عاطف سليمان
تعالَ سميح! سأُريكَ شجرة!
من تليفون كُشْك المثلّجات، بجوار بوابة الحديقة، حادثَت فاديةُ زميلَها المقرَّب بهذه الكلمات. حضرَ سميح فأومأَت إليه بالاقتراب من الشجرة والإنصات؛ فسمعَ ما يشبه الكلامَ!
يتعلَّق الأمرُ بحديقة الأزبكيّة، في نهايات ربيعٍ بمنتصف عقد سبعينيات القرن العشرين، وقد أخبرتني فادية أنها كانت بوقتِ العصرِ جالسةً على الحشائش ومستندةً إلى جزءٍ مستوٍ من جذع شجرة نخيل ملوكيّ، لَطالما اعتادت الإتيان إليها بتفاؤلٍ في عشيات الامتحانات لأجل مراجعة بعض دروسها بجوارها، وتسريب اضطرابها والتفلُّت من وعكاتِها في حِماها، وأنها كانت تستعيدُ في ذهنها شيئًا من دروسها، بذروةِ انتباهِها وتركيزها، حين سمعَت همهمةً أو تمتمةً تتدفّق إلى عمودها الفقريّ وتبلُغُ أُذنيْها، آتيةً إليها من جذع الشجرة. في ذلك الأصيل كانت الحديقةُ خاليةً وهادئة بسبب مباراة كرة قدم أُقيمت، بعدما اُرتُقِبت بحماسٍ، فاستحوذَت على جمهورٍ كبير في المقاهي والبيوت. أنبأتني فادية، بيقينِ مَن تحقّقَت وتثبَّتَت من حالة الشجرة متلبِّسةً بالكلام، أنّها لم تنسَ تلك الهمهمةَ، فمسَّها هلعٌ من الأشجار، حتى إنها قد غدَت تتجنّبُ الأخشابَ قاطبةً بقدر الإمكان، وكادت مفروشاتُ عُرسِها تخلو من الأثاث الخشبيّ، بالاتفاق على ذلك مع سميح الذي تقدّم إلى أهلها للزواج منها بعد أن تخرّجا في قسم علم النبات بكلية العلوم جامعة القاهرة.
نظرًا إلى اكتظاظ الأتوبيسات المستحكِم آنذاك؛ كانت تطرأُ لي أحيانًا، في طريقي إلى الجامعة، بالصباحات التي تنحسرُ فيها هِمَّتي ويعتريني الضجرُ، فكرةُ ركوبِ الأتوبيس المراد، لكن بالاتجاه العكسيّ، إذا صادفتُ واحدًا قليلَ الازدحام، من أجل الوصول إلى نهاية خط سَيْرِه؛ حيث ينزل معظمُ رُكَّابِه، فتُتاحُ المقاعدُ خاليةً للحظاتٍ قِصارٍ، فيمكنني حِيازةُ مقعدٍ والتمتعُ بالجلوس فيه حتى محطة الجامعة. كنتُ جالسًا إذًا في أتوبيس خالٍ بجوار نافذةٍ أنظرُ إلى خارجِها وأُدخِّن سيجارةً بانتظار انطلاقِه من أُولى محطاته، وسرعان ما جاورَني شخصٌ بِخِفةٍ، فما انتبهتُ إليه لأنني كنتُ ساهيًا في خيالاتي أُدندنُ لنفسي في فراغ النافذة المفتوحة مَقطعًا أجريتُ لكلماتِه تحويرًا وتحريفًا ماجِنًا، ولم أكُف عن الترنُّم به إلى أن أدارَ السائقُ موتورَه الصاخب، وإذْ اِلْتفَتُّ إلى واقعي داخل الأتوبيس لقيتُ أنّ مَن يجاورني هي شابّةٌ مُهندَمة فابتسمتُ كترحيبٍ، فازدادت هي تجهُّمًا، ونطقَت في وجهي بلا مقدمة: كان لكْ معايا أجمل حِكايا. ألغَت جارتي تحريفاتيَ وأعادتني بصرامةٍ إلى الصواب الذي خالفْتُه، فأخبرتُها أنّني مُنساقٌ إلى مثل هذا العبث بسبب سوء نتائجي الدراسية وأنواءٍ أخرى. سامحَتني. من لُطفِ نظرتِها الواجمة في ظهرِ كفيْها علمتُ أنها تفهَّمَت وصفحَت، وتعارفنا، ونزلنا كرفيق ورفيقة في محطة جامعة القاهرة. وسرنا معًا بمحاذاة سور حديقة الحيوان صوب بوّابة الجامعة. وبلا قصدٍ دندنتُ عفويًّا الصيغةَ الفاسدةَ للمقطع، فابتسمَت باعتراضٍ يائسٍ، ثم شاركَتني بصوتٍ خافت مع هزّاتِ اعتراضٍ بكتفيْها.
دخلنا الحرمَ الجامعيّ متجاوريْن، فأعادت على مسمعي اسمَها واسمَ الكلية والقسم وكل شيء، بينما كانت تستخرجُ لي بتلقائيةٍ من حقيبة يدها لوحَ شيكولاته كورونا بضخامة راحة اليد، مُغلَّفًا بالأخضر الفُزدقيّ والأحمر المرجانيّ، وتعشَّمَت مني ألّا أرمي الغلافَ لأنها مُغرَمةٌ بأيقونة الغزالة الصغيرة المرسومة عليه. ولقد أبررتُ فأبقيتُ الغلافَ، وداومتُ على إعمالِه فاصلًا بين صفحات الكتب والمذكِّرات، لكني غفلتُ عن فادية نفسِها بحنانِها ودماثتِها ومبادراتها وكأنّي لم أرَها أبدًا، فما ذهبتُ لِلُقياها في كُلية العلوم، وما تفكَّرتُ فيها إلّا وانتهيتُ إلى لَوْمِها؛ هي القصيرة، الشبيهة بالفرنسية ميراي ماتيو ذات الشعر الناعم المقصوص والوجه القمريّ المفتقِر إلى الوجنات، فلا قامةَ لها تصمدُ لمضاهاتي إياها بقامةِ مُلهِمتي وعروسي الخيالية ومُلهِبتي وعجيبتي الشابّة كانديس بيرجن الفارِعة، ولا قسماتٍ حلوةً لها تُباري طَلَّةَ وجهِ الفتاةِ چين فوندا لِأجُوعَها وأعطشَها؛ فكانَ أنِ انزوَت بل انحذفَت من خواطري خامِدةً؛ ما استوحشتُ غيبتَها حتى وغُلاف هديتِها يُنقَل بيدي من كتابٍ إلى كتاب، حتى وأنا أدندنُ وحدي مقطعي المعترَض عليه منها، حتى وأنا أُحاذي سورَ حديقة الحيوان وأحيِّيّ الحمارَ الوحشيّ البعيد بتلويحاتٍ كتلويحاتِها. وليس لي أن أُماريَ أو أتنصّلَ من سوابقي في سطوة الصغائر على شؤون هوايَ وعشقي؛ ففي بواكير عهدي بدراستي الجامعية شُغِفتُ بزميلةٍ من قبل أن أراها بسبب وَقْعِ ورسْمِ اسمِها عليَّ؛ نُهى، وسعيتُ إلى التعارف معها، ونِلتُ مُحاذاةً واعدةً من روحِها، وأحببتُها كُرمى لِاسمِها إلى أن رأيتُه يُرسَم نُها فهمدتُّ، وبَهُتَ حُبّي، ومن ثَم بدا وكأنّ نعائمَ الحياةِ قد أزمعَت، لِرعونتي، أن تجفلَ مني وتتفلَّتَ وتفُوتَني.
التقيتُ فادية مرةً ثانيةً بعد سنةٍ من عُرسِها ذاك، وقد انفصلَت عن زوجها بأثرِ تداعيات ذلك الأصيل الذي سمعا، أو توهَّما أنهما سمعا، إبّانه شجرةَ حديقة الأزبكيّة تُهمْهم أو تُتمْتم. وإذْ كنتُ، بدوْري، قد سمعتُ في ذلك الشتاء ما أُشيع عن نزول وتمتْرُس دبّابات الجيش في بعض ميادين العاصمة، بعد مُلاحقة وانحسار المظاهرات، فإنّي نزلتُ أتجوَّلُ في شوارعَ متوجِّسةٍ شبهِ خالية، ولم أُصدِّق عيني وقد رأَت دبّابةً صفراء على أسفلت الشارع في وسط ميدان رمسيس. اقتربتُ، ويبدو أن هيأتي المتعالية ونظراتي المشمئِزّة كانتا قد أثارتا رِيبةَ وغيْظَ مَن يُراقِب، فاستُوْقِفتُ وبُدِئَ استجوابي في الشارع، إلى أن لمحتني فادية، التي لم ترني قبلًا سوى مرةٍ، وكأنها ملاكٌ مُرسَلٌ، فأقبلت مهرولةً ووضعت ذراعَها في ذراعي فورًا واستخلصتني بتمثيل أنّي زوجُها الفضوليُّ المستهتر الأهطل، فتراجعَت ضغينةُ المرتابِ المستفَز، وأسفَرَ عن رغبته في عدم التصعيد، وتنازلَ عن إصراره على اعتقالي. انصرفتُ وإياها؛ ذراعًا في ذراع لأجل حَبْكِ مخادعة رجل الكمين. أنقذتُ حياتكَ! وكرامتي من قبل حياتي، حقًا وصدقا يا فادية. ارتعشَت وارتعشتُ حين نطقتُ اسمَها. لَفَفتُ ذراعي على كتفِها فسَعَلَت باصطناعٍ كاحتجاجٍ، فتجاسرتُ وخاصرتُها، فخاصرتني، ومضينا إلى محطة السكّة الحديد لحجز التذكرة التي من جرّائها تحقّق لقاؤنا الثاني، ثم جلسنا في شُرفة كاﭬـتيريا المحطة.
أخبرتني باسمِهِ، وبكوْنِها تزوّجته لأنها قدّرت حُبَّه لها. في شهور زواجهما تشدَّدَت فادية في حِرصِها على تناسي واقعةِ الشجرة المتكلِّمة؛ راغِبةً في إنكار الحدث من أساسه، وساعدَها سميحُ بصدقٍ ولماحيّةٍ فلم يأتِ بما يمكن أن يُفسد خطةَ زوجته، غير أنّ وجودَه هو نفسه قد دامَ تذكيرًا لها بالواقعة المشؤومة ما يني يُحييها. بلا غضاضةٍ احتملَ سميحُ تَزيُّداتِ فادية في اعتصابِها ونزقِها، ولم يتوقّع انهيارَ مثابرتِه، إلى أن دَهَمَه اعتلالٌ طارئٌ أقصاهُ عن لُطفِه المكين وعن سِعةِ اصطبارِه فاهتاجَ ووَصَمَها بالخَبل واللوْثةِ، فنظرَته وأطرقَت وانفصلَت. هالَني أن تُتهمَ شجرةٌ، بل تُدانَ، بفسْخِ زواجٍ توفّرت له سُبُلٌ من الانسجام. منذ يوم الأتوبيس وأنا أعرفُ أنّ سمعَكِ مرهفٌ. ضحكَت. لا أنسى أنّكِ سمعتِ دَندنتي وسط الضجيج وقد كنتُ أرميها خارج النافذة. أشرقَت وضحكَت حتى غصَّت. تُرى هل حقًا سمعتِ الشجرة؟ نعم! أتُراكِ كُنتِ متأكّدة؟ إنّ ما سمعتُه باقٍ في أُذنيَّ إلى الآن! لعلّه كان صوتَ مياهٍ في مسقاةٍ بالقُرب، أو تحت الأرض مثلًا؟ أوَتعرف! لقد ظننتُها كذلك أنا أيضًا في أول الأمر، بل حاولتُ إثباتَ هذا الظنِّ! بأيِّ شيءٍ كان الصوتُ شبيهًا يا فادية؟ أحسستُه شبيهًا بكلماتنا هذي! هل وَضَحَ لكِ بعضٌ منها؟ هنالك كلمةٌ سمعتُها نقيّةً وسمعتُها مرارًا! هذا مدهش! بل مذهل! أتتذكرين تلك الكلمة؟ أتذكَّرُها طبعًا لكنّي أحبُّ أن أتكتَّمُها. رانَ صمتُنا. ثُم رانَ صمتٌ لا يُسمَع فيه غيرُ نَغمِ كلمةٍ محجوبةٍ مُتوَفِّزةٍ للإفصاح عن نفسها.
داريْتُ نزوعي أو رغبتي في أن أقول لها إنّ شجرتَها ليست بالغريبة؛ إذْ أَلِفَ الخلْقُ شجرةً أخرى كانت طرفًا أصيلًا في فاجعةٍ قديمة لم يُصِرَّ النُّصحُ الْلَّدُنِّيُّ على تلافِيها؛ فكانَ أن خلَت قصةُ الفاجعة، للعجبِ، من طلب العفو ومن الاسترحام والابتهال ومن النقض والطعن والإبطال، مثلما خلَت، يا للتربُّص، من الإمهال ومن الاستتابة ومن الغفران والمرحمة، فأطاحت بغتةً وعاجلًا ونهائيًا بالسُّلالة البشرية من الجنّة العليّة إلى الكرْب الأرضيّ! رأَت فادية جلدَ جَبيني يتكرمشُ، وبدا لها أنّي سارحٌ فدندنَت لكْ معايا، وأيقظتني، تتذكرينها! أيوة! كنا نغنيها بهذا الشكل في أيام المدرسة الإعدادية! وأنتَ يومها بدوتَ طفلًا يتفرّج من نافذة الأوتوبيس بل أحسستُكَ ابني! فأخذتُ يديْها بين يديَّ، وأفصحتُ لها عمّا تداعت أفكاري فيه، فسكتَت وابتسمَت ابتسامةً مأخوذةً مهمومةً أعلنَتني بها أنها تخشاني أو أنها، بالأحرى، تتحسَّبُ من هرطقتي. نظرتُ إليها في عينيْها وأجابتني بانفراجةٍ في شفتيْها، أزحتُ خصلتَها عن جبينها، وانطلقَ دمي يُغازلُ دمَها، وشعرتُ أننا نُطهى سويًّا ونمتزج، وانصرفنا مُتَّقديْن وأعيننا مشتبكة، مررنا بمرأى من أعيُنِ جماعة الدبّابة الصفراء غير الظاهرين، وفي طريقنا تمادينا واختلسنا في عماءٍ وبلا أناةٍ لمساتٍ واجتراءاتٍ، وتهدَّجنا، ولَهثنا. عبَرنا تقاطُعاتِ الميدان، ودخلنا شارعَ الفجَّالة، واخترقنا الحواري التي طالما تخيّلتُها مَطارحَ ومنازلَ ألبير قُصيري، وبوصولنا إلى ميدان الأزبكيّة همستُ لها:
- سنسكنُ هنا؛ أنا وإياكِ.
مالت على ذراعي وعضعضَت كتفي.
لأجل احتياجي إلى المساهمة بالذكريات في إذكاء النيران المتصاعِدة بيننا انبرى لساني يحكي لها أني احتفظتُ بغلاف الشيكولاته وأنّ الغزالة الصغيرة آمنةٌ؛ تُغلقُ عينيْها وتفتحهما شوقًا إلى صُحبة أخواتِها. هو لساني الذي راحَ يغشُّ، يسفحُ زيْفا، يتملّقُ ويفتري، وأنا أتعرَّق في برد ذلك اليوم. أشعرُ بالبرد في يديَّ، فآخذُ يديْها وأنفخُ لها فيهما. واصلنا سيْرَنا، وذهبتُ معها إلى بيتٍ فاخرٍ تقيمُ فيه مع شقيقتها الكبرى، فسلّمَتْها تذكرةَ القطار، وقدّمتني إليها، ناصِف؛ زميل قديم / نادية؛ أختي، وتحدّثنا، وعرفتُ أنهما وحيدتان، وأجبتُ على أسئلتِها واستفساراتِها الدقيقة الحاذقة، ثم كان أنْ خطبتُ منها فادية إذْ بدا لنا ذلك ملائمًا معقولا. طلبتُ يدَها فأُجِبتُ، وبعد بروتوكولاتٍ معهودةٍ عقَدنا قرانَنا، ومضينا قريريْن في حياةٍ مشتركة، وفادية تحتازُني وتختطفني ليلًا ونهارًا برائحةٍ تشعلقتُ بها، ولا تني تمرُق لي من حُسْنٍ إلى حُسنٍ ومن طلاقةٍ إلى طلاوةٍ، وكأنّها ألفُ امرأةٍ وامرأة، على الرغم من أنّي كنتُ إذْ ذاك قد استقررتُ عند أنيتا إيكبيرج مشغوفًا ومُريدًا، بعد خيالٍ جامحٍ قصيرٍ مع آنوك إيميه وأورنيلا مُوتي. وبقيتُ على تردُّدٍ متأرجحًا بين استقراريْن اثنيْن، لكنّما راحت قناعتي تتشكّلُ نوعًا ما وتلوحُ لي مُعتبِرةً أنّ الإيروسَ يكونُ ما يكونُ الشغفُ، وأنّ الإيروسَ هذا إذا اشْتطَّ فليس يقدرُ على ردعِه وازِعٌ، وأنّ إلى فناءٍ تُودي المعرفةُ.
ضُبِطَ سميح وهو يتسلّلُ خارجًا من حديقة الأزبكيّة، قُبيل انبثاق صُبحِ أحد الأيام، بعد أن صَبَّ لِترًا من الكيروسين على جذع شجرة النخيل الملوكيّ وأوقدَ فيها النار. أتذكّرُ يومَ السبت ذاك الذي تفاجأتُ فيه بالخبرِ المشتملِ على اسم سميح منشورًا في مربعٍ صغير بصفحة حوادث جريدة أخبار اليوم، وابتدرني فضولٌ مُتزايدٌ إلى مُعاينة تلك الشجرة، مُتشجِّعًا بِدنوِّ الحديقة من مكان إقامتي، حيث سكنتُ آنذاك مع فادية بعد زواجنا خلف جامع الكخيا بإحدى حارات حيِّ الفوّالة. عزمتُ على زيارة الحديقة وموالاة الاهتمام بما نُسِب إلى الشجرة، ذلك أني كنتُ حقًا قد أُخِذتُ بحديث فادية المقتضب عمّا سمعَتْه من كلامٍ أو وشوشةٍ، من دون أن أعودَ فأتمحَّصَه أو أفكّرَ فيه مليًّا، ومن دون تكرار الثرثرةَ عنه مع فادية، إبرارًا. طويتُ الجريدةَ، ونزلتُ بمنتصف نهارٍ أبتغي استطلاعَ آراء مُرتادي الحديقة. تجوّلتُ بين الأشجار حتى عثرتُ على شجرة نخيل ملوكي بها أثر حريقٍ واسوداد عند جذعها، فاقتربتُ منها ودُرتُ حولها لأستبينَ ما إذا كان هنالك مَن يُراقِب. جلستُ وارتكنتُ على جذعٍ تحرفَشَ من جرّاء النار التي أَلَـمَّت به، أمَلتُ أُذُني وأرهفتُ سمعي عسايَ أُعايشُ موقفَ فادية حين أتتها الأصواتُ، وعسايَ أتلقّى مع الجذع رشّةَ الكيروسين ولفحةَ النار. ولم أكن لِأصدِّق أنّني سأستمعُ، بعد كل ما حدثَ، إلى ما قالت فادية إنّها استمعت إليه! لم يصل إلى سمعي شيءٌ إلّا ما يُشبه قرقرة القطط مخلوطًا بِلَغطِ الزوَّار وهَرجِ الشوارع القريبة، فغادرتُ وأنا أنتوي المجيءَ في وقتٍ آخرَ أقل صخبًا، بعد أن أتجهَّزَ بإخلاء رأسي من بعض تَشتُّتِها.
لم أخبر فاديةَ نبأَ سميح، لكنه وصلَ سريعًا إلى عِلمها فأبانت مروءتَها ونُبلَها مُعتبِرةً أنّ جريمتَه لم يكن لها مَبعثٌ سوى حُبِّه لها والتزامِه بالانتقام مما تسبَّب في انفصالهما، وصارحتني بأنها، وإن كانت تتمنّى ألّا يتأثّر رباطُنا بما سيحدثُ، ستقفُ قويمةً، حيث يليق بها، داعِمةً لزوجها السابق، راهِنةً مصيرَ زواجنا بما سوف يقضي به ضميرُها بعد أن تتقصّى من سميح ما يلزمها من إبانات. احتماليةُ انسحابها أشعرتني بأنني أُخذَلُ وبأنني أتأهَّلُ إلى الحيرة وأُرتَهَنُ إلى ما هو هباء، ولكن خاطرةَ انفصالنا، بخلافِ الْغَمِّ الذي سَكَنَني حقًا بسببها، مرّت على روحي مثل برقٍ واعِدٍ فاتِحٍ، وأسعدتني في أغواري!
في أول الليل تضوَّعت فادية؛ فاحت برائحةِ اللُطفِ واليُسر والمثول والشوق الطالعين من جِلدِها، وترامى عِطرُها حُلوًا ناعِمًا عَبِقًا لاهِبًا مُشتَدًّا، وتغازلنا واتقدَت منّا الأبدانُ والأرواحُ وأُحيِيَت بدائعُنا، وجِيء بالذكريات حتى التي نُسيَت، ثم نعسنا بأعمق ما فينا. في الثانية صباحًا صحونا.
تَفقَّدَتني وتَفَقَّدتُها، وتمدّدَت ماثِلةً بجواري تتصفّحُ لي ألبوماتِها الخاصة بأوراق الشجر وتختبرني وتسألني عن الأجمل وعن الأطيب وعن الأرق، وبعد ساعةٍ نهضتُ وقلتُ لها إني سأنزلُ لشراء الطبعة الأولى من الأهرام والتجوال قليلًا ثم أعودُ بالخبز والفول والطعمية ومستلزمات الفطور. همسَت لي بأنها تحدُسُ بحَملٍ قد عَلِقَ للتوِ برحمِها. تشبَّثَت بي كيلا أنزل، ثم أجازَت ذهابي برموشِها. نزلتُ، وتبعتني فادية متسلِّلةً، ورأتني متجهًا إلى ثغرةٍ خفيّة في سور الحديقة يعرفها الزُّوّارُ الليليون والمتشردون والمدمنون، ودخلَت بعدي. لم أدرِ بوجودِها إلّا في اللحظة التي ظهر لها فيها سميحُ، الشبيه بالكابتن ماريو كيمبس، وقد رأته في العتمة وصرّخَت عليه صرخةً مهموسةً:
- سميح!
كان قد رآها، مثلما رآني، منذ دخلنا، فصرخ بغضب:
- هُس!
اتجَهَ ناحيتي، وجأرَ مُهدِّدًا ومُشوِّحًا بسبّابتِه:
- أنا ربُّ هذه الغابة.
ثم نقّحَها:
- أنا ربُّ الغابة! وسأُريكَ عذابي؟
لم ينتظر كلمتي، ودمْدمَ:
- أنتَ خائن. أنت آدم! أَفَكُنتَ يا آدم تعلم؟
كنتُ أشعرُ أني في مسرحٍ، وأحدهم ما يزالُ يتدرّبُ على حِفْظِ دورِه. التزمتُ الصمتَ، لكني تزحزحتُ جانبيًا مقتربًا أكثر من فادية لكي تشعر بجسمي يجاورها، وعاد سميح يشوِّحُ تجاهي:
- اخلع ثيابَكَ يا آدم، وامضِ من هنا.
وإلى فادية أشارَ أيضًا:
- وأنتِ كذلك.
قالت فادية:
- سأرجعُ إليكَ يا سميح!
زامَ وخَبطَ بقدمِه سُخطًا. فأعادت:
- سأرجع إليكَ، وهذا هو ما اتفقتُ عليه مع ناصِف.
- لا، لا أقبل. الربُّ لا يقبل.
فادية عن يميني واقفة، ويدُها في يدي، وشجرة النخيل الملوكي في ظهريْنا، وصوتٌ مُطمئنٌ في أذني ُأحبكَ، الأشجارُ تتحابُّ واقفةً. ولقد أمرَنا سميحُ بخلعِ ثيابِنا، وطيِّها، ووضعِها بجوار جذع الشجرة، وتركِها، والذهاب. الفجرُ مُوشِكٌ، وفي غَبشِه ظللتُ أنا وفادية بلا حِراك، نظنُّ أو بالأحرى نأملُ أن يسهوَ سميحُ عن أمرِه الموجَّه إلينا بالتعرِّي أو يتراجع عنه، بينما هو يترقَّبُنا هادئًا عابِثًا يُصفِّرُ بفمِه، ثم كرَّرَ علينا أمرَه السابقَ بإشارةٍ من يدِه وهو يُبحلِقُ في فادية ويدندنُ كان لكْ معايا. رأيتُه يضع حلقةَ مطواة في إصبعه ويديرها بنزقٍ، فما لبثت مطواتُه إلّا أن أفلتَت منه وأضاعها العشبُ عنه. بدا لي شخصًا مفتقدًا درايتَه بالمعاني. لكنه سرعان ما التقطَ مطواتَه بعدما نبشَ عنها قليلًا، فأوحى إليَّ بأنه قد باتَ عارِفًا لا يُبارى بالحديقة وخفاياها، وقد أخافتني منه مؤهلاتُه هذه، ولولا إني سمعتُه يتنهَّدُ ما بدَت فرصةٌ لمفاوضتِه:
- هي عرضَت عليكَ أن تعود إليك.
- سأراكما تدوران عارييْن حول إبراهيم باشا وحصانه، وتقتتلان!
مَلِصَت فادية يدَها من يدي، وخطَت خطوتيْن إلى الوراء، وجلسَت وأسندَت ظهرَها إلى جذع شجرة النخيل الملوكي مُعِيدةً هيأتَها وقتَ وقوع الواقعة الأصليّة.
تغشّانا النّدى وأحاطتنا أبخرةُ البكُور، ومن عُمق غابة سميح سمعنا زعيقًا ينادي:
- حبظلااام! يا حبظلم! يا سفّاح الجامعة، هل عندك ضيوف!
ردَّ عليه سميح بما يشبه الجَمجَمة، فعاد العجيجُ:
- ألن تأتي يا سفّاح؟ هيا بنا!
الـمُنادى المقصود حَملقَ فينا شزرًا وقال إنه سيسلُخُنا قبل أن نفكر بالهرب وإنه متفرِّغٌ لملاحقتنا وتعذيبنا، ثم رشقَ مطواتَه في الشجرة بحركةٍ بارِعة مدهشة:
- إياكما أن تتحرّكا.
ومضى ذاهبًا فيما يبدو إلى رفيقِه الذي زَعَقَ عليه.
بقيتُ مع فادية على حالنا لعشرِ دقائق ساكنيْن مُثبَّتيْن بتهديد حبظلم السفّاح، إلى أن واتتنا الجرأةُ على التحرُّك والهرب. اختلستُ مطواتَه من دون أن أعي لذلك عِلّةً، وخرجنا، يدًا في يد، بخطواتِ شخصيْن مغلوبَيْن مُنسحَقيْن يتلفَّتان مذعوريْن، ثم هرولنا إلى ميدان الأوبرا، ودُرنا حول تمثال إبراهيم باشا كأننا نؤدِّي فرضًا، ونحن مُغتبطان في شطحةِ خلاصِنا، ونحن كذلك في كاملِ ثيابِنا، تُخايُلُنا صورتُنا عارييْن على الملأ؛ التي أُنذِرنا بها ونَجَوْنا منها. تلاشت نشوتُنا. كنتُ ناضِبًا وكانت فادية. كنتُ مُمتقِعًا مُضْمَحِلًا وكانت فادية. اشترينا فطورًا وذهبنا به إلى قهوة متاتيا لنأكلَ ونشربَ شايَ الصباح، وهناك لمحْنا السفّاحَ يشاهِدُ مع رفيقه وساهِرِين آخرين كثيرين مباراةَ الملاكمة على شاشة تلفزيون صغير.
تحت جَلبةِ صوت مُعلِّق المباراة المنقولة بالأقمار الصناعية من خلف الأطلسيّ غمزَت لي فادية بأننا، مهما يكُن، سنتناول فطورَنا بطُمأنينةٍ وسنشرب شايَنا باسترخاءٍ وانبساطٍ لا لشيءٍ إلّا لكي يُعجَب بنا ويرضى عنّا الجنينُ هذا الذي عَلِقَ بها، ما كاد، ولم يزَل.
كانت الشمسُ قد أشرقَت بنورٍ واهِن، ثم غامت السماءُ وأمطرَت خفيفًا، فبقينا على مقهانا، ولَحقَنا تهليلُ المشاهدين للبطل المنتصر في نهاية المباراة، وانصرفَ معظمُهم، ورُبّما كان سميحُ قد رآنا أو لم يكن. بدا ذلك الشأنُ كأنّه لم يعُد يهُمُّنا. أسقطتُ المطواةَ خِلسةً في حَنيِّةٍ مستترةٍ بالمكان، وقُمنا، وأخبرتُها أني سأذهب لشراء الجريدة أولًا قبل أن أعودَ فألحقُ بها إلى البيت، ولم أعُد أبدًا، ولم أكن قد تدبَّرتُ ذلك ولا انتويتُه ولا قرّرتُه ولا تهيأتُ له، وقد علمتُ بأنها هي أيضًا لم تعُد أبدًا، وأُرَجِّحُ أنها هي أيضًا لم تتدبّر ذلك ولم تتخيّله ولم تقرّره بل ربما لم تُدرِكه.
أين أبحثُ عمن أُريدُ؟ في أبعدِ مَناحِيهِ عنه! عشيةَ مغادرتي بلادي نهائيًا إلى مَهْجري أطعتُ حنينًا ساقني إلى رؤية تليفون الكُشك المجاور لبوابة حديقة الأزبكيّة الذي بواسطته هاتفَت فادية زميلَها ليأتيَها ويُخمِدَ اضطرابَها ويُؤنِسَها، وقد وصلتُ إليه، فأدرتُ قُرصَه بأرقامٍ ارتجالية وإصبعي يتبعُ أثرَ إصبعها حسبما راقَ لي الظنُّ، وأجريتُ مكالمةً عشوائية، وأنا أُمعِنُ النظرَ في البائع المسنِّ باعتباره شاهِدًا مُحتمَلًا على ذلك الأصيل الربيعيِّ الذي تكلّمت فيه شجرةٌ إليَّ عبْر مسامعِ فادية.
أَتُراني مضيتُ إلى حيث أتممتُ طوافيَ حول تمثال الفارسِ مراتٍ عديدة، وطيفُ فادية عن يميني يَحُفُّ بِكَتفي! كيف سارت أيامُكَ؟ كيف سارت أيامُكِ فادية؟ أَراني زَفَرتُ هوائيَ كُلَّه، نَفَثتُه، وراحت عيناي إلى مئذنة الكخيا فرأَتاها على شَبَهٍ بشجرةِ نخيلٍ ملوكيّ، وأتبعتُ مسعايَ بالتوَجُّهِ إلى قهوة متاتيا فما كان لي أن أَبلُغَ منها غيرَ طللٍ ورُكامٍ ما هَمَدَ بعدُ غُبارُه.
مثلُ جَملٍ فاتَ من خُرم إبرةٍ مرَّت سنونٌ، بالفُرادى وبالعشرات، تبدَّد فيها ذاك الجنينُ العالِقُ بهزيعٍ أخيرٍ من ليلةٍ حَرّى، مثلما أُلْمِحَ إليه. طالَ عُمري، وكان أنْ تلاحقَت عليَّ سنواتٌ لا أَعِيها، وأنْ تواردَت لي كلماتٌ إثر كلماتٍ في مناماتي كعطايا لَدُنيّةٍ وجَيَشانٍ وكرِجْسٍ وقوتٍ مُزهِرٍ وهناءة، وفي هاتِهِ السنواتِ نفسِها كُلِّها دَامَ أَلبومُ أوراقِ الأشجار المتروكِ في فراشِنا مفتوحًا ومشمولًا بعَبقِ لُطفِ المرأة ذات الوجه القمريّ والشعر الناعم المقصوص وبِرِيحِ يُسْرِها ومُثولِها وشوقِها، وراودت خيالاتيَ دومًا غزالاتُ كُورُوناتِها الصغيراتِ وهي ترعى على خُضرةِ هاتِيكَ الأوراقِ التي أينعَت في صُبحٍ تَليدٍ طلعَ وانطوى ثم ما لبثَت إلّا وهي قد طالَها عَفْرٌ حَطَّ وتراكمَ وتعالى ونالَ وطمسَها.
(2 أكتوبر 2025 - القاهرة ، عابدين)
عاطف سليمان قاص مصري