فجأة انقلبت الأوضاع في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية، التي يطلق عليها أهلها لقب «فينيسيا الشمال» تشبها بمدينة البندقية الإيطالية. ففي ساعات قليلة، تحولت المدينة من وجهة سياحية هادئة تحتضن السياح إلى ما يشبه الثكنة العسكرية؛ إجراءات أمنية مشددة، وانقطاع واسع لخدمات الإنترنت، وحظر شبه كامل لوسائل الاتصال والتواصل، وشلل رقمي جعل المدينة تبدو وكأنها معزولة عن العالم.

جاء ذلك عقب هجوم نفذته مسيّرات أوكرانية استهدفت بعض المنشآت النفطية في المدينة، الأمر الذي دفع السلطات إلى إعلان حالة استنفار غير مسبوقة.

كنت هناك في ذلك اليوم، وأثار استغرابي ذلك الانقطاع المفاجئ للإنترنت والإجراءات الصارمة التي امتدت حتى إلى حظر العديد من وسائل التواصل، بل وحتى بعض الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي يعتمد عليها كثيرون للوصول إلى الخدمات المحجوبة، فضلًا عن بعض التطبيقات المحظورة أصلا في روسيا.

وعندما استفسرت عن السبب، قيل لي إن روسيا تتبنى سياسة تقوم على فرض سيادتها الكاملة على بنيتها التحتية الرقمية، وترفض بصورة قاطعة السماح لبعض التطبيقات والمنصات العالمية بالوصول إلى بيانات الأفراد والمؤسسات، ولا سيما الجهات التي تتعامل مع معلومات ذات حساسية أمنية عالية، خوفا من الانتهاكات والاختراقات الأمنية لها ولبيانات مواطنيها.

في تلك اللحظة، انتابني شيء من الامتعاض تجاه هذه السياسة التي بدت لي وكأنها تحظر كل شيء، خاصة أنني، كغيري، اعتدت على استخدام العديد من التطبيقات العالمية التي أصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر في مختلف أنحاء العالم.

ووجدت نفسي مضطرا إلى اللجوء لبعض تطبيقات تجاوز الحجب، وهي وسيلة لم أكن أفضل استخدامها أصلا، فقط لأتمكن من الوصول إلى الخدمات التي اعتدت عليها، دون أن أدرك حينها أن وراء تلك الإجراءات فلسفة أعمق تتعلق بما بات يعرف اليوم بالسيادة الرقمية.

وقبل تلك التجربة، كنت في العاصمة الصينية بكين، حيث واجهت واقعا رقميا مشابها لا يسمح بالوصول إلى كثير من التطبيقات والمنصات العالمية.

يومها انتابني الشعور ذاته بالخيبة والاستغراب؛ كيف لدولة بحجم الصين، بما تمتلكه من قوة اقتصادية وتقنية هائلة، أن تتعامل مع تطبيق مراسلة أو منصة تواصل اجتماعي باعتبارها قضية تمس أمنها القومي؟ وكيف يمكن لتطبيقات يستخدمها مئات الملايين حول العالم في السفر والتنقل والأكل والبيع والشراء أن تُعد مصدرا محتملا لتسريب بيانات المواطنين والمؤسسات إلى جهات خارجية قد تسيء استخدامها أو تتاجر بها؟

في ذلك الوقت، لم يكن التفسير الرسمي الذي يستند إلى مفهوم السيادة الرقمية كافيًا لإقناعي، وكنت أنظر إلى تلك القيود بوصفها عائقا أمام حرية الوصول إلى الفضاء الإلكتروني العالمي.

لكن مع مرور الوقت، بدأت أتمعن في هذا المفهوم وأقرأ عنه بصورة أعمق، لأدرك أن السيادة الرقمية ليست بعيدة في جوهرها عن السيادة على الأرض أو الحدود أو المجال الجوي. فكما تحرص الدول على حماية حدودها المادية من أي اختراق، فإنها تسعى أيضا إلى حماية حدودها الرقمية، باعتبار أن البيانات أصبحت موردا استراتيجيا لا يقل قيمة عن النفط أو الغاز أو الثروات الطبيعية، وأن السيطرة على تدفقها وتخزينها ومعالجتها أصبحت جزءا أصيلا من الأمن الوطني.

فالبيانات اليوم ليست مجرد معلومات عابرة يتركها المستخدم أثناء تصفحه للإنترنت، بل هي سجل متكامل يكشف أنماط السلوك والاهتمامات والعلاقات والقرارات، ويمكن توظيفها في التأثير على الرأي العام أو توجيه الأسواق أو حتى ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية.

ومن هنا بدأت أفهم أن ما كنت أراه يوما مبالغة في الحذر، قد يكون في نظر الدول ممارسة لحق سيادي يهدف إلى حماية فضائها الرقمي ومصالحها الوطنية في عالم أصبحت فيه الحدود الإلكترونية أكثر حساسية من الحدود الجغرافية نفسها.

أعود إلى روسيا والصين بحكم التجربة، وإلى الدول التي بدأت بحظر بعض التطبيقات العالمية لحماية سيادتها الرقمية، وهي سياسة يرى بعض المنظرين في الغرب أنها تتعارض مع مبدأ حرية الوصول إلى البيانات والمعلومات للمواطنين.

كما أن هناك فئات من الشباب داخل تلك الدول تعارض حظر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة والاتصالات الرقمية، بحجة أنها تكرس الرقابة والتحكم والإشراف الحكومي على شبكة الإنترنت بأكملها.

غير أن «الحقيقة المرة»، كما يقال، هي أن النوايا الصافية لا مكان لها في الفضاء الرقمي. فكما يمكن للأفراد أن يتعرضوا لانتهاكات الخصوصية والابتزاز الإلكتروني وغيرها من التهديدات الرقمية، فإن الدول والكيانات والمؤسسات ليست بمنأى عن تلك المخاطر، بل قد تواجه اختراقات تستهدف أمنها الوطني واستقرارها الاجتماعي والسياسي وحتى مصالحها الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن السيادة الرقمية في عالم متوحش يعج بأصحاب النوايا السيئة لم يعد ترفا فكريا أو خيارا سياسيا، بل أصبح ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن الوطني وتدعمها القوانين والتشريعات التي تكفل للدولة استقلالها الرقمي، وتمكنها من حماية بنيتها التحتية وبيانات مواطنيها ومؤسساتها من الاختراق أو الاستغلال أو الهيمنة الخارجية.

إن الطريق إلى تحقيق السيادة الرقمية الوطنية في سلطنة عُمان قد بدأ قبل فترة ليست بالطويلة، لكنها قد تكون بداية الطريق نحو تحقيق وضمان أمن وسرية البيانات والمعلومات.

فمبادرة «ساس للتميز» التي أطلقتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات بالتعاون مع بعض الجهات تسعى إلى توطين شركات التقنية العُمانية ودعمها تقنيا وماليا، إضافة إلى إطلاق السحابة الوطنية التي تسعى إلى إنشاء بنية تحتية سحابية محلية لضمان بقاء البيانات الحساسة وتخزينها ومعالجتها داخليا، وتحديث القوانين والتشريعات المنظمة للأمن السيبراني وحماية البيانات. كل هذه الإجراءات وغيرها تهدف إلى حمايتنا نحن الأفراد في المقام الأول، وحماية الدولة وضمان سيادتها الرقمية من الذئاب الإلكترونية التي تتربص بالدول الهشة تقنيا للانقضاض عليها.