في المعركة العالمية ضد تغيّر المناخ، لم يكن هناك أي نقص في الأهداف والتعهدات. لكن الناس، في نهاية المطاف، يقيسون التقدم ويحكمون عليه من خلال ما يلمسونه في حياتهم اليومية. ولا يوجد مكان تتجلى فيه آثار العمل المناخي بصورة أكثر وضوحًا وملموسية من مدن العالم. 

يدرك رؤساء البلديات أن التدابير نفسها التي تُخفض انبعاثات غازات الدفيئة وتعزز القدرة على التكيّف مع تغيّر المناخ، تُحسّن أيضًا حياة الناس اليومية. فالمنازل الموفّرة للطاقة تخفّض فواتير الأسر. 

كما أن زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة تقلّل من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد ومن التعرّض لتقلبات أسعار النفط والغاز وارتفاعاتها المفاجئة. ويوفّر تحسين وسائل النقل العام وتطوير بنية تحتية أكثر أمانًا لركوب الدراجات خيارات تنقّل أقل كلفة وأكثر صحة داخل المجتمعات المحلية. كذلك تسهم الأشجار والمساحات الخضراء في تحسين جودة الهواء، وتلطيف حرارة الأحياء، وجعل المدن أماكن أكثر راحة وجاذبية للعيش. 

لكن العمل المناخي لا يقتصر على الحد من الانبعاثات؛ فهو يتعلق أيضًا بحماية الناس من الآثار الملموسة بالفعل لكوكب آخذ في الاحترار. فموجات الحر والفيضانات والجفاف والظواهر الجوية المتطرفة أصبحت أكثر تكرارًا وأشد وطأة. وتجد المدن وسكانها أنفسهم، بصورة متزايدة، في الخطوط الأمامية لمواجهة هذه التحديات. 

ولهذا السبب، فإن التصدي لتغيّر المناخ يتطلب السعي إلى التكيّف جنبًا إلى جنب مع جهود التخفيف من آثاره. 

في مختلف أنحاء العالم، يعمل القادة المحليون على تكييف المدارس والمستشفيات ودور رعاية المسنين والأماكن العامة لحماية المواطنين من موجات الحر الشديدة وغيرها من المخاطر المناخية. 

ويمكن لأنظمة التظليل، والأسطح الخضراء، وحلول التبريد الطبيعية أن تعزز بصورة كبيرة قدرة المدن على الصمود في مواجهة ارتفاع درجات الحرارة، وغالبًا ما يكون الأطفال وكبار السن وغيرهم من الفئات الأكثر هشاشة هم الأكثر استفادة من هذه التدابير. 

إن الجمع بين تدابير التكيّف وكفاءة استخدام الطاقة يمكن أن ينقذ الأرواح، ويحسّن جودة الحياة، ويخفض تكاليف الطاقة. كما أن هذه الاستثمارات الخضراء تجذب الكفاءات والابتكار والاستثمارات الخاصة، مما يجعل العمل المناخي فرصةً اقتصادية بقدر ما هو ضرورة بيئية. 

ولسنوات عديدة، دأب رؤساء البلديات على ترجمة هذه المبادئ إلى إجراءات عملية على أرض الواقع. ونتيجة لذلك، انخفضت انبعاثات غازات الدفيئة في العديد من أكبر مدن العالم، حتى مع استمرار نمو عدد سكانها. وعلاوة على ذلك، تتعاون المدن، بمختلف أحجامها وفي شتى المناطق، لتسريع وتيرة التقدم الذي حققته كل منها على حدة. على مدى العقد الماضي، نما العهد العالمي لرؤساء البلديات للمناخ والطاقة (GCoM) ليصبح تحالفًا يضم أكثر من 14 ألف مدينة وحكومة محلية في 150 دولة، ويمثل أكثر من مليار نسمة. وقد تبنّت العديد من المدن الأعضاء أهدافًا مناخية أكثر طموحًا من تلك التي وضعتها حكوماتها الوطنية، وهي تسير على الطريق الصحيح لتحقيقها بوتيرة أسرع. 

ومع ذلك، يمكن للمدن أن تتحرك بوتيرة أسرع وأن تحقق إنجازات أكبر إذا حظيت بمزيد من الدعم. فهي تحتاج، على وجه الخصوص، إلى خبرات فنية متخصصة وإلى إمكانية أفضل للوصول إلى التمويل. فما زالت العديد من السلطات المحلية تفتقر إلى الموارد اللازمة لتحديد المشروعات المناخية وتطويرها وتنفيذها بالحجم المطلوب. 

ويمكن للشراكات أن تسهم في تلبية هذه الاحتياجات. فـصندوق سد فجوة تمويل المناخ للمدن، المدعوم من العهد العالمي لرؤساء البلديات للمناخ والطاقة والبنك الدولي، يساعد بالفعل المدن على إعداد مشروعات قادرة على جذب الاستثمارات وتحقيق فوائد ملموسة لسكانها. 

وخلال السنوات القليلة الماضية، قدّم الصندوق الدعم لأكثر من 1400 مدينة، مما مكّنها من تحويل طموحاتها المناخية إلى إجراءات عملية على أرض الواقع. 

والآن، يعمل العهد العالمي لرؤساء البلديات للمناخ والطاقة (GCoM)، وC40 – وهي شبكة تضم أكبر مدن العالم الملتزمة بمواجهة تغيّر المناخ – والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على البناء فوق ما تحقق من إنجازات من خلال شراكة جديدة تهدف إلى مساعدة المدن على توسيع نطاق مشروعاتها المناخية عبر تقديم الدعم الفني والمالي. وستركز هذه المبادرة إلى حدٍّ كبير على المناطق التي تتسع فيها الفجوة بين الطموحات المناخية والموارد المتاحة لتحقيقها. 

وأصبحت الحكومات الوطنية تدرك بصورة متزايدة الدور المحوري الذي يمكن للمدن أن تؤديه في دفع عجلة التقدم في مواجهة تغيّر المناخ. ورغم أن هذا التوجه يحمل الكثير من الوعود، فإنه ينبغي أن يكون مجرد بداية. فرؤساء البلديات وقادة المدن يدركون أكثر من غيرهم أن أنجح السياسات المناخية هي تلك التي يراها الناس ويلمسون آثارها في حياتهم اليومية: هواء أنظف، وشوارع أكثر أمانًا، وفواتير طاقة أقل، ومنازل أكثر صحة، وحماية أفضل من الظواهر الجوية المتطرفة. 

ومع توافر الدعم المناسب، تستطيع المدن أن تواصل حماية السكان، وتعزيز قدرتها على الصمود، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق نمو مستدام. والأهم من ذلك، أن المدن قادرة على الاضطلاع بدور قيادي مؤثر من خلال إظهار أن العمل المناخي ليس عبئًا يُثقل كاهل المجتمعات، بل فرصة لبناء حياة أفضل ومجتمعات أكثر حيوية وازدهارًا للجميع. 

 مايكل ر. بلومبرج رئيس بلدية مدينة نيويورك السابق، والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالطموح المناخي والحلول والرئيس المشارك للميثاق العالمي لرؤساء البلديات من أجل المناخ والطاقة. 

 تيريزا ريبيرا نائبة الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية من أجل انتقال نظيف وعادل وتنافسي، والرئيسة المشاركة للميثاق العالمي لرؤساء البلديات من أجل المناخ والطاقة.