بداية لإزالة اللبس، فإن مؤشر التنافسية العالمية المحدد بوثيقة رؤية عمان يصدر عن المنتدى الاقتصادي، ولكنه توقف منذ سنوات، أما مؤشر التنافسية العالمية الذي نحن بصدد الحديث عنه - الذي يأخذ نفس المسمى - يصدر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، ومقره سويسرا المعروف اختصارا (IMD)، وللعلم، فإن سلطنة عُمان انضمت لهذا المؤشر العام الماضي، على الرغم من أن المؤشر يصدر منذ ثمانية وثلاثين عاما.
هذا العام حصلت سلطنة عُمان على ترتيب متقدم في مؤشر التنافسية بحصولها للمرتبة (25) عالميا، مرتفعة ثلاث مراتب عن العام الماضي، وأيضا حصولها على الدرجة (71.7) من (100)، وهي الدرجة الكلية التي على أساسها يُحدد ترتيب الدول المنضمة للمؤشر، والتي يبلغ عددها سبعين دولة تتنافس سنويا في الحصول على صدارة الترتيب. مما يلفت الأنظار، فإن هناك سبع دول عربية استطاعت الانضمام للمؤشر، وهي جميع الدول الخليجية الست بالإضافة إلى الأردن. تصدرت دول الخليج العربية المراتب العليا، على سبيل المثال، حصلت دولة الإمارات العربية المتحدة على الترتيب الخامس عالميا، والأولى خليجيا.
مدير المعهد الدولي للتنمية الإدارية في تقديمه لتقرير التنافسية يرى بأن الذي يجعل اقتصاد دولة ما يتميز بالتنافسية العالمية، ليس مقتصرا على حجم الناتج المحلي الإجمالي أو حجم الدولة وتقدمها العلمي، ولكن هناك مجموعة من المؤشرات التقييمية المعقدة ذات الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما يتعلق بالعدالة وسيادة القانون. ولهذا فإن مؤشر التنافسية تُجمع بياناته من خلال تقييم أربع ركائز رئيسة تتضمن مجموعة كبيرة من المؤشرات والمعايير الفرعية يصل عددها إلى (330) معيارا.
هذه البيانات تُجمع بناء على بيانات تاريخية يُحصل عليها باتباع منهجيات متعددة، وبالتنسيق مع شبكة واسعة من المؤسسات بالدول الخاضعة للتقييم، وأيضا بناء على استبيانات آراء عددا من الرؤساء التنفيذيين. هذا الكم من البيانات والأرقام لتحديد ترتيب تنافسية سبعين دولة على مستوى العالم قد يبعد قليلا الشبهات عن تحيز مؤسسات التقييم الدولية.
عند قراءة نتائج هذا العام، نجد بأن دولا على سبيل المثال، هونج كونج وتايوان حلتا في الترتيب الثاني والرابع عالميا لتتجاوز أقوى اقتصاديات العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية والصين، واللتان جاءتا في الترتيب العاشر والثاني عشر عالميا. كما أن المراتب المتقدمة التي حصلت عليها بعض من دول الخليج العربية، وهو الترتيب الخامس، والحادي عشر، والثالث عشر، أيضا يعطي نوعا من المصداقية لنتائج مؤشر التنافسية.
ولعل القائلين بأن هناك تشكيلا جديدا في الشرق الأوسط بدأ يظهر في إزاحة هيمنة الكيان الصهيوني للأحداث الاقتصادية والسياسية لمصلحة الدول التي تؤمن بالسلام والأمن والاستقرار الجماعي يعد قولا مقبولا، إذا ما نظرنا إلى التغيير الجذري في ترتيب الكيان الإسرائيلي، والذي كان غالبا في صدارة المؤشرات الاقتصادية، لنجده اليوم لا وجود له ضمن قائمة السبعين دولة في مؤشر التنافسية العالمية لهذا العام، على الرغم من هيمنته على الكثير من مؤسسات التقييم الدولية. ولعل السبب يكمن في التدهور الاقتصادي، وارتفاع معدلات التضخم والآثار السياسية من استمرار العدوان على شعوب المنطقة.
مؤشر التنافسية يتكون من أربع ركائز رئيسة، وهي: الأداء الاقتصادي، والكفاءة الحكومية، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية. كل ركيزة تتكون من خمسة مؤشرات فرعية، وسوف نستعرض أعلى وأقل مؤشرين بكل ركيزة. بالنسبة للركيزة الأولى، وهي الأداء الاقتصادي، والتي تقيس تقييم الاقتصاد الكلي للاقتصاد المحلي، واتجاهات التوظيف والتشغيل والأسعار، فقد حصلت سلطنة عُمان على الترتيب السابع والأربعين عالميا في هذه الركيزة.
وبالنسبة للمؤشرات فقد جاء مؤشر الأسعار في الترتيب التاسع عالميا. هذه المرتبة تعتبر ميزة تنافسية لتنشيط قطاع السياحة على المستوى الوطني. هذا المؤشر يقيس معدلات التضخم للمستهلكين وتكلفة السكن وإيجارات الشقق في المدن الكبيرة، وإيجار المكاتب وتكلفة المعيشة.
في الجانب الآخر في مؤشر التجارة العالمية حصلت سلطنة عُمان على المرتبة الثالثة والستين، وهذا يعتبر أدنى ترتيب تحصل عليه قياسا بجميع المؤشرات العشرين المضمنة بالركائز الأربع. هذا المؤشر يتضمن معدلات الناتج المحلي الإجمالي، الميزان التجاري، ومعدل ونسب الصادرات والواردات للبضائع والخدمات.
في الركيزة الثانية، وهي الكفاءة الحكومية، فهي تقيس مدى إسهام السياسات الحكومية في تعزيز القدرة التنافسية، فقد حصلت سلطنة عُمان على الترتيب الخامس عشر عالميا، هذا قد يعكس التأثير الإيجابي لسياسات إعادة الهيكلة في القطاعات الحكومية التي تُراجع بشكل دوري، والتي تهدف لتحسين مستوى أداء الوحدات الحكومية. المؤشر الأعلى في هذه الركيزة يتعلق بالسياسات الضريبية، فجاء في الترتيب السادس عالميا. وقد يكون العامل الحاسم عدم وجود ضريبة مباشرة على دخل الأفراد حتى الآن مما رفع من الميزة التنافسية لهذا المؤشر.
في المقابل، أدنى ترتيب كان في مؤشر الإطار المجتمعي، وهو الترتيب التاسع والأربعون عالميا. ونرى بأن ذلك الترتيب لا يعطي صورة دقيقة بالمقارنة مع الترتيب المتقدم الذي حصلت عليه سلطنة عُمان العام الماضي، في مؤشر جودة الحياة.
بالنسبة لركيزة كفاءة الأعمال التي تقيس مدى تشجيع البيئة الوطنية المؤسسات بأن تعمل بطريقة مريحة ومسؤولة تؤدي للربحية، حصلت سلطنة عُمان على الترتيب الثامن عشر عالميا في تلك الركيزة. بالنسبة للمؤشرات، كان في الترتيب الأعلى مؤشر الممارسات الإدارية حيث حل في المرتبة الثالثة عشرة عالميا. يقيس هذا المؤشر، جوانب تتعلق برشاقة الشركات ومجالس الإدارات وريادة الأعمال وسرعة الاستجابة للفرص والمخاطر في سوق العمل، وإسهام المرأة في الإدارة.
في الجانب الآخر فإنها حصلت في مؤشر الإنتاجية والكفاءة على ترتيب متأخر وهو الأربعون عالميا. يقيس هذا المؤشر مدى التقدم في إنتاجية الموظف، وإنتاجية قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات والشركات الكبرى والمتوسطة والصغيرة. ولذلك، نرى بأن مجلس التنسيق الاقتصادي الذي أُعلن عنه مؤخرا، قد يكون له دور محوري في النهوض برفع مستوى الكفاءة والإنتاجية في قطاعات العمل المختلفة.
الركيزة الرابعة، وهي البنية التحتية، وهي تقيس مدى القدرة على تلبية الموارد الأساسية والتكنولوجية والعلمية والبشرية التي يحتاجها العمل، فقد حلت هذه الركيزة في الترتيب التاسع والثلاثين عالميا. بالنسبة للمؤشر الذي حصل على أعلى تقييم يتعلق بالبنية التكنولوجية، وكان التاسع عالميا، هذه النتيجة الجيدة تتوافق مع التسارع في الاستثمار في قطاع الاتصالات والهاتف المحمول وتكلفته والأمن السيبراني وإمكانية المجتمع من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
ولكن في المقابل فإن مؤشر البنية التحتية العلمية جاء في الترتيب الرابع والخمسين عالميا. الجوانب التي أثرت على ذلك قد يكون ضعف ميزانيات ومصروفات البحث العلمي والتطوير وتأهيل الباحثين العاملين بشكل دائم، والمقالات العلمية، ونشر براءات الاختراع. ذلك الترتيب يعكس التوجه الصحيح للحكومة نحو إعادة فصل البحث العلمي والابتكار عن منظومة الوزارات بهدف تفعيل كل ما يتعلق بالبحث العلمي. ولكن ذلك التفعيل ينبغي أن يُدعم بتوفير الموارد المالية والبشرية لتعزيز مستوى البحث العلمي والتطوير على مستوى الباحثين الأفراد والمؤسسات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص.
ترتيب متميز لسلطنة عُمان بوصولها المرتبة الخامسة والعشرين عالميا في مؤشر التنافسية العالمية، على الرغم من حداثة دخولها في هذا المؤشر، الأمر الذي يبعث على الأمل بأن هناك مجالا للتحسين في السنوات القادمة. مع ذلك، تبقى الحاجة إلى إعادة النظر في بعض مؤشرات رؤية «عُمان 2040»، وذلك بعد مرور خمسة أعوام من انطلاقها لمعرفة المؤشرات التي تحتاج إلى تحديث وتطوير. كما لا ينتهي الأمر بالوصول إلى مراتب متقدمة في أغلب ركائز ومؤشرات التنافسية العالمية، ولكن مدى انعكاسها على واقع القطاعات الإنتاجية والاقتصادية والمالية، وأهمها الجوانب الاجتماعية لمعيشة ورفاهية المواطنين.
د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس