انتهيت في مقالي السابق بعنوان «تحرر الفكر شرط الإبداع» إلى أن قيام الحضارة غير ممكن من دون إبداع، وأن الإبداع غير ممكن من دون تحرر الفكر، وأن تحرر الفكر يقتضي توافر السياق السياسي والاجتماعي، مثلما يقتضي أيضًا التحرر من قيود الإرث الثقافي، لكن التحرر من الإرث يظل مفهومًا غامضًا وملتبسًا؛ ولذلك أخصص المقال التالي لتحديد معناه ومعالمه.

فما معنى التحرر من الإرث الثقافي؟ ذلك سؤال يقتضي النظر في سؤال أسبق منه، وهو: ماذا يعني الإرث الثقافي ابتداءً: ما مجاله؟ وما حدوده؟ ولا شك في أن مفهوم الإرث الثقافي واسع للغاية؛ لأنه يشمل التراث المادي وغير المادي، والإرث الديني والاجتماعي، والإرث الثقافي ممثلًا في إبداعات الفنون والفكر والفلسفة بوجه خاص.

ولا شك أيضًا في أن الإرث الديني والاجتماعي هو العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل ثقافة الناس في مجتمع ما؛ لأنه ببساطة يتعلق بمنظومة القيم التي يعيش الناس وفقًا لها أو في إطارها؛ فالإرث الديني مليء بالخرافات والأساطير التي لا أساس لها في النص الديني (ممثلًا في آيات القرآن الحكيم وأحاديث رسول الإسلام الكريم)، ومع ذلك فإنها تهيمن على عقول العوام؛ لأن المحاولات التي تكشف عن زيفها وبطلانها (حتى من الناحية الشرعية) هي محاولات قليلة للغاية، وليست موجهة إلى مخاطبة هؤلاء العوام من الناس والقرَّاء، فضلًا عن أن نشرها والتصريح بها ربما يكون أمرًا محفوفًا بالمخاطر!

ومع ذلك، فإن الخرافات والأساطير لا تكون فقط بفعل الإرث الديني، وإنما أيضًا بفعل الإرث الاجتماعي المرتبط به بصورة أو بأخرى (فالخرافات تنبع دائمًا من مصدر واحد هو غياب التأويل العقلاني أو المعقول).

والحقيقة أن الإرث الاجتماعي وإن كان مرتبطًا غالبًا بالإرث الديني، فإنه في بعض نواحيه يكون مستقلًا عنه؛ بحيث ينبع من خرافات وأساطير أخرى متأصلة في العادات والتقاليد.

أكثر هذه العادات والتقاليد غير معقولة؛ ومن ثم ينبغي استبعادها من خلال عملية وعي تنويري يقوم على تمييزها عن العادات والتقاليد التي تستند إلى أصول دينية أو قِيمية، أعني: معبرة عن رموز مقدسة أو أخلاقية يُعتقَد أن لها تأثيرًا في واقع عالمنا المعيش.

غير أن الإرث الثقافي غالبًا ما يتجاوز الإرث الديني والاجتماعي؛ بحيث يبدو كما لو كان إرثّا مستقلًا قائمًا بذاته، وأنا أريد هنا التطبيق بوجه خاص على الإرث الفكري والفلسفي؛ لأن هذا الإرث يُعد إشكاليًّا في واقعنا الثقافي العربي بوجه خاص. فهناك من ناحية كثرة من الأصوليين الذين يطالبون باستدعاء التراث الفكري والبناء عليه، وهناك في مقابلهم قلة ممن يطالبون بالتحرر من الإرث الثقافي بدعوى إحداث قطيعة مع التراث.

والحقيقة أن كلا هذين الموقفين المتطرفين على خطأ بيِّن، لا بمعنى أننا ينبغي أن نقف موقفًا وسطًا بينهما (كما انتهت إلى ذلك معظم المشروعات النهضوية الكبرى في عالمنا)، وإنما بمعنى أننا ينبغي أن نقوم بتعرية الأصول التي تستند إليها ومساءلتها نقديًّا من حيث مشروعيتها. في ضوء هذا يمكن أن ننظر في المحاولات الفلسفية في واقعنا الراهن التي تدعي أنها محاولات فكرية فلسفية متحررة من الإرث الفكري الفلسفي، سواء ذلك المتوارث من الماضي التليد، أو ذلك الإرث المتوارث من فكر الحضارة الغربية عبر ماضيها وتطورها وحاضرها في عالمنا الراهن.

ولا شك في أن في هذا القول بعض الحق باعتباره دعوة إلى التحرر من قيود الإرث الثقافي، ولكن هذا القول قد يوحي عند البعض بأن الإبداع يعني التحرر من الإرث الفكري الفلسفي، وهو إيحاء واهم. ومكمن الوهم أو التصور الخاطئ هنا هو أنه لا يُوجد إبداع حقيقي في أي مكان يكون بلا أصول أو جذور، فكل إبداع ينبع من مصدر ما أو أكثر، حتى في عملية سعيه إلى تجاوز الأصول الفكرية التي نبع منها أو تأثر بها.

ومن هنا يمكن أن نفهم قول الفيلسوف الكبير جادامر حينما ذهب إلى القول بأننا ينبغي أن نبقى مع هيجل حتى حينما نتجاوزه. وبهذا المعنى أيضًا فإننا لا يمكن أن نفهم هايدجر من دون هوسرل، ولا يمكن أن نفهم سارتر أو ميرلوبونتي (على ما بينهما من اختلاف) من دون هايدجر وهوسرل معًا على الرغم من أن كل واحد من هؤلاء الفلاسفة الكبار- وعلى رأسهم هايدجر- له إبداعه الخاص، وكان داعيَا إلى تحرر الفكر.

وعلى هذا فإن الدعوة إلى التحرر من الإرث الثقافي باسم الإبداع هو تصور ساذج لمعنى الإبداع ذاته؛ فالرؤية الإبداعية في الفكر (كما في الفن) لا بد أولًا أن تستوعب الأصول السابقة، كي يمكنها تجاوزها، وهي في النهاية لا بد أن تنطوي على إرث ما، سواء أكان ينتمي إلى عالمنا أو ينتمي إلى عوالم أخرى. ولذلك فإن الرؤية الإبداعية حتى عندما تتجاوز إرثًا ما تسعى إلى تجاوزه من خلال نقده ومساءلته أو إعادة تأويله، أو مد نطاقه إلى أفق أبعد، وبذلك يبقى الإرث حاضرًا دائمًا بصورة ما أو بأخرى.