شياو هاي / ترجمة - أحمد شافعي

على أرضية العنبر فائقة النظافة

ليس الهواء الذي تتنفسه سوى منتج آخر

جالسا إلى خط الإنتاج،

مرتديا الخاتم المضاد للكهرباء الساكنة

تزفر رائحة الصدأ المقيتة

وتستبقي نسمة الصيف

فتنتعش

وبداخلك نخاعٌ مصنَّع

وهلال أسرة تانج.

*

سرت في عنبر الإنتاج في الثانية صباحا، عابرا بالعمال في أرديتهم المقاومة للغبار، وقبعاتهم المقاومة للغبار، وقفازاتهم وأقنعتهم المقاومات للكهرباء الساكنة. بدا المكان سرياليا، فكأننا كائنات كافكاوية لا يمكن أن تنعم بدقيقة راحة، وإن لم يفهم أحد مطلقا لماذا ينبغي أن نعمل بكل هذه الجدية. كان عنبر الإنتاج شبكة عنكبوت لا حدود لها ونحن واقعون في شركها بلا حيلة.

كنا آنذاك في صيف 2015. وقد حططت الرحال مرة أخرى في وظيفة جديدة، هذه المرة في مصنع (بي أوه إي) للإلكترونيات. وزَّعوني على غرفة نظيفة شبه أوتوماتيكية، حيث كان فريقي يصنع الشاشات لأحد أفضل شركات الهواتف مبيعا في العالم. وكان دوري هو تلميع الشاشات بقماشة من الميكروفيبر مغموسة في الكحول الطبي إلى أن تصبح مكتملة النظافة. فلعل شاشة المحمول الذي في يدك أنتجت في ذلك المصنع خلال نوبة الثالثة صباحا. كان العالم كله يعتمد على عملنا، ولم يكن أيٌّ منا يشعر بأي إحساس بالإنجاز. كنا جميعا نلتف بإحكام في زينا الموحد، فلا تظهر منا إلا الأعين. ما من ابتسام أو عبوس أو تغير في حرارة الجسم. بل إنني ما كنت لأعلم إن كان جيراني في موقع العمل رجالا أم نساء. وخلال الشهر الأول لي في العمل فشلت في مقابلة أي شخص عدا أعضاء فريقي في العمل وزملائي في السكن.

عندما التحقت بمصنع (بي أوه إي)، قلت لنفسي إنني لن أعود إلى الكتابة وأنا في نوبة العمل، ولفترة تمكنت من الوفاء بذلك. كنت أكتب أبياتا قليلة في طريقي صباحا إلى العمل، ولا أزيد. فمضى عليّ شهر ولم أكتب قصيدة. وليس الأمر أنني كنت أفتقر إلى الأفكار، لكن فور أن كانت تدار الآلات لم أكن أجد وقتا أو فراغ بال لأفكر، ناهيكم بأن أتناول قلم الرصاص لأدون الكلمات. كنت من قبل في مصنع الملابس أحصل على أجري بناء على عدد القطع التي أصنعها، فكان أسوأ ما يمكن أن يقع لي إن توقفت لكتابة قصيدة هو أن أجني قدرا أقل من اليوانات في اليوم. أما مصنع (بي أوه إي) فكان مختلفا، إذ كانوا يحملوننا على العمل الجاد، ويخضعوننا للرقابة طيلة الوقت. والسيور الناقلة تدور، فإن مرَّ منتج غير مكتمل بمحطة عملك فعليك أن تلتقطه وتصلحه. ومن يتخلف يلحظه رئيس الفريق على الفور. وكان المديرون لا يفتأون يقولون لنا «حرِّكوا هذه الأيدي. لا تفقدوا تركيزكم. لا تنسوا هدفنا الإنتاجي في هذه الليلة». وكدأبها كانت الأفكار تنتفخ في قلبي ولا أملك أن أدونها على الورق خلال ساعات العمل بينما رؤساء الفرق دائمو التفتيش.

وفوق العنبر، كان الرؤساء الكبار يحددون أهدافنا الإنتاجية كل يوم، كعادتهم. كانت نوبتي تقع بين الثامنة مساء والثامنة صباحا. ولحظة أن كنت وزملائي نصل ونلبس ثيابنا المضادة للغبار، كنا نفقد ملكيتنا لأجسامنا. تصبح دماؤنا وعضلاتنا أجزاء من الآلات، فحينما نضغط أزرار تشغيلها نضغط أزرار تشغلينا أيضا. وكانت استراحات دخول المراحيض محددة المواقيت بدقة. وإن لم نحقق الهدف الإنتاجي؟ وقت إضافي بلا أجر.

*

حدث بعد رأس السنة القمرية في 2014 أن قررت نهائيا الرحيل عن [مدينة] سوتشو برفقة صديقين تعرفت إليهما في السكن هما سونج تشانجتي ويانج لي. انتقلنا نحن الثلاثة إلى مصنع أنسجة في مدينة تشانجشو المجاورة. كنا قد سمعنا أن مصنعنا الجديد يقدم أجرا أكبر كثيرا، وذلك ما كان. لفترة شهدت الحياة تحسنا ملحوظا، بل لقد توافر لي وقت كاف لأتعلم التدخين. ففي استراحات الغداء، كنت وزملائي الجدد نجتمع عند البوابة الأمامية لنثرثر ونستمتع بسجائر قليلة. بلغ الكرم بأحدهم أنه كان يشركني في علبته، واكتشفت أن التبغ يخفف من توتري ويذيب أوجاعي. قبل ذلك لم أكن أشتري السجائر إلا للوسطاء الذين يقترحون عليَّ العرائس أو لأسر العرائس المقترحات. ولم أكن أضيع النقود على التدخين. لكنني في تشانجشو تعلمت أن التدخين فعل تأملٍ ونسيان. وكانت بضع زهرات عباد الشمس تنمو في الجهة المقابلة من الشارع، فكنت أستمتع بمشاهدتها كل يوم حينما أخرج للتدخين مع زملائي. فأشاهدها وهي تزداد طولا، وتنبت لها تيجان مليئة بالبذور تجتذب أسرابا من النحل.

ذات يوم أعطيت هاتفي لأحد زملاء العمل وطلبت منه أن يلتقط لي صورة بجوار جدار المصنع الرخامي. جودة الصورة متواضعة للغاية، لكنها صورتي الأولى مع مبنى المصنع منذ أن انتقلت إلى الجنوب. بصعوبة يمكن أن أقرأ النص المكتوب على الجدار: مصنع كذا للأنسجة، كو. ليمتد.

لكن الأوقات الهانئة لم تدم، فسرعان ما عدت أتقافز بين المصانع من جديد. وأخيرا انتهت في سوتشو مرة أخرى، حيث وجدت وظيفة في مصنع (بي أوه إي). كان العقد الذي قضيته عاملا في المصانع قد بدأ يثقل على صحتي. فالجسد البشري غير مخلوق لنوبات العمل الممتدة لاثنتي عشرة ساعة، سواء أقضيتها جالسا أم واقفا. صار الألم يعاودني في ربلتيَّ وفخذيَّ، فضلا عن ألم خصري وتورم ركبتيّ. كان أسوأ مكان للعمل في المصنع دائما هو قسم طباعة الشاشات، فقد كانت المعادن الساخنة ومذيبات الطلاء تبث سموما لا مهرب للعمال من استنشاقها. ومن قبل في شنجين فقدت زميلة القدرة على الحمل وعلمت في نهاية المطاف أن سبب ذلك هو بخار مذيبات الطلاء الذي تراكم في جسمها على مدى مئات من نوبات العمل. أما مصانع الأنسجة في المقابل فكانت أكثر المصانع التي يصاب عمالها بإصابات العمود الفقري إذ كان لزاما علينا أن تنكفئ ظهورنا على ماكينات الخياطة أغلب الوقت. وكنت بحاجة ماسة إلى الانتقال من صناعة الملابس، ولو حرصا على صحتي.

كم طال بي عيش تلك الحياة؟ أكثر من اثنتي عشرة سنة.

*

كنا في يوليو، ورطوبة الجو لا تطاق، برغم الأمطار الرعدية في أول المساء كنت لا أزال أتعرق بغزارة، حتى التصق التيشيرت بجلدي. وكنت وزملائي قد انتهينا للتو من «غداء نصف الليل» في المقصف ومضينا نقصد عنبر الإنتاج.

كان سونج تشانجتي يقول إنه «لا سبيل إلى أن نفي بالجدول. فقد قال رئيس الفريق إنه لا بد من إعادة العمل على دفعة من المنتجات».

رد عليه يانج لي قائلا «إنه لم يعلمنا الطريقة الصحيحة منذ البداية، ويريد الآن أن نسهر لكي نصحح خطأه؟ ما هذا القرف؟»

كنت وسونج تشانجتي ويانج لي قد التحقنا بالمصنع معا، ووزَّعونا جميعا على خط التجميع. سمعت صامتا زميليَّ وهما يتذمران. فلم أجد في نفسي الرغبة في المزيد من الكلام عن العمل خارج ساعاته. وكنت ببلوغ ذلك الوقت قد تكيفت مع فكرة أن الأوضاع معوجّة في أي نوبة. وثمة سبب آخر أبقاني صامتا؛ أن قدمي كانت مصابتان بعدوى فطرية لم أكن أعرف ماذا أفعل فيها.

في الأسبوع السابق كان فريقي قد انتقل إلى مبنى جديد، يقع على مسافة بعيدة من السكن، فمنذ ذلك الحين اضطررت إلى ركوب حافلة كل يوم في الذهاب والعودة من العمل. وقبل يومين كانت الحافلة قد علقت في زحام مروري فتأخرت على نوبتي. ولما وصلت إلى غرفة تبديل الثياب اكتشفت إن حذائي المضاد للغبار غير موجود. أنا وعدد آخر من الزملاء.

صاح مدير العنبر «كلكم متأخرون. كفاكم جلبة بشأن الأحذية. ارتدوا أي أحذية تجدونها».

فعلنا ذلك فأخذ كل منا أقرب حذاء على رف الأحذية. وكان الحذاء الذي عثرت عليه من مقاسي على الأقل. ثم ساعدنا بعضنا بعضا في تنظيف زينا الموحد بأسطوانات لاصقة، مثلما نفعل دوما، وسارعنا إلى الحمامات الهوائية. وأخيرا انفتح لنا باب الغرفة النظيفة، وانخرطنا في العمل.

في الصباح التالي، بدأت أشعر برغبة قاتلة في حك قدمي. قال لي زملاء السكن إن ذلك قد يكون عدوى فطرية، فبدا الأمر تافها لا يستدعي الاهتمام، ولم أدر أنه قد يتفاقم. وإذا بي أشعر أن مستعمرة من البراغيث ترعى في باطني قدمي.

جاء سونج تشانجتي بعلبة هونجتاشان ذات اليوانات السبعة ووزع السجائر عليّ أنا ويانج لي. نفثت بضع نفثات. قال لي «هذه الحياة اللعينة.. ألن تنتهي أبدا؟»

أنهيت سيجارتي وأطحت بالعقب في سماء الليل.

دخلنا غرفة تبديل الثياب فلبسنا الزي الموحد المقاوم للغبار.

صاح سونج تشانجتي: «أين حذائي بحق الجحيم؟»

فرفع يانج لي صوته على صوته قائلا «كفّ عن الشكوى. لا أحد يرتدي حذاءه. خذ أي حذاء وانتعله»

قلت، مرة ثانية، وارتديت أقرب حذاء إليّ، وقد صرت أنا الذي ينشر العدوى الفطرية.

كانت النوبات الليلية لا تزال تشق عليّ. ففي قرابة الثالثة صباحا غلبني النوم وأنا جالس. وصحوت على رئيس الفريق يهوي على ظهري بصفعة هائلة.

قال في خشونة «لماذا لا تنال قسطا كافيا من النوم بالنهار؟ هذا ليس وقت الأحلام».

جفلت وأفقت ومنهكا عاودت العمل وبي من الوهن بعض الدوار. ومثقلا بالوهن، عاودتني رغبة جارفة في حكِّ قدمي. وجال في خاطري أنني ينبغي في هذا الوقت من اليوم أن أكون نائما. فلماذا بحق الجحيم أنا صاح؟ شعرت بالمرارة، ومضى الضغط يتصاعد عليّ.

لم يعد بوسعي أن أحتمل المزيد. قلت في نفسي: اللعنة على كل شيء. كنت أعرف ما ينبغي عليّ. أن أكتب قصيدة. لم يعنني كم تراكم من شاشات الهواتف على محطة العمل الخاصة بي. لم يعنني أن يفصلني رئيسي. في تلك اللحظة لم يعنني أي شيء.

ذهبت إلى إحدى مراقبات الجودة، وكانت جالسة في الصف الذي يليني، واستعرت قلم رصاص واستللت كرة ورقية من سلة مهملاتها. ورجعت إلى محطة العمل الخاصة بي ففردت الكرة وبدأت أكتب، بخط شديدة الرداءة صعب عليّ أنا نفسي أن أقرأه:

أغرتني حرية الأشواك، واعتراني بهاء الشباب

لم أنس أنني في العمل. تناولت قماشة الميكروفيبر ومضيت ألمع شاشات الهواتف كلما احتجت إلى استراحة من الكتابة. غامسا القماشة في الكحول الطبي، مزيلا ذرات الغبار عن الزجاج، منتظرا طنين رأسي أن ينتظم، فيشرق لي بيت جديد.

فيما كنت أعمل، وأكتب، فكرت في السنة التي قضيتها في تجميع آلات تعليم اللغة في شينجن، وليالي العمل الإضافي في مصنع الأقمشة في دونجوان، وأيام نينجبو الصعبة حينما كنت أستقل الحافلة كل يوم إلى مركز التوظيف. تذكرت أيام الأحد التي قضيتها وأنا أتناول ثمار الليتشي البرية مع ليوشون، والأمسيات الكثيرة التي قضيتها في حديث مع العم نبيذ ونحن ساهران في جنح الليل، أو في تناول الفشار مع وُو وفريقه من النحاتين. بدا ذلك كله خيرا مما كنت أفعله في المصنع، ولكن ذلك دائما هو شأن الماضي. لم أملك إلا أن أعاود التفكير في معضلة العمل، وتحدي العثور على أي قدر من الحرية في الحياة، وفانج التي كانت تخطر لي في مثل هذه الأوقات. تناولت قلم الرصاص من جديد ومضيت إلى ورقتي المجعدة من جديد:

حسبت يوما أنني سوف أحيا عزيزا

لكنني واجهت عاصفة هائلة

وأنا مثل عشبة شاحبة السواد.

وضعت القلم في السابعة صباحا، وتنفست الصعداء. وقلت لنفسي: أخيرا. اكتملت القصيدة. فرحت بها، وقد بدت سليمة، وأخرجتني كتابتها من كآبتي. ألهتني على الأقل.

ثم انتبهت إلى كومة الشاشات الهائلة المكدسة أمامي. رئيسي أيضا انتبه إليها. مضى نحوي، ورأى الورقة المجعدة أمامي.

صاح «ما هذا؟» واختطف الورقة ونظر فيها. ثم انفجر قائلا «ما الذي تفعله، أتعمل هنا أم تجلس لتكتب تعاويذ سحرية؟» ومزق الورقة وألقى بها في القمامة. «كنت تضيع الوقت. وماذا عن هذه الشاشات؟ هل ستكون أنت المسئول عن عيوبها؟ لن تخرج اليوم إلا بخصم».

تناول استمارة فارغة ومضى يملؤها. سمع زملائي جميعا الرئيس وهو يصيح بي، والتفتوا جميعا يشاهدون، وهم يلقون عليّ نظرات غريبة. كنت قد بت معتادا على ذلك. انحنيت على القمامة ململما قصيدتي، مستلا بحرص قصاصاتها واحدة تلو الأخرى. ولحسن الحظ أمكنني أن أقرأها. دسستها جميعا في حذائي المقاوم للغبار.

رجع رئيسي بخصم مئة يوان. لم أقل شيئا، ووقعت، ومع آخر حرف، ضغطت بقلم الرصاص فنفذ من الورقة.

• نشر هذا المقتطف في ليتراري هب - 8 يونيو 2026 بترجمة توني هاو إلى الإنجليزية.

ولد شياو هاي في مدينة شانجكوي في مقاطعة هينان بالصين. في الخامسة عشرة من عمره انتقل إلى مدينة شينجين للعمل. وقضى العقد التالي في التنقل بين المدن والمصانع وكتابة الشعر. 
المقتطف أعلاه مأخوذ من كتاب سيري صدرت ترجمته الإنجليزية أخيرا عن جرانتا بوكس.