طلعت قديح 

أثناء لقاء تليفزيوني لبرنامج سيرة أدبية، كان ضيف الحلقة الشاعر الكبير عبدالرزاق عبدالواحد محلقا في ذاكرته، يحكي عن مشوار العمر والشعر معا، وكان مما سُئل عنه، كيف ترى شعر الشاعر عبدالوهاب البياتي فقال: «شعره عادي جدا، ولا مقارنة بين السياب والبياتي، وحجمه كما بين السبابة والإبهام (صغير الحجم شعريا)».

وقد فاجأني هذا الحكم من شاعر كبير تجاه شاعر كبير! وعجبت من أن هذا الرأي يأتي بعد شهادات لكبار النقاد والشعراء لشعر البياتي وتأثيره الإيجابي في الشعر العربي المعاصر كالدكتور الناقد إحسان عباس والدكتور عبدالسلام المسدي ومحمد برادة والدكتور زكي نجيب محمود وغيرهم ممن أثنوا على شعره! حتى إن إحسان عباس كتب كتابا عنه بعنوان «عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث» عام 1955.

بين النقد والشعر؛ اتفاق أم مهادنة!

يقول البياتي في أحد لقاءاته الصحفية: «لقد اختفت أسماء كثيرة من أبناء جيلي والأجيال التي تلت.. ظهر بعضهم في قصيدة، ثم اختفى الشاعر واختفت القصيدة، وظهر بعضهم من خلال «المؤسسات»... وأثار بعضهم زوابع كثيرة وإن لم تكن أكثر من زوبعة في فنجان... الظاهرة الوحيدة التي بقيت ملفتة للنظر هي ظاهرة شعري، وبنسبة أقل شعر السياب. وظل النقد والقراء يتابعونها من قصيدة إلى قصيدة، ومن ديوان إلى ديوان، ومن سنة إلى أخرى... وقد لمست هذا لا من خلال حركة النقد حسب، بل ومن خلال القراء الذين التقيتهم في مختلف المدن العربية. فهؤلاء الحضور هم قرائي لأنهم يناقشون ويسألون الأسئلة التي يوجهها النقد، أي أنهم كانوا من خيرة القراء المثقفين.. بل وجدت بعضهم يضاهي النقاد بقامته نظرا لما يثير من أسئلة تتصل بصميم الشعر وجوهره بعيدا عن الاتجاهات الأكاديمية أو المدرسية التي تشيع حينا ثم تنطفئ».

يظهر من خلال هذا المقتطف أن البياتي معتد بنفسه كثيرا، يقر بمكانته ويضعها في موضع يرتئيه في خريطة الشعر العربي الحديث حتى يصف تجربته: «الظاهرة الوحيدة.. ظاهرة شعري».

والظاهرة كما يعبر عنها الفيلسوف الإنجليزي «إيمانويل كانت» هي إشكالية فلسفية، ويرى الشاعر المغربي حسن نجمي أن الظاهرة لدى عدد وافر من الناس هي كل فعل أو حدث يتكرر (ظاهرة حوادث السير، ظاهرة الجريمة...إلخ). فهل عنى البياتي بهذا الوصف أنه متكرر! لكني وإن أردت التدقيق في كلمة «ظاهرة» ضمن المفهوم الشخصي، فإن الظواهر في حقيقتها تتلاشى بعد وقت ما، تسطع ثم تخبو رويدا رويدا مع الزمن، فهل كان البياتي ذا دراية بالمفهوم التشخيصي لشعره أم أنه أراد التأكيد على علو كعب تجربته حتى طاول تجربة السياب!

وفي سؤال آخر عن رومانسية ديوانه الأول «ملائكة وشياطين» أجاب: «في «ملائكة وشياطين» هناك لوثة رومانسية...»! وأعيدُ تساؤلا آخر: أيقاس الجمال بالقبح؟! ولأنه شاعر، فهل نفد قاموسه الشعري ليصف رومانسية ديوانه بوصف غير «لوثة»!

وهنا يحضرني سؤال ناقد آخر بضعف لغته الشعرية بموافقة الشاعر نفسه، ضمن شهادة عبدالرزاق عبدالواحد.

التجربة والمسار

ما إن يستخدم الباحث محرك جوجل ليكتب اسم عبدالوهاب البياتي حتى تتلاحق الأوصاف والمقالات الحاكية عن منجزات الشاعر من دواوين ومقالات نقدية، واحتفاءات بإنتاجه وترجماته في غزارة لافتة.

يبدو أن الإنسان بالشكل الوجودي المطلق أوولنقل البروميثوسي في كفاح مستمر للتكيف المنجِز لا التكيف الراكدة كردة فعل.

مما جعل الكثير من النقاد يصفون شعر البياتي بالطابع الملحمي؛ ملحمي متواصل في كل قصيدة يُسلم المعنى والفكرة لقصيدة أخرى كي يتابع وكأنه في سباق ماراثون التتابع لإنجاز ديوان هو خط النهاية، والذي لا يكون ختام الرحلة بل جزءا أصيلا من تفاعل الإنسان بحياته وتجلياته.

لقد أجاد البياتي -من وجهة نظري- الاستفادة من الصراع بين المنطلقات الفكرية التي كانت جذوة للمواجهة بين القوى القومية والتقدمية وبين قوى الرجعية والاستعمار، منطلقا من رؤية ثابتة لانضمامه الفكري للأيدولوجية الثورية ذاهبة إلى توظيف المدرسة التصويرية لتبيان مسار الاتقاد الشعري الذي يواكب هذا التوظيف المتلازم.

ولا يغيب عن الذاكرة انكفاء القوى القومية بسبب الانكسارات التي شابت كثيرا من المشاريع النهضوية العربية والعالم الثالث في إعادة ترتيب غير متناسق في ظل تعاظم الأفكار الحداثوية مما حدا بالكثير إلى إعادة قراءة الموروث في شكل يمكن أن نطلق عليه «الاسترجاع المقنع» تحقيقا للانفلات من سطوة الرقابة والمتلصصين إلى إلباس الموروث أقنعة تكوي ملابسات الحاضر العبثية الظالمة في حق الإنسان.

هذا التوجه الرؤيوي جعل البياتي يفلت بشعره من انهزامية الفقراء إلى «ثورية الثورة» بالمعنى التقدمي الذي ينزع الأقنعة عن الوجوه المقترفة للإثم، وهي ما أطلق عليه الناقد إحسان عباس «الأقنعة السبعة»، حيث قال البياتي عن ذلك: «لم أسع إلى اختراع أشياء مثل القناع أو الأسطورة.. وإنما تجدها قد دخلت شعري بشكل عفوي، على أنها مصدات لريح التغير التي تطرأ على الشعر الغنائي الرومانسي بشكل خاص... فالقناع كان «الآخر»، وكنت أنا نفسي والآخر في الوقت نفسه، أي أنه محاولة مني للتوحد في نار الشعر، والاحتراق بنار الأزمنة والأمكنة للوصول إلى مشارف المدن التي لم تولد بعد».

وعلى مدار مسيرته الشعرية كان له توحدات شعرية في ثلاثة قوالب توضح الخطو البياني لإنتاجه التراتبي:

- أباريق مهشمة، المجد للأطفال والزيتون، أشعار في المنفى، عشرون قصيدة من برلين، كلمات لا تموت.

- النار والكلمات، سفر الفقر والثورة، الذي يأتي ولا يأتي، الحياة في الموت، الكتابة على الطين، بكائية شمس حزيران.

- قصائد حب على بوابات العالم السبع، سيرة ذاتية لسارق النار، كتاب البحر، قمر شيراز، بستلن عائشة.

هذه القوالب الممنهجة فكرا، والتراتبية تاريخيا تضعنا أمام حقيقة الشعر ومعالجة للقيم الإنسانية في إطار فني لا ينفك عن الرؤية التحقيقية للواقع ومجالات استنطاقه الشعري، إن الثيمة الأساسية في شعر البياتي هي «الإنسان».

قاربان في بحر الشعر

هناك فرق كبير بين أن تكون مقاوما ضد قوى الشر، وبين أن تكون فدائيا حاملا راية تنير للآخرين طريق التحرر من قوى الشر، وهذا المثال استقيته من التجربة الإنسانية العالمية بين البياتي والشاعر الإسباني رفائيل ألبرتي؛ ففي خضم الحياة لا بد أن يكون للإنسان قاسم تفكير في مآلات هذه الحياة بكل معتركاتها الذاتية والتكوينية المتداخلة بين الشأن العام والشأن الخاص، ومن هذا المنطلق أراد الشاعران الإبحار في النسق الإنساني بشعر شفيف تختلف درجة إتقانه لكنه يمتلك عصا التوجه الإنساني للخلاص والتحرر، فيكون هذا ماسحا غبار التهميش مبديا صورة القصيدة المتمردة على الظلم الوقع للإنسان.

ولعل من المفارقة أن يكون نصل الصور المتمردة في ذاتها نصلًا إضافيا في توظيف الوطن، والمنفى-الوطن، فأي انسلاخ هذا الذي يجعل من المنفى وطنا ومن الوطن وطنا آخر.

إنني أعتبر أن اللذة التصويرية في صورة النص هي المساهمة بشكل أو بآخر في توليد الشعور المتلقي للقارئ بالتقدير الإنساني الذي يسكبه الشاعر، وفي هذا يهدي البياتي لألبرتي هذه الكلمات:

«وقفنا بجوار عمود النار

وكانت «روما تبحث عن روما»

ناديتك ألبرتي

فأجاب الشعر

أضاء البرق الكامن من سحب كانت نازفة

في ليل المنفى

كل عذابات الإسبان

أجابت روما

وأجابت موسيقى البحر الوحشية

كنا أطفالا أوغلنا في الغابة

لكن الموسيقى هدأت والبحر توارى في كتب تحكي

عن نور يأتي من داخل توليدو

عن نجم عربي يتجول في أوروبا

وينام على بوابة توليدو

كنا أطفالا في المنفى

نبني مدنا للحب»

إني أرى هذه القصيدة وكأنها أهزوجة بصوت رعوي تمتم بها البياتي لتجعل القارئ يبتسم في خاتمتها «نبني مدنا للحب»، أراد لها أن تكتب بالفصحى الجريحة لتعبر عن مكوِن الإنسان ووحشة روحه.

ويثير ألبرتي شجونه كإنسان يهرب للبحر قائلا:

أطياف عمياء حزينة من زغب وأخشاب

تنسى أنها ولدت لتشق عباب الموج

وترتاد البحار

أسمع من يفجر الآبار والغلايات

ميتة من الظمأ تهاجر الأمطار عبر البحر

يمضي كل منهما في تقديم الشعر ليكون رمزا لمن يكتب الحرية بمحبة إنسانية خالصة اتكأت على الوطن الأصلي (الإنسان).

وقد نال البياتي كثيرا من خلال نوافذ التواصل بترجمات مختلفة لعدة لغات، وإنني أرى أن الترجمة في عصرنا هذا دليل على الشهرة والحظوة من إنتاج حقيقي للكاتب إلا أن ما يحدث هو تكريس واقع لشقين؛ الحصول على جائزة ثم ترجمة العمل وفقا لشروط المسابقة، والشق الآخر هو امتلاك المؤلف علاقات جيدة مع مترجمين، وقد يدفع ثمن هذه الترجمة المؤلف أو دار النشر المستفيدة من ذلك.

وغاية هذه الترجمات يمكن الاستفادة منها في الدراسات الأكاديمية والأبحاث المتعلقة بالمجلات البحثية أو المختصة بذلك.

ويعد كتاب «حب وموت ونفي» ذا شهرة ككتاب مترجم للبياتي من قبل المترجم بسام فرنجية، وقدم له جيمس ألاتيس عميد مدرسة اللغات واللغويات في جامعة جورج تاون الأمريكية.

وقد امتدح هذه الترجمة على سبيل المثال الروائي صنع الله إبراهيم بقوله: «إن ترجمة مثل هذا الشعر الصعب المتعدد الأقنعة جوهرة حقيقية»، وهذا القول يحيلنا إلى وصف الناقد إحسان عباس «الأقنعة السبعة».

ما زالت ترن في مسمعي قول الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد عن البياتي وشعره بأنه مشهور لكنه محدود، حتى جاء على لسانه في اللقاء نفسه قول للشاعرة لميعة عباس عمارة: «يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون شاعرا»! ناهيك عن قول للشاعر أدونيس عن شعر البياتي بأنه شاعر ضحل ولا أهمية له!

هذا الكم السلبي تجاه شعر البياتي يحيلنا إلى الكم الإيجابي في النظرة لشعر البياتي؛ وأولهم الناقد إحسان عباس الذي قال: «لم يكن البياتي شاعرا يقف به الشعر عند نقطة معينة يُحتجز عندها، بل كان دائما مبدعا خلاقا متطورا، وعندما يرصد المرء تكور البياتي لا يستطيع أن يضعه ضمن حافتي نهر لاتساعه وتنوعه. وأنا لم أشهد شاعرا حديثا يمتلك هذه القدرة العجيبة من التفاعل بمواجد الآخرين وبمواجد الأمة معا».

ويقول الناقد د.عبد السلام المسدي: «هناك قدرة فائقة على مسك القارئ، بل على مسك القراء بجميع أصنافهم»، وأشار محمد برادة إلى أن اسم البياتي يقترن بالنموذج الناجح في تجربة الشعر الجديد.

ويقول ناظم حكمت: «إن البياتي أصل من أولئك الشعراء الحقيقيين الذين كان تجديدهم تلبية لدواعي المحتوى الجديد وليس سعيا وراء بدعة أو حذلقة».

وهناك الكثير من تلك الآراء الإيجابية عن البياتي، ومن خلال تفحص الآراء المؤيدة والمعارضة يظل البياتي أحد الشعراء المعاصرين في العراق، ذاع صيته ونال مراتب وظيفية عليا في الدولة العراقية ومنها: مستشار ثقافي في سفارة العراق في موسكو عام 1959، ثم عُين مستشارا ثقافيا في سفارة العراق بإسبانيا عام 1979، وأُلِّفت عنه العديد من الكتب والدراسات الأكاديمية للحصول على مختلف الدرجات العلمية.

وعلى غير العادة في مقال أطرح سؤالا غير اعتيادي؛ اللوحة الجميلة يمكن أن تتفاوت آراء المشاهدين المتذوقين لأماكن الجمال فيها، لكن لا يمكن أن يصفها قسم منهم بأنها جميلة وإبداعية وقسم آخر بأنها قبيحة! فهل كان البياتي شاعرا كبيرا وأحد أعمدة الشعر الحر أم شاعرا مشهورا محدود الإمكانات؟! وإن كان هذا أو ذاك؛ ألا يفتح ذلك بابا واسعا حول مقياس التذوق ومن يقرر ذلك؟!

من يمسك الحقيقة قبل أن تتفلت وتكون مصبا للاختلاف؟!

يقول البياتي:

«حبي أكبر مني،

من هذا العالم

فالعشاق الفقراء

نصّبوني ملكا للرؤيا

وإماما للغربة والمنفى...».

طلعت قديح كاتب فلسطيني من قطاع غزة