البوسنة في احتياج إلى إعادة هيكلة نظامها السياسي؛ فبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود من الزمن على اتفاقيات دايتون التي أنهت الحرب المدمرة التي دارت بين عامي 1992 و1995، حان الوقت لكي تتحمل البلاد المسؤولية كاملة عن مستقبلها.

كجزء من تسوية 1995، أُنشئ منصب «الممثل الأعلى الدولي للبوسنة والهرسك» للمساعدة في تنسيق وتنفيذ كل الأحكام المدنية والسياسية الواردة في اتفاق السلام.

كان المفترض أن تظل قوة ضخمة تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مسؤولة عن الفصل بين القوات العسكرية، ولكن جرى الاتفاق على ضرورة إنشاء مكتب سياسي مستقل لِلَمّ شمل البلاد.

وَقَعَت تلك المهمة في مستهل الأمر على عاتقي بصفتي أول ممثل أعلى في سلسلة طويلة جاءت من بعدي.

كانت أولويتي المباشرة متمثلة في إنشاء المكتب وتشغيل مؤسسات البلاد، على النحو المبين في الدستور الجديد الذي اتُّـفِق عليه في دايتون.

وهكذا فعلت؛ لكن منصب الممثل الأعلى لم يكن من المفترض قَـط أن يعمل كمؤسسة دائمة تتمتع بصلاحيات التدخل المباشر في إدارة شؤون البلاد.

ولو تجرأ أي مشارك في محادثات دايتون على اقتراح أي شيء من هذا القبيل، لَرُفِـضَت الفكرة على الفور (أعرف ذلك، لأنني كنت هناك).

ولكن بعد بضع سنوات، قررت الدول التي تشرف على تنفيذ اتفاق السلام منح الممثل الأعلى صلاحية التدخل المباشر في شؤون البوسنة، ومنذ ذلك الحين، استُخدِمَت «صلاحيات بون» هذه على نطاق واسع.

كانت شرعيتها موضع شك دائما، في أحسن الأحوال، ولكن طالما بدا أن الترتيب الجديد يعمل، فقد قبله الجميع. مَـرَّت لحظات حَرِجة حقًا حيث تَدَخَّل الممثل الأعلى لكسر الجمود السياسي والسماح للبلاد بالمضي قدما.

ولكن بمرور الوقت، تسببت صلاحيات بون في تدهور النظام السياسي في البلاد؛ فبدلا من الجلوس معا، والعمل على حل القضايا الصعبة، والتوصل إلى التسويات المعقدة اللازمة لحكم بلد بهذا التنوع، لجأ القادة البوسنيون على نحو متزايد إلى المطالبة بالتدخل من جانب الممثل الأعلى. تَـهَرَّبَ عدد كبير جدا من السياسيين من مسؤولياتهم وركّزوا طاقاتهم على إثارة المشاعر القومية المثيرة للشقاق والانقسام.

ثم خلقت هذه الديناميكيات حلقة مفرغة جعلت التدخل الخارجي يمنع النظام من تطوير قدرته على الأداء بمفرده، والذي أدى بدوره إلى خلق الطلب على تدخل متجدد.

منذ عام 2008 على أقصى تقدير، أصبح من المعترف به على نطاق واسع أن هذا الوضع من غير الممكن أن يستمر. لكنه استمر رغم ذلك، لأن الجمود كان أسهل على جميع الأطراف المعنية، ولأن أي تغيير جذري لم يَـبدُ أنه يستحق ما يرتبط به من مخاطر.

ثم جاء قرار الولايات المتحدة الشهر الماضي بإقالة الممثل الأعلى الحالي. وتظل الأسباب التي دَعَت إلى هذه الخطوة المفاجئة غامضة، لكن الدافع يبدو مرتبطا بالمحسوبية: شركة مجهولة تتنافس للسيطرة على خطوط أنابيب الغاز وإمدادات الغاز في المستقبل في المنطقة، وتصادف أن لها علاقات شخصية بدوائر مقربة من الرئيس دونالد ترامب. من المؤكد أن السلطات الأميركية تَـدّعي أن إقالة الممثل الأعلى تأتي متماشية مع معارضة الإدارة لـ«بناء الدولة». قد يكون ذلك صحيحا جزئيا؛ بيد أن ترامب لم يُـخفِ أنه يضع الفرص التجارية والربحية في صدارة «سياسته» الخارجية.

على أية حال، كانت هذه لتشكل فرصة مناسبة للبوسنة لاحتضان مستقبل بدون ممثل أعلى.

علاوة على ذلك، كان بوسع إدارة ترامب أن تستغل تدخلها لتمرير تعديلات دستورية ظلت مطروحة على الطاولة لسنوات.

كان من الممكن وضع خريطة طريق من الخطوات والإصلاحات التي تهدف إلى إيجاد التوازن بين المصالح المتنافسة وتهدئة مخاوف مختلف الأطراف المعنية بشأن القفزة إلى الاستقلال الحقيقي. لم يكن الأمر ليتأتى بسهولة، لكنه كان ليصبح في حكم الممكن لو استغل الجميع هذه اللحظة بشكل كامل.

لكن الأمور لم تجر ذلك المجرى. لم تَـعُـد البوسنة بين القضايا الرئيسية على الأجندة العالمية، لذا لم تجد الدول المعنية أي دافع لاغتنام الفرصة المتاحة أمامها. ومرة أخرى، اختارت الطريق السهل المتمثل في تعيين ممثل أعلى آخر، لكنها فشلت حتى في القيام بذلك حتى الآن.

في عهد ترامب، أصبحت أجندة الولايات المتحدة متباعدة على نحو متزايد عن أولويات أوروبا، وكل طرف يعرقل مرشحي الطرف الآخر. والنتيجة ــ التي أصبحت مألوفة للغاية في أيامنا هذه ــ هي مشهد سياسي غير لائق يخلو من أي استراتيجية أو دراسة متأنية. وبدلا من معالجة مشكلات البلاد أخيرا، من المؤكد أن هذه النتيجة سَـتُفضي إلى إطالة أمدها.

مع ذلك، تظل الحقيقة أن البوسنة والهرسك ــ إلى جانب جيرانها ــ تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي؛ فببساطة لا توجد طريقة أخرى لضمان السلام وتحقيق مزيد من الرخاء لصالح المنطقة بأسرها، وأكثر من 70% من سكان البلاد يدركون هذا الهدف بوضوح.

لكن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يتطلب أن يكون البلد قادرا على الاعتماد على نفسه، وألا يعتمد دائما على قوة خارجية تتدخل على نحو مفاجئ لحل أزماته.

كلما أسرع الجميع إلى إدراك هذه الحقيقة، كان ذلك أفضل. فالألاعيب الدنيئة المحيطة باختيار ممثل أعلى جديد تهدد بمزيد من تأخير النتيجة التي ينبغي أن يسعى إليها كل من يعمل بحسن نية.