جاء ذلك عقب هجوم نفذته مسيّرات أوكرانية استهدفت بعض المنشآت النفطية في المدينة، الأمر الذي دفع السلطات إلى إعلان حالة استنفار غير مسبوقة.
وعندما استفسرت عن السبب، قيل لي إن روسيا تتبنى سياسة تقوم على فرض سيادتها الكاملة على بنيتها التحتية الرقمية، وترفض بصورة قاطعة السماح لبعض التطبيقات والمنصات العالمية بالوصول إلى بيانات الأفراد والمؤسسات، ولا سيما الجهات التي تتعامل مع معلومات ذات حساسية أمنية عالية، خوفا من الانتهاكات والاختراقات الأمنية لها ولبيانات مواطنيها.
ووجدت نفسي مضطرا إلى اللجوء لبعض تطبيقات تجاوز الحجب، وهي وسيلة لم أكن أفضل استخدامها أصلا، فقط لأتمكن من الوصول إلى الخدمات التي اعتدت عليها، دون أن أدرك حينها أن وراء تلك الإجراءات فلسفة أعمق تتعلق بما بات يعرف اليوم بالسيادة الرقمية.
يومها انتابني الشعور ذاته بالخيبة والاستغراب؛ كيف لدولة بحجم الصين، بما تمتلكه من قوة اقتصادية وتقنية هائلة، أن تتعامل مع تطبيق مراسلة أو منصة تواصل اجتماعي باعتبارها قضية تمس أمنها القومي؟ وكيف يمكن لتطبيقات يستخدمها مئات الملايين حول العالم في السفر والتنقل والأكل والبيع والشراء أن تُعد مصدرا محتملا لتسريب بيانات المواطنين والمؤسسات إلى جهات خارجية قد تسيء استخدامها أو تتاجر بها؟
لكن مع مرور الوقت، بدأت أتمعن في هذا المفهوم وأقرأ عنه بصورة أعمق، لأدرك أن السيادة الرقمية ليست بعيدة في جوهرها عن السيادة على الأرض أو الحدود أو المجال الجوي. فكما تحرص الدول على حماية حدودها المادية من أي اختراق، فإنها تسعى أيضا إلى حماية حدودها الرقمية، باعتبار أن البيانات أصبحت موردا استراتيجيا لا يقل قيمة عن النفط أو الغاز أو الثروات الطبيعية، وأن السيطرة على تدفقها وتخزينها ومعالجتها أصبحت جزءا أصيلا من الأمن الوطني.
فالبيانات اليوم ليست مجرد معلومات عابرة يتركها المستخدم أثناء تصفحه للإنترنت، بل هي سجل متكامل يكشف أنماط السلوك والاهتمامات والعلاقات والقرارات، ويمكن توظيفها في التأثير على الرأي العام أو توجيه الأسواق أو حتى ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية.
ومن هنا بدأت أفهم أن ما كنت أراه يوما مبالغة في الحذر، قد يكون في نظر الدول ممارسة لحق سيادي يهدف إلى حماية فضائها الرقمي ومصالحها الوطنية في عالم أصبحت فيه الحدود الإلكترونية أكثر حساسية من الحدود الجغرافية نفسها.
كما أن هناك فئات من الشباب داخل تلك الدول تعارض حظر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة والاتصالات الرقمية، بحجة أنها تكرس الرقابة والتحكم والإشراف الحكومي على شبكة الإنترنت بأكملها.
فمبادرة «ساس للتميز» التي أطلقتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات بالتعاون مع بعض الجهات تسعى إلى توطين شركات التقنية العُمانية ودعمها تقنيا وماليا، إضافة إلى إطلاق السحابة الوطنية التي تسعى إلى إنشاء بنية تحتية سحابية محلية لضمان بقاء البيانات الحساسة وتخزينها ومعالجتها داخليا، وتحديث القوانين والتشريعات المنظمة للأمن السيبراني وحماية البيانات. كل هذه الإجراءات وغيرها تهدف إلى حمايتنا نحن الأفراد في المقام الأول، وحماية الدولة وضمان سيادتها الرقمية من الذئاب الإلكترونية التي تتربص بالدول الهشة تقنيا للانقضاض عليها.