حسن المطروشي 

تشكّل عُمان جزءًا أصيلا من أرض الجزيرة العربية. وقد أسهمت طيلة تاريخها المديد في رفد الثقافة العربية بعطائها المعرفي والفكري والأدبي الخلاق، الذي بات يمثّل علامة فارقة في الذاكرة الجمعية العربية والإنسانية. ويبرز الشعر باعتباره العنصر الأكثر سطوعا في مسيرة الثقافة العُمانية. ورغم حضور عُمان العميق والمؤثر في مدونة الأدب العربي، إلا أن العُمانيين أنفسهم لم يهتموا منذ البدء بتدوين تاريخهم وآدابهم، الأمر الذي أسهم في ضياع وفقدان جانب كبير من هذا المنجز المهم. لذا ضاع أكثر الشعر العُماني في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، حتى بدأ العُمانيون لاحقا في ممارسة التدوين والتوثيق.

إننا حين نبحث عن المنجز الشعري وأسماء الشعراء في تلك الحقب لا نجد سوى النتف البسيطة المتفرقة في بطون كتب الأدب العربي مثل كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، و(تاريخ الموصل) لأبي زكريا يزيد بن محمد الأزدي، و(المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء) لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، و(معجم الشعراء) لأبي عبيدالله محمد بن عمران المرزباني، و(ديوان الحماسة) لأبي تمام.

أما على الصعيد العُماني، فيعد كتاب (الأنساب) لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري (ق: 5 ـ 6 هـ)، أول كتاب عُماني يوثق تاريخ عُمان ووقائعها ورموزها وعلمائها وأنسابها. وعن هذا المرجع المؤسس في الثقافة العُمانية نقل بعد ذلك المؤلفون والمؤرخون والباحثون في مجال الأنساب العُمانية. يقول عنه الشيخ أحمد بن سعود السيابي: «ما من مؤلف في التاريخ العُماني إلا وأصل مادته في الأدوار الأولى من التاريخ العُماني من كتاب العوتبي، وما من مؤلف في الأنساب العُمانية أو مهتم بالأنساب إلا والعوتبي له إمام».

وفي العصر الحديث، بدأ الباحثون النبش في المراجع والمدونات والتراجم وكتب الأدب العربي القديمة، لاستخراج ما حفظته تلك الكتب في مضانها من إرث الشعر العُماني. ولعل أول الكتب في هذا السياق كتاب (المذكرة في الشعر العُماني) للدكتور إسماعيل بن حمد السالمي. وكعادة الإصدارات العُمانية في تلك الفترة لا يوجد للكتاب ناشر أو تاريخ نشر، وإنما توجد على الغلاف الأخير عبارة تفيد بأنه طبع بمطابع العقيدة، ونستنتج من رقم الإيداع في الصفحة الأخيرة 64/97، أن الطباعة كانت عام 1997م. الكتاب يقع في 118 صفحة من القطع المتوسط. ويشتمل الكتاب على مقدمة وعدة عناوين داخلية تمثلت في (الشعر المروي في العصر الجاهلي) و(ملوك شعراء) و(الشعر في صدر الإسلام) و(الجلندى ملك عُمان) و(سلمة بن عابد الأزدي) و(مجفنة بن النعمان العتكي) و(عقبة بن النعمان العتكي) و(النعمان بن عقبة العتكي) و(أبو منصور محمد بن علي المهلبي) و(المشعوف العُماني) و(الراجز العُماني ـ إثبات هوية) و(محمد بن زوزان) و(أبو علي الكافي) و(بعد التحية).

في مستهل الكتاب يضع المؤلف تذكيرا أوليا للقارئ أن محتوى الكتاب ليس دراسة ولا نقدا، ويصفه بقول: «بل هو تجميع لشعراء أحببت أن أزود المكتبة العُمانية والعربية بأسمائهم، ولتبقى في عمل واحد، بدلا من بعثرتها في مصادر شتى». كما أشار المؤلف إلى أنه في آخر الكتاب جمع ما وجد من أشعار أبي علي الكافي حتى يظهر ديوانه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإسماعيلي قد عمل بالفعل على جمع ديون أبي الكافي علي ابن الحسن أبزون العُماني المشهور بالمجوسي.

يقول المؤلف في مقدمة كتاب (المذكرة في الشعر العُماني): «ولئن تتوفر مصادر الشعر العربي القديم في الكثير من تاريخ الأمة العربية، إلا أننا في المكتبة العُمانية يدعونا العجب حتى نعتبر وجود شاعر قديم ليس كذلك، بل قد لا نفكر في وجود شعراء في العصر الجاهلي، ومن ثم على امتداد بداية العصر الإسلامي الأول».

ولئن جمع السالمي عددا من الأسماء الشعرية في العصور المتقدمة من مصادر عُمانية وعربية، إلا إنه توسع على المستوى الزمني ليوثق لشعراء عُمانيين في العصور المتأخرة مثل دولة اليعاربة ومطلع قيام دولة البوسعيد.

واعتمادا على تاريخ النشر، فإن الكتاب الثاني في هذا السياق هو كتاب (شعراء عُمان في الجاهلية وصدر الإسلام) للباحث الإماراتي الدكتور أحمد محمد عبيد. الكتاب يقع في 98 صفحة وقد صدر عن المجمع الثقافي بأبوظبي، عام 2000م. يقول المؤلف في مقدمة مقتضبة للكتاب أنه: «يحاول فيه مؤلفه تسليط الضوء على منطقة من مناطق الجزيرة العربية لم يلتفت القدماء إلى أخبارها إلا قليلا، فقام بجمع ما وصله من أخبار شعرائها وما فاضت به قرائحهم، أو ما بقي من أشعارهم الكثيرة التي درست».

ويضيف المؤلف: «بدأت الدراسة بتمهيد عن حركة الشعر في عُمان في الجاهلية وصدر الإسلام، ثم ترجم الباحث لشعراء عُمان ترجمات موجزة، هي كل ما وصلنا من أخبارهم، ثم جمع أشعارهم وحققها». وقد وثّق فيه الباحث لثمانية عشر شاعرا عُمانيا من مصادر الأدب العربي المختلفة.

أما الكتاب الثالث الذي يشكل إضافة أيضا في البحث عن الشعر العُماني في تلك العصور المتقدمة هو كتاب (الشعر العماني في الجاهلية وصدر الإسلام: توثيق ودراسة) للباحث خالد بن محمد الريامي. صدر الكتاب عام 2024م عن مكتبة رؤى الفكرية، وهو يقع في 207 صفحات من القطع الصغير. يقول الباحث في خاتمة الكتاب: «جاء هذا البحث ليجمع شتات الشعر العُماني القديم، ويوثق مصادره وطرق وصوله إلينا، المدون في الكتب العمانية والعربية، والأسواق الأدبية، وأسواق العرب وما صاحبها من الشعر».

يشتمل الكتاب على مقدمة وخاتمة إلى جانب مبحث تمهيدي، وقسمين: القسم الأول خصصه الباحث لتوثيق الشعر وقد تكون من فصلين، كل فصل يضم مبحثين. أما القسم الثاني، فتمثل في دراسة فنية موضوعية، وقد اشتمل على أربعة مباحث.

في المبحث التمهيدي يطرح المؤلف تساؤلات عن سبب غياب الشعر العماني القديم؟ ويصل الباحث إلى أن هناك شعرا وشعراء لعُمان في العصور المتقدمة، لكن ثمة عوامل وظروفا تاريخية أدت إلى تلاشيه وغياب أكثره.

في القسم الأول الذي جاء بعنوان (توثيق الشعر العُماني)، جمع الباحث ما تناثر في بطون الكتب من الشعر العماني، عبر مبحثين خصص الأول للمصادر العمانية، في فيما خصص المبحث الثاني للمصادر العربية، وناقشت الخاتمة اضطراب روایات شاعر الناقة سامة بن لؤي القرشي. أما الفصل الثاني، فقد خصصه الباحث لأيام العرب وأسواقها في عُمان، وقد اشتمل على مبحثين، تناول في المبحث الأول: أيام العرب في عُمان، وتناول في المبحث الثاني أسواق العرب بشكل عام. أما القسم الثاني من الكتاب فقد اشتمل على دراسة فنية موضوعية للقصائد التي رصدها الباحث لمجموعة الشعراء الذين وثقهم من المصادر العمانية والعربية على حد سواء. وقد تمكن الباحث من جمع شعر اثنين وعشرين شاعرا عُمانيا، وبلغ عدد الأبيات الشعرية ثلاث مائة وثلاثين بيتا.

ولئن كان البحث والتنقيب والنبش في بطون المصادر المختلفة يعد أمرا غاية في الأهمية، من أجل جمع هذا الركام المتفرق من الشعر العماني في تلك الحقب البعيدة ورصده وتوثيقه، فإن دراسة هذا الإرث وتمحيصه تعد أيضا ضرورة من الأهمية بمكان، باعتباره تراثا تمتزج فيه الحقيقة بالخيال، والقصة الواقعية بالأسطورة، بحكم تنائي الزمان وبعد المكان بيننا وبين عهود إنتاجه.

وفي هذا السياق نقف على بحث مهم بعنوان (الشعر العماني القديم في عُمان: نظرات في أصول الشعر العماني) للدكتور محمد المحروقي ناقش فيه المرويات التي وردت في كتاب (الأنساب) للعوتبي حول هجرة الأزد من اليمن إلى عُمان بقيادة مالك بن فهم الأزدي وما ورد فيها من أشعار منسوبة إلى مالك ابن فهم. وفي الوقت الذي يصنف فيه الباحثون أشعار مالك بن فهم ضمن الشعر العُماني الجاهلي يذهب المحروقي إلى رأي آخر يؤكد فيه أن مالك بن فهم سبق العصر الجاهلي الذي يؤطره المؤرخون بقرنين قبل الإسلام. يقول المحروقي: «والعوتبي نفسه يذكر - كما أسلفنا - ما يؤكد بُعد عهد مالك بن فهم عن عصر الشعر الجاهلي. وإذا قلنا أن عصر مالك بن فهم هو القرن الثاني الميلادي، وعصر العوتبي هو القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري)، وجدنا الفارق بينهما عشرة قرون. وكما ذكرنا فإن كتاب الأنساب أقدم مصدر يذكر ذلك الشعر. ويستحيل أن يبقى الشعر مدة عشرة قرون محتفظاً بدقته غير مسجل».

وفي هذا البحث ناقش المحروقي أيضا الشعر المنسوب إلى مالك بن فهم ومازن بن غضوبة مناقشة تاريخية فنية وخلص إلى أنه «شعر منحول من وضع القصاصين لا يمكن الاطمئنان إلى صحته».

ورغم الجهود الطيبة التي قدمها البحث والدراسات وأعمال التنقيب المضنية، يظل الشعر العُماني القديم سؤالا مفتوحا على المزيد من التقصي والغوص عميقا في روافد الأدب وسبر أغواره والكشف عن خفاياه القصية.