عوض اللويهي
يشكِّل حضور الكتاب والعناية به نسخا وطباعة ونشرا وبيعا وتبادلا ملمحا مهما من ملامح التاريخ الثقافي لأي أمة من الأمم، ولم يكن الكتاب مجرَّد وعاء للمعرفة، فكان يحتل مكانة عظيمة من نفس القارئ «وخير جليس في الزمان كتاب».
والمتأمل لعلاقة العمانيين بالكتب لا يغفل عما أولاه العمانيون للكتب من اهتمام كبير وجد واجتهاد في طلبها ونسخها وتجليدها وحفظ من عوادي الزمان؛ فالمخطوطات العمانية منتشرة في مكتبات متفرقة حول العالم، كما وتزخر خزائن المخطوطات في عمان الحكومية منها والخاصة بنفائس المخطوطات العمانية والعربية المتنوعة.
لعبت النخب الثقافية العمانية في زنجبار دورا في تنشيط الاهتمام بالكتب نسخا وطباعة وتجليدا، كما كانت زنجبار منفتحة على ما يطبع في المراكز الثقافية العربية آنذاك، وما كانت تصدره المطابع العربية في الهند، هذا فضلا عن الحراك الصحفي والمجالس الأدبية. ولم تكن عمان الوطن الأم ببعيدة عن تلك الثمار المعرفية اليانعة؛ حيث كانت تصلها عن طريق القادمين من زنجبار أو من بلاد الحرمين والهند.
لقد أسهمت الحركة التجارية النشطة في المحيط الهندي آنذاك في سهولة انتقال الكتب المخطوط منها والمطبوع، وذلك من خلال المسافرين عبر خطوط التواصل البحرية آنذاك. كما لعبت العلاقات التي كوَّنها العمانيون مع رواد النهضة العربية والإسلامية في العالم الإسلامي دورا انتعاش التأليف والنشر وتبادل الكتب والمجلات والجرائد. ولم يبخل العمانيون في الإنفاق على طباعة الكتب؛ فالجهود الفردية لطباعة الكتاب العماني جاءت استكمالا للدور الذي لعبته المطبعة السلطانية في زنجبار. ولا تكاد خزائن المخطوطات في عُمان تخلو من الكتب المطبوعة مما يطلق عليه أوائل المطبوعات بجانب الكتب المخطوطة وغيرها من الوثائق.
تُعدُّ مذكرة علي بن خميس القصاب مرجعا مهما يلقي الضوء ويسهم في بناء تصور أكبر للتأريخ الثقافي لحركة بيع وتبادل الكتب عند العمانيين خلال الربع الأول من القرن العشرين؛ حيث يحضر الاهتمام بالكتاب في هذه المذكرة عبر صور متنوعة، وينتقل مع حركة المسافرين؛ حيث كانت الكتب تنتقل مع البضائع الأخرى من ملابس وأوانٍ وأدوات منزلية ومبالغ مالية وغيرها من البضائع التي يحتاج لها إنسان تلك الفترة.
تعتبر مذكرة علي بن خميس بن راشد القصاب التي كتبت بين 7 محرم 1326هـ الموافق 10/2/1908م و2 جمادى الأولى 1337هـ الموافق 3/2/1919م من المذكرات الشخصية التي توثق لجوانب متعددة من حياة الترحال والتنقل والتجارة بين عمان وزنجبار. كما يمكن اعتبارها واحدة من أهم الوثائق التي تعكس جانبا من الحراك الثقافي بين الوطن الأم عمان وزنجبار؛ ففيها تقييدات لاستعارات كتبه، ومراسلات يطلبُ فيها كتبا من آخرين، ورسائل من آخرين يطلبون منه كتبا أو إشعارات منه بوصول الكتب المرسلة إليه.
نُشرت هذه المذكرة ضمن كتاب «علي بن خميس بن راشد القصاب: سيرته ومذكرة حياته ت: جمادى الأولى 1337هـ - فبراير 1919م» الذي عني به فضيلة القاضي بدر بن سيف بن راشد الراجحي ضمن منشورات مركز ذاكرة عمان لعام 2019م.
علي بن خميس القصاب (توفي في جمادى الأولى 1337هـ- فبراير 1919م:
هو علي بن خميس بن راشد القصاب مؤلف وناسخ وتاجر عاش فترة في زنجبار، ثم انتقل في سنة 1330ه/1912م إلى الوشيل من أعمال ولاية الرستاق. أثناء إقامته في زنجبار تتلمذ على يد سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي، وهو مؤلف كتاب «جامع أركان الإسلام» الذي يرد في مذكرة القصاب، والشيخ سالم بن محمد بن سالم الرواحي (1285ه-1366ه/ 1868م-1947م) الذي ربطته به علاقة وطيدة ومراسلات. ألفَّ القصاب كتابين هما «العذاب الأليم لاحتطام أضلاع محمد بن عبدالرحيم» وكتاب «مختصر العذاب الأليم»، وله مسائل فقهية تبادلها مع شيوخ عصره. كما نسخ لنفسه ولعدد من الشخصيات من بينهم الشيخ سالم بن محمد الرواحي عددا من الكتب، وله عدد من الرسائل والتقييدات. ترك خزانة كتب آلت محتوياتها إلى خزانة سيف بن حمد الخضوري (توفي 25 رجب 1360ه الموافق 18/8/1941م) في الحوقين.
وقد كانت للقصاب مراسلات متنوعة مع الخضوري تبرز حرصهما وعنايتهما بطلب الكتب ونسخها؛ ففي 12 جمادى الأولى 1328هـ الموافق 22 مايو 1910م يرسل علي بن خميس القصاب رسالة إلى سيف بن حمد الخضوري، ويشير في جزئية منها إلى خبر صدور كتاب شرح مسند الربيع للشيخ السالمي؛ حيث يقول: «وقد عرَّفني سعيد بن ناصر الكندي بأن شرح مسند الربيع قد وصل، وهو شرح شيخنا العلامة السالمي -أبقاه الله، ومتَّعنا بحياته-، وقد ترك لي منه جزأين الأول والثاني، عساكم أخذتم منه؛ لأنهم يفرقونه على العارفين والمتعلمين أ.هـ». (تاريخ الحوقين الجزء 7 ص 36).
وهناك رسالة لسيف بن حمد الخضوري موجهة إلى علي بن خميس القصاب في 1 رجب 1335هـ الموافق 1917م؛ حيث يشير الخضوري إلى أن القصاب قد طلب منه بعض الكتب العمانية: «وذكرت تريد المهذب وعين الأدب؛ فها هو واصل إليه بيد الأخ سعيد بن سليمان بن سعيد البحري، وخلفان بن راشد الخايفي، وعرفت تريد كتاب الدقاق؛ فالآن أرسلت دراهم القرطاس من مسكد إن وجده القاصد، كذلك كتاب الأكلة وحقائق الأدلة عن الشيخ نجاد بن موسى المنحي، أسأل الله إبلاغ ما أؤمله، والرسالة التي من الشيخ والكتاب الذي هو في التوحيد لا وصل منك، وقد عرَّفتك عن ذلك». ثم في ذات الرسالة نجد الخضوري يشير إلى كتاب الديوان الذي لا تكشف الرسالة تفاصيل أكثر عنه «وكتاب الديوان واصل، والآن يباع في الرستاق ولا له من مشتر، بضاعة كاسدة، لا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم». (تاريخ الحوقين 7 الصفحة 43).
قائمة كتب علي بن خميس القصاب:
في البند 103 من المذكرة (ص 158-159) يذكر القصاب تقييدا مؤرخا في 10 جمادى الأولى 1330هـ إلى أنه قد ترك جملة من الحوائج الخاصة به عند ناصر بن مطر الكيومي ومن بينها «مندوس نجم سيسم داخله 30 كتابا، أسماؤها في العرضة، عنده». ويحرص القصاب على الإشارة إلى أن جميع ما ذكره ضمن هذا البند قد دونه الكيومي أيضا في دفتره، وهذا يكشف حرص القصاب الشديد على توثيق ممتلكاته وحوائجه التي تركها أمانة عند الكيومي لحظة مغادرته لأرض زنجبار.
ويقصد بالعرضة القائمة، لكن لا نجد ذكرا لها أو لمحتوياتها في المذكرة، ولكنه في البند رقم 135(ص 165-167) يشير إلى كتبه التي عنده في عُمان؛ حيث يقول: «بيان الكتب التي معي بعمان، بتاريخ 17 جمادى الأولى...13»، ولكنه لا يورد السنة. أما القائمة الواردة في البيان هنا فنجد أنها تضم 44 عنوانا، ونلاحظ أن هذه القائمة متنوعة تضم طيفا واسعا من المعارف بين الفقه والزهد والنحو والعروض والشعر والأدعية والفلك والخطب والتاريخ والطب والمنطق. كما نلاحظ أن بعض البنود في هذه القائمة تضم أكثر من عنوان كمثال على ذلك البند 15 «كتاب الشيخ ابن النظر مع ديوان الشقصي عمر بن زياد» ص 165. والبند 26 «كتاب المتنبي، وديوان ابن الفارض» ص 166.
في البند 236 (ص 196) نجد القصاب يورد بيانا آخر لتعسة عشر عنوانا من كتبه مؤرخ يوم 9 شعبان سنة 1333هـ؛ حيث يقول: «بيان الكتب التي تركناها عند خالد بن مُسلم العوفي في حارة الغاربة من الرستاق أمانة لله ورسوله، 3 كتب، قاموس اللغة، وإعراب القرآن، وألفية ابن مالك، 3 غيرها مدارج الكمال، ومتن الأحاديث، ومناظيم الشيخ الخليلي، 3 غيرها مختصر البسيوي، وكتاب....، وكتاب العروض، 3 غيرها، شرح المكودي، وعنوان البيان، وحديقة الأفراح، 3 غيرها، الورقات، وشرح لامية الأفعال، ودحلان، وكتاب التوحيد الجملة 19 كتابا».
تقييدات بائع الكتب:
في يوم 27 شعبان 1329هـ يذكر أن عنده 50 نسخة من كتاب «أول قطرة من غيث» من تأليف محمد فرج النجار، ويتبع ذلك بقائمة مكونة من 15 اسما للأشخاص الذين اشتروا هذا الكتاب وعدد النسخ التي اشتراها كل واحد منهم مُتبِعًا ذلك بلفظة «سَلَّمَ» أو «تحاسبنا» دلالة على تمام عملية البيع. ويتضح من خلال القائمة أنَّ القصاب قد باع 35 نسخة من هذا الكتاب، ولكنه لا يشير إلى مصير النسخ الباقية.
في البندين 98 و99 يتلقى القصاب وهو على ما يبدو مستقر في عُمان جملة من الأغراض مرسلة على دفعتين من قبل الشيخ سالم بن محمد الرواحي، الدفعة الأولى كانت عن طريق عبدالله بن محمد البوسعيدي، حيث استلم القصاب نسخة من كتاب تلقين الصبيان، و«15 كتابا للبيع من أركان الإسلام، بعنا أربعة على يد عبدالله بن محمد المذكور والخامس اشتراه سليمان بن حميد الهايف» ص 157. ولا نجد تاريخا موثقا للدفعة الأولى (ص 156)، ولكننا في البند 134 في الصفحة 164 من المذكرة نجد القصاب يكرر ذات البيانات الواردة في البند 98، ولكنه في البند 134 يذكر تاريخ تسلمه لهذه الدفعة وهو يوم 27 شعبان 1334هـ.
أما الدفعة الثانية فتضم «10 كتب من أركان الإسلام للبيع، كل كتاب قيمته قرش إلا ربع» ص 157. وتاريخ توثيق هذه الدفعة هو يوم 9 شعبان 1335هـ وكان وصولها على يد علي بن حمود الرجيبي (ص 157). وبالنظر إلى البند 232 من المذكرة (ص 195) نجد أنه في سنة 1335هـ قد استلم أيضا 10 نسخ من كتاب أركان الإسلام دون الإشارة إلى من قام بإرسالها، ولكنها قد أرسلت على يد علي بن حمود الرجيبي، والسؤال هنا هل البندان 99 و232 يشيران إلى ذات الدفعة المرسلة من كتاب أركان الإسلام؟
تقييدات الهدايا وشراء الكتب:
في 1331هـ استلم القصاب فيما استلمه من أغراض متعددة مرسلة من الشيخ سالم بن محمد الرواحي، نسختين من كتاب في الرد على أهل الخلاف؛ واحدة لسيف بن حمد الخضوري والأخرى له (ص 164). ولعل الكتاب المشار إليه هنا هو ما يرد ضمن قائمة كتب القصاب الواردة في (ص 165-167)؛ إذ يرد في البند 44 من القائمة هذا العنوان «كتاب في الرد على العقبي، عن شيخنا محمد بن يوسف المغربي» ص 167. والمقصود به محمد بن يوسف أطفيش العالم الجزائري المعروف.
يوثق القصاب لعميلتي شراء قام بهما في سنة 1329هـ، في الأولى اشترى فيها كتبا من محمد بن زهران بن سيف خلفها أبوه وهي الكشاف في جزأين والقناطر في 3 أجزاء وطلعة الشمس في جزأين وكتاب الجواهر، وذلك يوم الثامن من رجب سنة 1329هـ. أما عملية الشراء الثانية فكانت من محمد بن سليمان السليماني؛ حيث اشترى تفسير القرآن المسمى معالم التنزيل وكتب الإتقان، وكتاب المصباح المنير وكتاب فتوح الشام في جزأين.
تقييدات الاستعارة:
في البند 277 يورد القصاب عددا من تقييدات استعارة لكتبه تعود تواريخها إلى سنوات 1332هـ، 1333هـ، 1335هـ؛ حيث نجده يشير إلى هذه الاستعارات على وفق الترتيب الآتي: «استعار عندي سالم بن سويلم كتاب الجواهر، وشيخان بن راشد كتاب وفاء الضمانة، وصالح بن سعيد كتاب مدارج الكمال، والمعلم فاضل كتاب المسند في الأحاديث، بتاريخ يوم 19 ربيع الأول، سنة 1332هـ، وأنا الحقير علي بن خميس بيده. واستعار أيضا عبدالله بن محمد بن ناصر الإسماعيلي الجزء الأول من القناطر، وأيضا ناصر بن حامد كتاب تلقين الصبيان، آخر شهر الحج سنة 1332هـ، عند سالم بن مسعد الشقصي كتاب النواميس يوم 25 محرم سنة 1333هـ، أخذناه من عنده؛ ليعلم الواقف، بقي عند سالم بن مسعد كتاب الأزرق، أيضا عند شيخان كتاب مختصر البسيوي، يوم 12 صفر سنة 1335هـ» 205.
قيد استعارة لكتاب (دلائل الخيرات) الذي استعاره سليمان بن مُسلم العوفي، ويعود إلى تاريخ يوم الجمعة 7 شعبان 1334هـ، وفي العام 1336هـ نجد تقييدا آخر لقيود الاستعارات، وهي لمختصر البسيوي الذي استعاره عبدالله بن خلفان الخنبشي، وكتاب دلائل الخيرات عند عبدالله بن سعيد المعني، أما محمد بن حمد الزاملي فقد استعار الجزء الثاني من الإيضاح، الجزء الأول من إحياء علوم الدين للغزالي فهو عند علي بن حمود الرجيبي، ومنظومة آل بدر عن مصطفى رشدي فقد استعارها ناصر بن حامد الرجيبي، وكتاب التوحيد عن المغاربة فهو عند سالم بن حمود الرجيبي، وديوان ابن النظر فقد استعاره علي بن سعيد الخايفي، وثابت بن سيف استعار الجزء الثاني من الإيضاح.
تقييدات أخرى:
تضم المذكرة إشارات أخرى غير الكتب مثل أقلام البنسل والدفاتر وتجليد الكتب مع ذكر لقيمة كل شيء على حدة. كما يرد ذلك في البند 93 ضمن مشتريات القصاب لسيف بن حمد الخضوري.
في سنة 1337هـ يتوقف القصاب في بندر كراتشي، ونجده يشير مرة إلى «أجرة كتاب»، والسياق هنا لا يفصل إن كانت هذه الأجرة لشراء كتاب مطبوع أم أن الأجرة نظير نسخ كتاب. كما أن هذا التوقف كان فرصة لتجليد الكتب؛ حيث نلمح ذكرا لذلك؛ إذ إن قيمة التجليد مع قيمة الأغراض الأخرى قد أعطيت للنوخذة حسن بن صالح المجيني. كما أن القصاب قد أقرض ناصر بن محمد مبالغ لـ«تجليد الكتب». ويبدو أن نشاط تجليد الكتب كان نشطا في ميناء كراتشي في تلك الفترة المدونة في المذكرة.
وكان من بين مشتريات القصاب من بندر كراتشي في ذات الرحلة «ثلاثة أقلام فنسل» يعني (بنسل) وذلك بناء على توصية الشيخ سيف بن حمد بن محمد الخضوري. ص 184.
عوض اللويهي كاتب وشاعر عماني