أفقت هذا الصباح على تصريح متداول لمؤسس شركة أمازون جيف بيزوس Jeff Bezos، يُجادل فيه بأن الاستهلاك البشري للماء قد يُعرقل نمو صناعة الذكاء الاصطناعي التي تحتاج مراكز بياناتها لاستهلاك كميات هائلة من المياه للتبريد (يستهلك مركز بيانات نموذجي حوالي 1-3 ملايين لتر من المياه يومياً).
ثار الناس بالطبع ضد هذه الدعوة لتقديم عطش الذكاء الاصطناعي المسعور على الحاجات البشرية في عالم يُعاني بالأساس من شح المصادر المائية.
بالطبع، أول ما خطر ببالي هو العودة للتسجيل أو البث الأصلي للمناسبة (ڤيڤا تيك VivaTech 2026) التي جرى فيها النقاش.
كانت النتائج الأولى في محرك البحث تحمل عناوين تؤكد أن التصريح المنسوب لبيزوس غير صحيح، وأن الرجل لم يتفوه بشيء كهذا.
لكن النقاش حول الاستهلاك المُفرط للمياه في هذه الصناعة حدث بالفعل خلال المؤتمر، ولبيزوس رأي فيه. دعونا نرى ما قال رجل الأعمال تحديداً ونفكك حجته.
يبدو أن الرجل (وهنا أعتمد على تقرير مفصل نُشر على نيو إنديان إكسبريس New Indian Express) كان يُجادل بأن الذكاء الاصطناعي ليس استثناءً، وأن المغالاة في استهلاك المياه تنطبق على مجمل مناحِ الحياة المعاصرة: الزراعة، الصناعة، البنية الأساسية الحضرية والمساكن. ويُجادل بأن استهلاك مراكز البيانات ضئيل إذا ما قُرِن بمجمل الاستهلاك عبر الأنشطة البشرية المختلفة. بل ويُجادل بأن الذكاء الاصطناعي يأتي بإمكانيات قد تُسهم في جعل الاستهلاك في الأنشطة الأخرى أكثر فعالية، ما يعني في النهاية مساهمته في حفظ موارد المياه.
والآن لنتأمل في هذه الحجة ونُفككها.
أولاً، وضع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في سياق الأنشطة البشرية الأخرى دون الممايزة بين الضروري منها وغير الضروري؛ فكيف يُمكن المقارنة بين الاستهلاك الزراعي أو الاستهلاك الفردي في البيوت وبين تقنية تُسهل عملنا المكتبي (وهذا ما تفعله في أحسن الأحوال). إذا ما خُيرتُ بين إمكانية الاستحمام يومياً، أو إجراء محادثة مع شات جي بي تي آخر الليل، فلا أظن أنني سأحتار.
ثانياً، افتراض أن هذه التكنولوجيا تُستخدم لأغراض حميدة حصراً؛ إذ يُمكن القول إن تشجير المدن يستهلك الكثير من المياه، وإنه ليس ضروريًا كالشرب أو إنتاج القمح، وهذا صحيح تماماً، لكن يبقى أن التشجير يعني أن تتنفس هواءً نظيفاً في المدن، يعني خفض درجات الحرارة وبالتالي الحاجة للتبريد، وغيرها من المنافع التي لا يُمكن إلا أن تكون حميدة.
بالمقابل، تُوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحروب والإبادات، في الرقابة، تُهدد الخصوصية، الصحة النفسية، تؤدي لفقدان الناس لوظائفهم ومصادر رزقهم، إلى نهاية القائمة من الأضرار البشرية والبيئية.
ثالثاً، تهديد الأمن المائي فعلي وقائم، بينما الحلول الذكية التي يُروج بأنها ستُسهم في تقليل استهلاك المياه مجرد حلول محتملة قد تظهر في وقت ما إذا ما واصلنا الاستثمار في هذه التقنية.
هذه الرؤية تُراهن على وجود حل لكنها لا تضمنه، وهي تتجاهل تماماً محدودية مصادر الأرض، وبأنها مهددة بالنفاد عبر هذه المغامرة الطائشة نحو إيجاد الحل السحري.
والشركات الأمريكية بالطبع واعية لذلك، ولهذا نراها تُصدّر المشكلة خارج حدودها.
يُحذر نشطاء البيئة في الهند وغيرها من أن قطاعي الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية - اللذين يشهدان نمواً سريعاً في البلاد - ستفاقم أزمة نقص المياه القائمة فعلياً. فوق هذا يُصاحب إنشاء المراكز عملية استيلاء على الأراضي الزراعية أو المشاعات.
يُركز حديث الأثرياء المتحمسين للذكاء الاصطناعي في الغالب على حجج مجردة، في خلط متعمد بين النتائج العالمية والتأثيرات المحلية.
الواقع أن مصادر المياه لا تتوزع بشكل متساوٍ عبر الأرض، وأن موقع إنشاء مركز ما له تبعات مباشرة على المجتمعات المحلية ومعيشتها.
تشغيل المراكز عملية تتطلب الكثير من الكهرباء والمياه، ينعكس هذا مباشرة على ارتفاع أسعار الطاقة والمياه في أماكن إنشائها.
تُعادل الطاقة التي يحتاجها تشغيل مركز واحد ما تستهلكه آلاف البيوت، ويُعادل استهلاكها من المياه حاجة 700 ألف فرد تقريبًا.
رابعاً، افتراض أن الهدف الأسمى لهذه التقنيات هو إيجاد حلول للمشاكل البشرية، والواقع أن الابتكارات التقنية اليوم لا تسعى لصناعة مستقبل أفضل، بل لصناعة مستقبل أفضل للبعض، مدهورة في طريقها مستقبل الأقل حظاً. قليل من الجهد يُوضع في سبيل توظيف التقنية لحل أزمة المياه، مقابل الأدوات اللانهائية التي تُطور لنتمكن من - مثلاً - توليد صورة لنرى ما سنبدو عليه حين نشيخ.
إنهم يُراهنون على منافع محتملة، لكن لمن، وهذه الفعالية لأجل ماذا؟ الواقع أن تقييماً سريعاً يُمكن أن يكشف لنا مدى الضرر الذي تصنعه تطبيقات هذه التقنية مقابل ما تمنحه في سبيل حل أزماتنا.
خامساً، يختلف الاستهلاك المائي للتبريد في مراكز البيانات عن طبيعة الاستهلاك في كثير من الأنشطة الأخرى. إنك تسقي فتعود المياه للأرض، ولكن التبريد يهدر المياه؛ فالجزء الذي لا يتبخر منه لحظياً في العملية، غير قابل للاستخدام نتيجة المعالجة الكيميائية.
نظرياً، ثمة طرق لتدوير المياه المستخدمة في مراكز البيانات وإعادة استخدامها في سبيل تقليل الاستهلاك، وحلول مقترحة لاستخدام مياه الصرف الصحي كبديل لمياه الشرب، غير أن هذا ليس شائعاً بعد، ربما نتيجة ارتفاع كُلفة التشغيل لحد لا يُحقق فيها المركز أرباحاً. النتيجة النهائية هو أن غالبية مراكز البيانات اليوم قائمة على الهدر.
خلاصة القول، إن الناس محقون في ثورتهم ضد طرح بيزوس؛ فهو وإن لم يقل حرفياً بأن علينا منح الأولوية لصناعة البيانات والذكاء الاصطناعي، إلا أن ما تفعله هذه الصناعة هو بالضبط تقديم حاجة الآلة على الحاجة البشرية المباشرة للماء في كوكب محدود الموارد.
نوف السعيدي كاتبة عمانية مهتمة بفلسفة العلوم