محمود الرحبي
لم تكن هذه الرحلة مخططا لها إلا بغرض السياحة الصيفية واكتشاف بلد الكتاب الكبار (الذين نعرف منهم أكثر أصحاب اللحى المسترسلة: تولستوي ودستويفسكي وتورجينف) خاصة بعد أن أعفي العمانيون من التأشيرة، ولكن أحمد المقيم في موسكو تلمس الخيط حين علم أن القادمين كتاب عمانيون، فنسق مع كلية الآداب بجامعة الصداقة بين الشعوب لاستضافتنا في قسم اللغة العربية كما نسق مع قناة روسيا اليوم لاستضافتنا أيضا في جولة تصويرية وثلاثة لقاءات متفرقة. وبين هذا وذاك جولات لمتاحف وحدائق تحمل أسماء كتاب ومبدعين خالدين مثل غوركي وجوجل وتشيخوف وبولجاكوف وآيت ماتوف وشاعر روسيا العظيم بوشكين. وغابات بديعة وأنهار تمتلئ بها العاصمة الروسية البديعة موسكو التي تعتبر أكبر مدن أوروبا.
دائرة موسكو
كنا يحيى بن سلام المنذري وزهران القاسمي وابن أخته داود القاسمي وأحمد الرحبي وكاتب هذه السطور في الساحة الحمراء الشهيرة، حين قال لنا أحمد: انظروا إلى هذه الدائرة، هي وسط موسكو، حيث يأتي بعض الزوار ليرموا عملة نقدية إلى الوراء ويتمنون في سرهم أمنية عسى أن تتحقق. ولكن المدهش أيضا أن رجلا مسنا كان يلتقط العملات بعصاه الممغنطة ويبدو أنه موظف لهذا الغرض. دائرة وسط موسكو تقع إذن في الساحة الحمراء العريقة بأبنيتها الرخامية المتنوعة ومعالمها وألوانها البديعة التي يمكن أن نتلمس من بعضها الطابع المغولي ذلك الشبيه بما عليه معلم تاج محل في الهند بقرميدها المائل إلى الحمرة. رغم أن جل معالم الساحة الحمراء قديمة وتاريخية إلا أنه أيضا يوجد بها أول مول تجاري عصري في موسكو. وعلى مدخلها يوجد ثاني أكبر مكتبة في العالم حيث وضع تمثال أهم روائي روسي وعالمي وهو دوستويفسكي. فقبل أن تصل إلى الساحة الحمراء فأنت تمر بشوارع عريضة ومزروعة بتنسيق كامل ونظيفة تماما وفي بعضها مجسمات يتخللها الماء تحاكي الحكايات الشعبية لمختلف الشعوب. وفيما يخص الثقافة العربية، وجدنا قصة الذئب ومالك الحزين مجسدة يحيطها الماء الجاري، وهي إحدى القصص الشهيرة لكتاب كليلة ودمنة.
شارع لا ينتهي
مكان الإقامة كان شارع أربات، وهو كما قال لي المترجم السوري القدير ضيف الله مراد حين زرته في الداتشا، مشتق من كلمة عربية «الرباط» وتعني مكان رباط الخيل، وهذا يدلل تاريخيا أن للعرب مكانا ما مجهولا في البلاد الروسية الشاسعة التي تشكل ثمن العالم. وفي الحقيقة شارع أربات هو شارعان، فثمة أربات القديم وأربات الجديد، وهذا الأخير مليء بالبنايات والمولات وماركات الشراء الروسية الحديثة، ولكن أربات القديم يفيض أهمية كذلك، حيث توجد سلسلة من المطاعم والبنايات ذات الطابع القديم وبيت قضى فيه الشاعر بوشكين عدة أشهر حول إلى متحف. الشارع مليء أيضا بنصب وصور لشعراء وفنانين، شارع جميل لا يمل المرور منه وحوله، بالفعل هو شارع لا ينتهي، وبذلك قال المطرب والموسيقي بولات أكودجافا -الذي يوجد له نصب في هذا الشارع- قال مخاطبا هذا الطريق الزاخر «أربات يا أربات كيلو متر واحد ولكنك لا تنتهي»، يوجد في هذا الشارع أيضا نصب لبوشكين وزوجته. ومما يمكن ملاحظته في موسكو كلها على كثرة الإنجازات فيها وبنيتها التحتية المتينة والمتفرعة، أنك لا تجد صورة للرئيس كما في دول العالم الثالث. ينتهي شارع أربات بحديقة بها نصب للشاعر بوشكين، وكثيرا ما يعلوه الحمام ويطلق درقه الذي يتحول لحظة إلى ما يشبه الدمع.
متحف تشيخوف وبحيرة بولجاكوف
كان في انتظارنا فريق روسيا اليوم تحت إدارة صديقة عمان الإعلامية أنيسة مراد، التي أنجزت منذ فترة قريبة فلم الخنجر الذي يتتبع رحلة خنجر عماني عريق يزف إلى متحف الأرميتاج الكبير في سان بطرسبرج، وأنيسة هي ابنة المترجم عن الروسية الأستاذ ضيف الله مراد، وقد أرسلوا لنا سيارتين لتقلانا أولا إلى متحف تشكيخوف وهو بيت قضى فيه القاص العالمي ثلاث سنوات، وهو أيضا أحد سبعة متاحف تحمل اسمه، والمشوار الثاني كان بحيرة تحمل اسم الروائي بولجاكوف، سميت بهذا الاسم لأن جزءا من الرواية الشهيرة «المعلم ومارجريتا» تجري مع جريان هذه البحيرة التي زينت بمنتزه ومطعم عائم. استغرقت الجولة في منزل تشيخوف ثلاث ساعات ونحن نتجول في غرفه السفلية والعلوية، وقد أحاطت بالمنزل حديقة عامة. القاص الطبيب تشيخوف كان أيضا يستقبل المرضى في مكتبه، وعرف عنه معالجته الفقراء منهم بالمجان، وكان بعض المرضى من الفنانين يهدونه لوحاتهم، لذلك ترصعت جدران المنزل بالعديد من اللوحات الثمينة. وقد تساوي بعض هذه اللوحات ثروة من الأموال وبعضها لا يقدر بثمن خاصة اللوحات التي تركها أخوه نيكولاي. بعضها رسومات لتشيخوف في مختلف أطور عمره، من الصبا والشباب ووصولا إلى سن الأربعين حيث رحل الكاتب الكبير، علما أن أخيه نيكولاي قد توفي قبله، ما ترك جرحا غائرا في قلب تشيخوف. هناك أيضا عدد من بطاقات المرضى ونظارة ومشط ومحفظة، ولم يكن في محفظة تشيخوف سوى صورة لتولستوي. وحين انتقل بنا فريق قناة روسيا اليوم إلى بحيرة بولجاكوف اقترحنا أن نقطعها مشيا، وكان المصوران وأحدهما عربي يتبعاننا بكاميرتيهما. وفي هذه البحيرة أتمننا اللقاءات. لحسن الحظ سبق أن قرأت رواية «المعلم ومارجريتا» أثناء الإقامة في تونس، وهي رواية مدهشة من عيون الأدب العالمي.
محطات ميترو أم متاحف؟
تتميز محطات الميترو الكثيرة والمتاهية في موسكو بأنها أثرية ونظيفة وأنيقة، وأيضا تتميز بالضخامة وعمقها في طبقات بعيدة تحت الأرض، حيث ترى من النوافذ الزجاجية أشجار الغابات وأنت تنزل من السلالم الشاهقة. لذلك فإنك تشق الطريق فيها وكأنك تتنزه في متحف عريق بامتداد الأرض. كما أنها غير مكتظة، يمتاز الروس أيضا باللطف، فإذا اضطررت أن تسأل أحدا في حالة التوهان فإنه يتبرع للمشي معك حتى وإن فاته الميترو، الأهم أن يدلك على محطتك وذلك حتى لا تذهب إلى اتجاه معاكس وتتوه أكثر مما أنت تائه. بعضهم يغلق هاتفه رأسا إذا سألته وهو في حالة حديث هاتفي، كما حدث معي حين أخطأت - وأنا عائد من الداتشا بعد مقابلة المترجم ضيف الله مراد - فسألت أحدهم عن شارع أربات وكان منشغلا بهاتفه، فاعتذر لمحدثه وتفرغ لإيصالي.
زيارة إلى جامعة الصداقة بين الشعوب
كان في استقبالنا حشد من طلبة اللغة العربية الروس وأستاذان أحدهما مستعرب في السبعينيات من عمره تجمعه علاقات بكتاب عرب من مصر والشام وخاصة في العهد السوفياتي، يجيد العربية بطلاقة. وفي طاولة طويلة وضع العلمان العماني والروسي حيث تصدر التقديم أحمد الرحبي وهو يعرف الحاضرين بالكتاب العمانيين الثلاثة، وامتلأت الطاولة بالطلبة وجلس بعضهم في كراسي أمام الجدران. تحدث زهران عن توظيف البيئة العمانية في السرد، وتحدث يحيى سلام عن توظيف العمالة، وتحدثت عن الأسواق، حيث إن مسودة مجموعة كاملة «بركة النسيان» أنجزتها في دفتر كنت أحمله إلى دكان والدي بمطرح حين كنت أساعده في فترة الإجازات الجامعية. لم يكن الطلبة في نفس المستوى من فهم العربية فبعضهم في السنوات الدراسية الأولى ولكن، الذين في السنوات النهائية تحاوروا معنا بلغة فصيحة واضحة، وبعضهم قضى فترة في معهد السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
غابة الثعلب
تحيط بجامعة الصداقة غابة واسعة بها حي جامعي أخبرنا أحمد بأن الثوري الغامض كارلوس الملقب بالثعلب قد عاش قترة في هذا السكن في الستينيات أيام الاتحاد السوفيتي، وقد عرف بأنه كان يجبر الطلبة على الركض صباحا في هذه الغابة قبل أن يذهبوا إلى الجامعة. تحيط الغابة بالجامعة من الخلف وبها مطاعم ومتنزهات. وقد وجدنا في ساحة الجامعة تمثالا للزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر، وآخر للزعيم الكونغولي التحرري باتريس لوممبا الذي أعدمه الاستعمار البلجيكي.
ساحة جامعة موسكو
لاستكمال مراحل التصوير، اقترح علينا فريق روسيا اليوم الذهاب إلى الساحة القريبة من جامعة موسكو العريقة، وكان في انتظارنا حافلة وسائق. المسافة ليست قريبة من شارع أربات حيث نقطن، وساحة جامعة موسكو التي أمر ستالين ببنائها في أرض رخوة، لذلك يمكن اعتبارها تحفة معمارية. استعمل المهندسون لتنفيذ أمر البناء حيلا علمية عديدة. وهذه البناية التاريخية بهذا الشكل العريق تعتبر أحد سبعة أو ثمانية أبنية مشابهة من ضمنها المبنى الرئيسي لوزارة الخارجية الروسية. وقد بنيت الجامعة بالقرب من نهر موسكو الذي تحيطه الحدائق والمماشي ومقومات الترفيه من ضمنها التلفريك العابر لأعلى النهر.
متاحف ولوحات أصلية عالمية
تمتاز موسكو أيضا بوفرة المتاحف، يقال إن ثمة أكثر من أربعمائة متحف وقاعة عرض في موسكو، بعضها تحتاج أياما لإكماله مثل المتحف التاريخي الوطني الذي يحتوي على خمسة ملايين قطعة أثرية. وبعض المتاحف في موسكو بها لوحات أصلية لأشهر فناني أوروبا مثل كلود مونيه وفان جوخ وبول جوجان وهنري ماتيس، حيث توجد مثلا في متحف بوشكين للفنون الجميلة وحده أكثر من خمس لوحات أصلية لبيكاسو تمثل مختلف أطواره الفنية.
فيلم نابليون
من المصادفات، وأثناء الرجوع على الطيران العماني، أنني شاهدت فيلم نابليون، من إخراج ريدلي سكوت وبطولة خواكين فينيكس في دور نابليون، وفانسيا كيربي في دور جوزفين. الفيلم يوثق في لقطات مكثفة مراحلة صعود وانهيار الإمبراطور الفرنسي، وقد انتصر في معظم معاركه لاحتلال أوروبا، ولكن الضربة القاصمة جاءته حين غامر باحتلال روسيا حيث خسر ما يقارب نصف مليون جندي ما أدى إلى انهياره السريع بعد ذلك. وقد ساهمت الطبيعة الثلجية في المعركة. وكان من ضمن حيل المعركة أن أخليت موسكو كاملة أثناء دخوله إليها فلم يجد جنوده أحدا ليحاربوه، ولكن أثناء رجوعهم - بعد أن ملوا الإقامة - دخلوا في صراع حقيقي صامت مع الطبيعة الثلجية الرهيبة.
محمود الرحبي قاص وروائي عُماني