاح أو تميز أي امرأة في مجتمع ذكوري. خاصة إذا كان لديها مبدأ خاص وتلتزم به، فستدفع الثمن أضعافاً عن الرجال لمنافستها لهم. لا يوجد سوى مخرجة واحدة لدينا واكبها حظوظ كبيرة لتحقق الاستمرارية، رغم أن كل المخرجات السوريات أثبتن كفاءتهن بكل عمل أخرجنه. وما تعرض له سيناريو فيلمي الروائي الطويل (رؤى حالمة) من عرقلة رقابية لكوني مؤلفته، رغم إشادات اللجان الفكرية وزملائي المخرجين بجودته وتميزه، إلى أن أبصر النور بعد عشر سنوات من الحروب ضده، لهو خير مثال على ذلك.
غالبا ما تأتي الأعمال الدرامية تصور الواقع المحبط والحزين وفيها الكثير مما يشوه الواقع إذا ليس كله هكذا بما يقدمونه من سوء، فهناك حالات بيضاء وجميلة أيضا تستحق الوقوف عندها، هل توافقيني الرأي في هذه النقطة...؟
مصداقية تصوير الواقع في الدراما هي المعيار الحقيقي لتميز العمل وتأثر الناس به، وواقعنا للأسف محبط وحزين بالكثير من مناحيه، لكن إغراقنا وإغراق الدراما برؤية وجه واحد للواقع يفقدها مصداقيتها أيضاً، لأن الواقع دائماً هو أكثر غنى من محدودية تأطيره بوجه واحد سلبي أو إيجابي. فهو غني بالأثنين معاً وكما يقال: يوم حلو ويوم مر، ولا يستوي العمل الفني ويحقق تمثيله للواقع إن اكتفى بجانب على حساب الآخر، إن كان سلباً أو إيجاباً.
كيف ترين العلاقة بين الواقع الذي تعيشه سوريا وبين الحاجة لإنتاج فن إبداعي يتجاوز الألم، ويبني المجتمع والإنسان؟
أرى أن دور النخب المثقفة والفنية الإبداعية يجب أن يتضاعف كما أن النقد البناء هو المنارة التي استرشدت بها الدول المتحضرة لتطورها وتحضرها. وهذا يعني أن يحقق الإبداع مصداقية بالتعبير عن الواقع بملامسة الجراح وعدم التعامي عنها، لكن دون الانغماس في عكس الألم وحده واجترار النكبات. فالأدب والفنون يساهمان في إعادة تشكيل الوعي النوعي لتحقيق التراكم الكمي المغير للواقع. ودورهما ريادي في إعادة إحياء الحلم السوري المشترك وإعادة بناء اللحمة الداخلية وتشكيل الذاكرة والهوية الثقافية الحضارية لأي شعب يقاس أولاً من إبداعاته. وذلك لشدة تأثير تواصل البشر مع الكلمة المبدعة وحرارة تجسيدها لأحلامهم كما لهمومهم عبر الخيال المستمد من الواقع. وهذا لن يكون مجدياً دون الاستثمار أولاً بالإنسان المبدع الحر كأعظم قيمة بالوجود، وليس حصر مهام إبداعه بالترفيه.
في الآونة الأخيرة اتجه عدد من الفنانين إلى كتابة الروايات والقصص، هل أصبحت موضة كما حدث في السابق عندما اتجهوا لتقديم البرامج، بماذا تفسرين هذا التوجه؟
الفنون تكمل بعضها البعض، ولا أرى ضيراً في تجريب المبدعين لإبداعاتهم بأي مجال إبداعي مكمل، وموهبته وحدها هي الجديرة بالقياس في أي مجال يمكن له أن يكمل إبداعه.
ماهي مشاريعك الجديدة على الصعيد الفني والثقافي..؟
لدي عرض كممثلة لا أحبذ الكلام عنه قبل بدء تحقيقه، كما أني منغمسة بكتابة روايتي الخامسة، وسأسعى لإيجاد إنتاج لأخرج روايتي (غرق السلمون) و (الجنون طليقاً) كعمل سينمائي أو درامي، لكثرة شهادات القراء والنقاد الذين يرونهما جديرتان بالتجسد على الشاشات، بقدر تجسيدهما للواقع السوري، وبقدر ما يحملانه من صراع درامي مشوق. رواياتي هي مشاريع سينمائية مؤجلة، وهو ما نوه عنه عدة نقاد إلى كون رواياتي تنبئ بخلفيتي السينمائية، كرواياتي الثانية (الجنون طليقا) فقد كتب عن استحقاق تحويلها إلى فيلم أو عمل درامي لقوة المشهدية السينمائية وتشويق الأحداث فيها، كما أن الناقد علاء الرشيدي الذي اعتبرها رواية بوليسية نفسية بأبعاد سياسية واجتماعية متعلقة بالتجربة السورية تميزها عن الأدب البوليسي العربي والرواية السوداء في الأدب الأميركي، مشبهاً إياها بعدة أعمال عالمية، كرواية (الطيران فوق عش الوقواق) لكين كيسي التي تحولت إلى سينما، وفيلم (بيرسونا) لأنغمار بيرغمان، كما رأى أن تقاطع شخصيات الرواية المريضات نفسياً مع شخصية تنكر في مسرحية (تطهير) و (المختلين السبعة) لمارتن ماكدونه، كما شبه تلخيصي لعالم الرواية واختياري لعنوانها هذا لكون العقل والجنون باتا في عالمنا المعاصر على حافة واحدة، بمقولة (لميشيل فوكو) بتعريفه للجنون والعقل أنهما خضعا لمعايير نسبية بين العصر والآخر في تاريخ البشرية. وذلك في كتابه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي). كذلك بقية روايتي، وخاصة الأخيرة (غرق السلمون) التي قيمت من ضمن أكثر 11 رواية يجب قراءتها لفهم التجربة السورية، وتعكس تحولاتها على مدى قرن بربط بين العام والخاص، بحفر عميق يفكك بنية المجتمع.
ماهي اصعب تجربة مرت بها واحة الراهب في مشوارها الفني..؟
كانت في صراعي لمدة حوالي عشر سنوات لتحقيق فيلمي السينمائي الروائي الطويل (رؤى حالمة) خضت خلالها حروباً صحفية ضد مؤسسة السينما وزملاء مخرجين كانوا أصدقاء لي، ولم يتحملوا منافسة امرأة لهم في مجال الإخراج، إذ كنت أول مخرجة لفيلم روائي طويل في تلك المؤسسة تنافسهم على ما يعتبرونه احتكاراً لهم.