أحمد الحوسني -
«لم يكن البحر إلا احتمالًا
لكننا تدثرنا بالمياه»
عبدالله حبيب
(1)
إن متُّ هنا فادفنوني هناك
على نحر حبيبتي
لا تأخذوا معكم شاهدة أو حجرا
شاهدتي سرٌّ صغير
خبأناه معًا هناك
في نحرها
(2)
غرفة خالية من أي شيء
سوى من ألوان رشحت عن أناملها
على الجدار
ومجمر صغير
تمسكه بيدها
تنفخ فيه
لتصعد الرائحة
وتسكن الجسد
(3)
هناك في أقصى زاوية بالغرفة
فِراشٌ أرضي
بالكاد يتسع لجسد واحد
وبطانية خضراء مملوءة بالقطن
اتسعت الأرض
وظللتنا الشجرة
وسال الماء
(4)
كانت عيناها تحلمان بالبعيد
بينما كنتُ أنظر إلى الماضي
(5)
على الشاطئ
خلعنا الأحذية
وبخطوات أخف من الهواء
جرينا معًا
الرمل يدفعنا نحو الشمس
والبحر يمحو
(6)
في صوتها تغفو سحابة
وعلى كتفها يستريح القمر
(7)
عند الظهيرة
تحمل حقائبها الكثيرة
لتقطع الطريق
شارعًا فشارعًا
إليّ
وفي صمت مبللٍ بعرق النهار الطويل
تُغمض عينيها على صدري
فيهطل الليل
(8)
تهبط على وجنتيها فراشتان
وبحفيف الحرير
تفتح عينيها
فينحدر الضوء
(9)
يسكت الكلام
وبانحناءة خجلى - أعرفها جيدًا - تعود خطوة صغيرة إلى الوراء
تنظر إليّ
ترتجف يدها في يدي
«تْحْبْنِي؟»
نفتح ذراعينا
ويتدفق الصمت
(10)
في الليل
أنتظرها
عند باب الحديقة
تُقبِل على وجل
وفي يدها وردة حمراء
ورائحة العشب
(11)
إلى البحر نمضي
تضع وجهها على كتفي
تهطل من عينيها دمعة دافئة
فيختفي البحر
(12)
على ظهر صخرة في الوادي
كانت القُبلة الأولى
وبجناحي عصفور
طرتُ إلى أعلى الجبل
(13)
«- حبيبي عورتك؟
- لا
- أعرف عورتك»
آه يا لوعة قلبي!
(14)
كنّا إذا حلّ الفجر
نجر عربة من الزجاجات
نجمع فيها الدموع المسكوبة على الشوارع بالليل
ونمضي إلى البحر
(15)
تقول لي في الصباح
بينما تناولني القهوة
عيناك تحتهما سواد كثيف
حدثني عمّا فعل بك الليل يا حبيبي
(16)
أسفل غرفتها
أعدُّ النجوم وأغني مع الليل
وبحنان الأمهات
تفتح النافذة
وترمي لي زوادة معطرة بالياسمين
(17)
مرة
قطعتُ الغابة إليها
ومن وراء الباب
مدت لي يدها
هسهست الأصابع
وازرقّ الليل
(18)
البحر والليل والطريق
وأنا
نناديها
تذكري
يا حبيبتي
لا تنسي
(19)
على الشباك
حمامة مكسورة الجناح
تحمل في يدها رسالة
ومنديلًا مبللًا بالدموع
(20)
وأخيرًا يا حبيبتي
ستمضي الأيام
وستحمل الأكتاف نعوشًا لا تُحصى إلى المقابر
وحده قبري لن يجف
فهناك بئر لن تنسى
ومياهٌ تسيل
وحنينٌ يفيض عن الموت
أحمد الحوسني شاعر عماني