في كل مرة أذهبُ فيها وأهلي إلى «الجربيب» لشراء لحم الجمل المضبي على الفحم، تستوقفني اللافتة نفسها: «المطعم رقم ثمانية». لا اسم لمؤسس، ولا إشارة إلى المكان، ولا كلمة تراثية أو أجنبية تستدرج الزبائن.

مجرد رقم، وعمّال قدموا إلى ظفار بحثًا عن الرزق والاستقرار، يَعرضون خدمات المطعم بكّل محبة واحترام. ومع تكرار الزيارة بدأ السؤال يكبر في ذهني: ماذا تخبرنا أسماء المحال التجاريّة عن المشهد اللغويّ الذي نعيش فيه؟

لماذا الأرقام؟ هل الرقم أسهل تسويقًا؟ هل هو لغة عالمية تتجاوز اللغات؟ وماذا يحدث حين تُستبدل الأسماء بالكلمات أو الأرقام؟ ماذا تخبرنا اللافتات التجارية عن المجتمع الذي نعيش فيه؟

هل ما يهمّ الزبون هو أن تتكاثر المطاعم العالميّة أو المحليّة من حوله، أم أن يكون هناك مطعم حيويّ يشعر فيه بهُويتّه القادرة على الانفتاح على أكلات العالم ونكهاته؟ هل الطعام الذي سيُقدمه أي مطعم هو الذي يدفع الزبون إلى الانتظار في سيارته أم يرتبط ذلك كله بشعور خفي مخاتل يصعبُ الإمساك به؟

جاء عنوان الحلقة النقاشية (المشهد اللَّغوي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية)، التي نظمها مركز الترجمة والتعريب بالأمانة العامة بالرياض وحاضر فيها عدد من الباحثين الأجلاء من المملكة العربية السعودية، وعُمان، لافتًا ومهمًا في وقته.

وقد خرجتُ من الحلقة بشعور غير مريح؛ إذ بدا لي أن ما يتهدد العربية في دول الخليج ليس مجرد اعوجاج عابر في اللسان، بل مسألة أعمق تتصل بالعولمة الثقافية وتحوّلات الذوق اللغوي في الفضاء العام.

تتأثر اللغة بالعولمة تأثرًا كبيرًا، وفي سياق مقالتنا هنا، تبدو آثار التأثر واضحة في عنوان المطعم نفسه؛ إذ استُعمل الرقم الأجنبي في كتابة اسم المطعم على الواجهة، حتى حين يوجد مقابل عربي! ويمكن أن ينشأ من هذه التفاصيل تغيّر في الذوق اللغوي، وازدواج في طريقة التعبير، وصعود لخطاب هجين يغدو فيه نطق الاسم الأجنبي أكثر جاذبية في نظر بعض المتكلمين على إحدى هذه الأنحاء: “Restaurant No. 8” أو «المطعم نَمبَر إيت»، أو «ريستورنت رقم ثمانية» ليبدو قائلها أكثر جاذبية.

وكثيرًا ما تُربط اللغة الأجنبية في مجتمعاتنا الخليجية، بل وفي الوطن العربي عمومًا بالوجاهة الاجتماعيّة، أو الحداثة، أو الفرص المهنية، في حين تُدفع اللغة المحلية إلى مجالات أقل حضورًا.

كأن التسمية بالعربية لم تعد تحتفظ بالأولوية نفسها التي كانت عليها في الماضي، يوم كان الاسمُ، والنسبُ، والانتسابُ إلى العائلة والثقافة مصدر فخر واعتزاز وانتماء للثقافة العربية. كَمْ كنتُ أُسعد عندما كان والدي يسأل أخي الأصغر عن اسمه وأجداده، فإذا أجاب إجابة صحيحة منحه مكافأة مجزية، وإذا أخطأ فله أجر المجتهد.

لم يكن سلوك أبي إلا امتدادًا لثقافة عربية كانت تفخرُ في مجالس المفاخرة والمنافرة بالانتساب إلى الجد السابع، حين كان ذكر الأجداد دليلًا على قوة النسب في سياق ثقافيّ عربيّ تقليديّ، وأستحضر هنا بيتًا قديمًا في الفخر بالنسب، لم أهتدِ إلى قائله، يقول:

إنّي امرُؤٌ من عُصبةٍ غُرِّ الذُّرَى ... سبعونَ جدًّا ليَ لا أستخفِي

غير أن التسمية الرقمية اليوم تمنح اختصارًا في المعاملات، وتنسجمُ مع عالم سريع تميل لغته إلى الاختزال. فاللغة أداة من أدوات العولمة؛ تُنقل بها المعرفة، والإعلانات، والتقنية، والتعليم، والمحتوى الرقمي، والأفلام والمسلسلات، والمصطلحات الاقتصادية والثقافية.

ولا يكاد أي صراع سياسي يخلو من الأرقام ودلالاتها؛ فلكل رقم منطقه، وفلكه، وتاريخه، وذاكرته، وضجيجه، أو كما يكتب محمد الرميحي في مقالته (ضجيج الأرقام، العربي، 1987) قائلا: «بعض الأرقام تتكلم، وكلام بعضها له ضجيج يكاد يصم الآذان».

في سياق آخر، تذهب الباحثة منى السليمي إلى أن للأرقام أحلاما، فتكتب مقالتها (شارع 99) ضمن كتابها (ظل يسقط على الجدار) عن غواية الرقم الناقص، وإغرائه بالوصول، وعن اقتران الرقم مائة في المخيال: «ألا يرتبط هذا الرقم نفسه بفكرة الحلم والسعي إلى الاكتمال؟ أليس في الرقم النّاقص إغراء بالوصول؟ لطالما كان الوصول مقترنًا بالرقم مائة في تحقيق العلامة الكاملة»، وهي في رأي دلالة منفتحة على القيمة الكونية للأرقام، وتأثيرها في حياتنا وخيالنا الإبداعي.

ولا يقتصر الأمر على تنميط الأرقام بوصفها مدخلًا إلى التسويق السهل، بل يتجاوز ذلك إلى وجود مشهد لغوي هجين أخذ يتسع في مجتمعات الخليج، حيث تختلط الفصحى بالعامية، والعربية بالإنجليزية، في الأسواق الشعبية والمولات والفضاء اليومي، وفق رؤية مضللة خضعنا لها ضمن الخضوع لمركزيات سياسية، واقتصادية وتجارية متجاذبة الأطراف. ففي الداخل المحلي، كما في الخارج العربي، يُطرحُ موضوع الهجنة كخطاب هجين بين الفصحى والعامية واللغة التجارية.

وأفرزت تحولات اللغة ولهجاتها في مجتمعات الخليج العربي إلى ظهور أشكال متنوعة من التحديات التي لم تلتفت إليها الدراما في المسرح والتلفزيون والسينما التفاتًا مناسبًا، وحتى في السرد الروائي والقصصي، يأتي الحضور المرجعي لتلك التحولات في حدود متواضعة.

وسبب ذلك لا يعني قصورًا لدى المبدع، بل إن التنوّع الهائل للهجات في الخليج لا يقابله تنوعها في الوطن العربي؛ فالوطن العربي الذي استقر فيه الخطاب اللغوي باستقرار لغتين عالميتين ورسميتين هما الإنجليزية والفرنسية، فإن الحال في مجتمعات الخليج مختلف كثيرًا، إذ يتسع اتساعًا كبيرًا بفعل الاقتصاد والعمالة الوافدة، فلا يُطرح الموضوع بوصفه خطابًا بين لغتين؛ عربية في مقابل إنجليزية، إنّما بوصفه شبكة معقدة من التداخلات بين الفصحى، والعامية الخليجية، والإنجليزية، والعربيزية في الفضاء الرقمي، والبيجينية أو اللغة المبسطة المتداولة في التعامل مع الوافدين.

إضافة إلى ذلك أن مجتمعات الخليج محكومة بتاريخ طويل من التنقل والتجارة والانتماءات القبليّة ذات امتدادات تاريخية عميقة في الجزيرة العربية، وهو ما جعل بعض الباحثين يتحدثون عن هوياتٍ لغوية خليجية لا تتحدد بالمواطنة وحدها، بل تتشكل أيضًا بفعل العولمة، والتركيبة السكانية، والتغيرات الديمغرافية، والتعدد اللغوي الواسع.

وفي كتاب (الهويات اللغوية في دول الخليج العربي: موجات التغير) الذي حررته سارة هوبكنز، ووفاء زغبور، أبينغدون، أوكسون: روتلدج، 2022م، ونقلاً عن موقع مركز زاي لبحوث اللغة العربية... تبدو هذه الفكرة واضحة في الحديث عن تعقيدات العولمة في مجتمعات الخليج، وكيف أن سياقاتها تتنوع تنوعًا شديدًا في ظل ما تواجهه فيها «أجندات التعريب ومبادرات تبيئة اللغة في مبادرات مِن مثل «البحرنة»، و«التوطين»، و»التعمين»، و«التقطير»، و«السعودة»، و«التكويت»، حيث من المفترض أن تؤدي هذه كلها مجتمعة لا منفصلة، إلى تشكيل هويات ثقافيّة متجانسة منفتحة لا منغلقة.

في طريق العودة من الجربيب، ألقيتُ تحية على المطعم، ثم خطر في البال الكثير من الخواطر، فأخذت الأسئلة تنثال واحدًا تلو الآخر: ما أهمية أن يكون لي اسم؟ ما وظيفة الرقم الذي نختاره في حياتنا؟ ماذا كان سيحدث لو استُبدل اسمي بكلمة أو رقم، مثل المطعم؟ وهل نحن أسرى هويات ماضوية في بنية ثقافتنا العربية؟ لكنني تذكرتُ مقطعًا للشاعر نزار قباني في قصيدته (رسالة إلى رجل ما) أزعم أنه أراحني كثيرًا، لكنه في حقيقة الأمر، وسع مجال الرؤيا لا أكثر. يقول:

«هل كتبتْ إليكَ قبلي امرأةُ

حمقاء؟

اسمي أنا؟ دعنا من الأسماء

رانيا... أم زينب

أم هندٌ... أم هيفاء؟

أسخف ما نحمله يا سيدي

الأسماء».

غير أنني، رغم غواية هذا المقطع، لا أستطيع أن أتعامل مع الاسم بوصفه شيئًا عابرًا أو فائضًا عن الحاجة. فالاسم في ثقافتنا بتعبير عبدالسلام بنعبد العالي في مقالته (هُويات هارِبة) ضمن كتابه (القراءة رافعة رأسها) «يوحّد ويَجمع، يفرّق ويفصل ويُميز»؛ إنه صوت من أصوات الهوية.

لذلك ظل «المطعم رقم ثمانية» يُربكني، لا لأنّه اختار رقمًا بدل اسم، بل لأنّه أيقظ في داخلي سؤالًا أكبر: ماذا يحدث لهويتنا اللغوية حين تكتفي الأشياء بالأرقام، وتنسحبُ الأسماء بهدوء من واجهات المدينة؟