تحت كل صخرة في هذا الوطن شاعر، يتنفس القصيدة ويعيشها، ولكنه بعيد عن الأضواء، لا يهمه الضجيج، ولا يؤنسه المديح، يحيا بعيدا مخلصا لنفسه وقصيدته، لا يزاحم الآخرين في ظهورهم، ولا يسابقهم إلى موائد الكرام، ولا يسعى للوصول على أكتاف غيره، بل يكتفي بما يكتب، ويكتفي بجمهوره الصغير المحدود، الذي يرى فيه عالما من الحياة والإصغاء والفهم، يعوضه عن كثير من التطبيل الزائف والتصفيق المجامل، ويغنيه عن آلاف المتابعين الذين يكيلون له الثناء والمديح، رغم أنهم لا يفهمون الشعر، ولا يملكون أبسط معايير النقد.
أعرف كثيرا من هذه المواهب التي تعيش مخلصة لقصيدتها، لا تهرول خلف الأضواء، ولا تسعى إلى دق أبواب الشهرة، وقد لا يعرف بموهبتها إلا أقرب المقربين، ولا يكتبون إلا حين يفيض بهم الدمع والحزن والعشق، لذلك لا تسمع بهم، ولا تراهم، لأنهم يكتبون دون ضغوط خارجية، ودون مؤثرات إعلامية، وبهدوء شديد لا يكاد يحسه غير أولئك المفعمين بالشفافية، والمسافرين في ملكوت الكلمة، وهؤلاء قليلون في عالم مليء بالصخب والضجيج والشعر العالي الذي لا تسمعه إلا الأذن التي تربّت على الصوت المرتفع من خلال المنابر الإعلامية والمناسبات الاجتماعية المختلفة.
ورغم كل الاحترام لهذه الخصوصية، وهذه الوحدة التي يعيشها هؤلاء الشعراء الصامتون، إلا أنهم بهذه العزلة الاختيارية يظلمون قصيدتهم، ويظلمون أنفسهم في الوقت ذاته، ويخنقون موهبتهم من خلال كبتها وعدم ظهورها للآخرين، فكم تحتاج الساحة الشعرية إلى كتابات تنفض عنها هذا الغثاء، وتعيد للشعر بريقه وهيبته، وتغربل الكثير من المفاهيم التي اختلطت في أذهان الناس عن الشعر، وكرّس لها بعض الشعراء الموهومين الذين يهيمون في كل وادٍ ونادٍ.
إنَّ الموهبة هي منحة إلهية مُنحت للبعض كي يُظهروها، ويبثوا فيها الروح، ويشيعوا من خلالها الفرح في قلوب الآخرين، فكم من قصيدة كتبها شاعر مغمور خلدته بعد موته، وكم من شاعر كان كل إرثه ديوان شعر مخطوطا أو مطبوعا لا يعرف عنه أحد. لذلك على الشعراء الذين يملكون موهبة الكتابة الفطرية أن يمنحوا ضوءها للعالم، وأن يصافحوا بها وجوه الناس الذين ملّوا من أنصاف المواهب التي تزاحم من أجل الوصول إلى ضوء يستحقه غيرهم، حتى غدت الساحة الشعرية مليئة بالشعراء، قليلة بالشعر. ولذلك فليبعث الشعراء الموهوبون أشعارهم من قبورها، لينشروا البهجة في نفوس العطشى من عشاق القصيدة النقية العذبة، التي تشق طريقها إلى القلوب دون استئذان أو تطبيل يفقدها وهجها وهيبتها وعفويتها.